مقابلة مع الدكتور فهيم يونس أخصائي الأمراض المعدية حول فيروس كوفيد-19

مقابلة مع الدكتور فهيم يونس أخصائي الأمراض المعدية حول فيروس كوفيد-19

الدكتور فهيم يونس القرشي

أخصائي الأمراض المعدية

  • لماذا أحدث الفيروس حالة هلع وانتشر الفزع في الساحة العالمية ؟
  • فيروس جديد يأتي من عالم الحيوانات ويصيب البشر، فما هو الحل ؟
  • “نحن كمحاربين في معركة نواجه فيها طائرات قتالية F-16 ودبابات بالسكاكين والمقصات.

أجرى اللقاء مجلة مقارنة الأديان الناطقة باللغة الإنجليزية:

س: حدث العديد من الأوبئة من قبل مثل السارس وانفلونزا الخنازير، ولكن لم يؤدي أياً منها لتدابير الاحتواء العالمية التي نشهدها الآن، حيث تم إغلاق المحلات التجارية، وتأثرت وسائل النقل.
فما الذي يجعل فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19) مختلفاً إلى هذا الحد؟

د. فهيم: إنه سؤال ممتاز. أعتقد أن الجواب المختصر هو قوة التّأثير وصدى الحدث. فبين يناير وفبراير، كل ما كان يقوله الناس هو “هذا نوع آخر من الانفلونزا، ومعدل الوفيات فقط 2٪”. هذا الرقم 2٪ كان مضللاً جداً، لأننا إذا ما عدنا إلى السارس، الذي حدث في عام 2003، كان معدل الوفيات فيه 8٪. ولكن عندما ننظر إلى العدد الإجمالي للأشخاص الذين توفوا بسبب السارس في العالم، فكانوا أقل من 900. مع كوفيد-19 الآن، عدد القتلى أكثر من 26 ألف. لذا فإنّ ما فعله كوفيد-19 في غضون ثلاثة أشهر، لم يحققه السارس خلال عامين.

فالسؤال هو لماذا؟ ما الذي يجعل هذا الفيروس قاتلاً لهذا الحد؟

لقد تغير الكثير في العالم على مدى السنوات الـ 17 الماضية، ومثال على ذلك السفر العالمي. إذا نظرتم لعام 2003، كان هناك حوالي 1.5 مليار مسافر سنوياً في جميع أنحاء العالم. العدد الآن يفوق الـ 4 مليارات شخص. يمكنك أن ترى كيف انتشر هذا الفيروس على نطاق واسع. وثمة نقطة أخرى هي توقف السفر من ووهان، الصين. اندلع الفيروس حوالي نوفمبر أو ديسمبر، لا نعرف بالضبط متى، ولكن دعونا نقول أنه كان في ديسمبر. ولم تُفرض قيود السفر حتى 21 يناير. لذا، بحلول ذلك الوقت، كان أكثر من 7 ملايين شخص قد سافروا من ووهان. عندما نضع هذه الأرقام معاً ثم ننظر إلى معدل الوفيات (2٪) ونقارنه مع الانفلونزا العادية، (أنا لا أعرف عن المملكة المتحدة ولكن في الولايات المتحدة، الأنفلونزا تقتل وسطياً حوالي 35 ألف كل عام)، فالوفيات من فيروس كورونا 10 إلى 20 ضعف؛ لذا فمن المحتمل أن يلقى حتفه نصف مليون شخص في الولايات المتحدة.

المشكلة الأكبر هي الإصابات المترافقة. حوالي 10-15٪ من الناس سوف يحتاجون إلى دخول المستشفى. إذا أصيب 10٪ فقط من سكان الولايات المتحدة بالفيروس، (وهذا غير مرجح، لأن العدد أعلى بكثير من ذلك)، فسيحتاج 6 ملايين شخص إلى دخول المستشفى. لدينا 5000 مستشفى في البلد، إذا فكرنا بالأمر يعني ذلك: 1000 مريض إضافي لكل مستشفى. هذه هي الأسباب التي تجعل الوضع بالغ الأهمية.

أنا أقول أنّ لهذه المصيبة ألف سبب. ما يحدث هنا هو أن عوامل صغيرة متفرقة ومتعددة اجتمعت حتى اكتسبت زخماً.

لدينا أولاً عامل جديد- فيروس جديد يأتي من عالمم الحيوانات ويصيب البشر، لم نتعرض له من قبل، فجهاز المناعة لدينا أُخذ على غفلة، أي ليس لدينا مناعة ضده.

ثانياً، حدث ذلك في المكان الأكثر اكتظاظاً بالسكان. ولو حدث في المالديف، وهي جزيرة، لما انتشر في العالم أبداً.  ووهان مدينة أكبر (11 مليون نسمة) من مدينة نيويورك (8 مليون نسمة).

ثالثاً، حدث ذلك في فترة رأس السنة الجديدة، حيث يبلغ معدل السفر ذروته، وتلتها مناسبة رأس السنة الصينية الجديدة. ورابعاً، لم يكتشف الفيروس قبل 7 أو 8 أسابيع

أنا أقول أن لهذه المصيبة ألف سبب. ما يحدث هنا هو أن عوامل صغيرة متفرقة ومتعددة اجتمعت حتى اكتسبت زخماً. لدينا أولاً عامل جديد- فيروس جديد يأتي من عالم الحيوانات ويصيب البشر، لم نتعرض له من قبل، فجهاز المناعة لدينا أُخذ على غفلة، أي ليس لدينا مناعة ضده. ثانياً، حدث ذلك في المكان الأكثر اكتظاظاً بالسكان. ولو حدث في المالديف، وهي جزيرة، لما انتشر في العالم أبداً.  ووهان مدينة أكبر (11 مليون نسمة) من مدينة نيويورك (8 مليون نسمة). ثالثاً، حدث ذلك في فترة رأس السنة الجديدة، حيث يبلغ معدل السفر ذروته، وتلتها مناسبة رأس السنة الصينية الجديدة. ورابعاً، لم يكتشف الفيروس قبل 7 أو 8 أسابيع.

أنا لا أنتقد الصينيين – أعتقد أنه من الصعب جداً اكتشاف مرض جديد – لذا أعتقد أنهم قاموا بعمل هائل، ثم ضف إلى ذلك معدل الوفيات، والإصابات الخطيرة، وقوة هذا الفيروس. الانفلوانزا ينقلها المصاب إلى شخص أو شخصين ، أما فيروس كورونا فينقله إلى شخصين أو إلى ثلاثة أشخاص. قد يبدو ذلك فرقاً صغيراً ولكن عندما تطبقه على الشعوب مع المستوى الثالث والرابع والخامس من العدوى بالفيروس، فالمحصلة هي مئات الآلاف من الناس. فالعوامل متعددة ومتماشية مع بعضها البعض وهذا يفسر ما تراه من وقع وتأثير لهذا الفيروس.

س: ما قدّمته مفيد جداً.
فيما يخص وسائل التواصل الاجتماعي، لقد تحدثت قليلاً على حساب تويتر الخاص بك عن بعض المعتقدات الخاطئة حول الفيروس التي تحتاج إلى تفنيد. وأعطيت الكثير من التفاصيل حول ذلك. هل يمكن أن تخبرنا بأهم هذه المعتقدات من وجهة نظرك؟

د.فهيم: الله وحده يعلم، ليس لدي أي فكرة! سأقول لك لماذا أفعل ذلك قبل أن أعطيك مثالاً. لم أتمكن من مواكبة رسائلي النصية والواتساب والمكالمات الهاتفية التي كنت أحصل عليها – من الأصدقاء والعائلة وأفراد الجماعة الإسلامية الأحمدية ومن العمل – لأن الجميع كانوا قلقين. لا أستطيع معالجة كم الأسئلة التي ترد، وكثير منها كان مجرد “أساطير”. في نهاية المطاف قالت ابنتي، “أبي، يجب أن تكتب حول هذا الموضوع على تويتر لأن العديد من الناس يستخدمونه”. وهكذا بدأت “التغريد” حول هذه “الأساطير” وتلقيت ردوداً من جميع أنحاء العالم. مما جعلني أدرك نوعاً ما أن هناك خدمة أستطيع أن أسديها للآخرين. أعتقد أن هناك الكثير من الناس الذين يواجهون هذه الأسئلة. قبل أسبوعين أو ثلاثة، كانت وسائل الإعلام تتحدث عن أن الفيروس سيختفي في فصل الصيف. فكانت هذه الأسطورة الأكثر شعبية في ذلك الوقت. ولو سألتني عندئذ، لقلت أنها الأسطورة رقم 1. ولكن بعد ذلك بأسبوع، ظهرت قصة الايبوبروفين والتي بدأت في فرنسا. وبعد ذلك، ظهر طبيب بريطاني، وأعتقد أنه اختصاصي أنف أذن وحنجرة، وتحدث عن فقدان الرائحة، قال: إذا كان لديك فقدان للرائحة، فأنت مصاب بكوفيد-19. حقاً! يعاني بعض أفراد عائلاتا من فقدان الرائحة منذ سنوات! لا أريدهم أن يموتوا ذعراً. فهذه الأساطير تنشرها وسائل الإعلام.

س: كمسلم أحمدي – من الواضح أنك في الخط الأمامي لهذه المشكلة – كيف ساعدك إيمانك فيما يخص كيفية التصرف في هذا الوقت العصيب؟

د. فهيم: نعم، أنا سعيد لأنك سألت هذا السؤال

لأن أحد شركائي تواصل معي في الأمس، وهو أيضاً أخصائي أمراض مُعدية ورجل ذكي جداً. وقال: سأطرح عليك سؤالاً وأعرف الإجابة، لكنني سأسألك رغم ذلك. لم يكن لدي أي فكرة عما كان يفكر به قال: “ألست خائفاً”؟ فضحكت كثيراً وقلت، قلت لي كنت تعرف بالفعل جوابي. أخبرني، ما هو الجواب؟ قال: أنا أعلم أنك ستقول “لا”. وقلت، هذا هو الجواب الصحيح. فسألني، لماذا؟ وقلت له: إنني كمؤمن أفكر أحياناً في موتي حتى في الأوقات العادية. ولم أكن أرغب بإغراقه في المصطلحات… ولكن أعتقد أن هذا هو ما علمنا إياه الخلفاء. وهو التعليم الأساسي للمسيح الموعود (عليه السلام). ما معنى التقوى؟ إنها خشية الله، والوعي بالله في رأيي. لذا، أعتقد أن لا متعة في غياب الإيمان. وأن هذه مرحلة ملهمة. لا أخشى أن أكون على خط المواجهة، بالعكس فإن ذلك بهجة لي لأنني وجدت عزماً أكبر في مهنتي. فخلال أيام وأسابيع وأشهر مرت علي شعرت أنني مثل (الآلة) الروبوت، أذهب إلى العمل، أرى نفس المرضى كل يوم، أساعد الناس بالطبع ولكن كم المساعدة والراحة التي يمكن أن نقدمها اليوم للناس ترتبط في رأيي مباشرة بالإيمان. هذا موضوع مهم جداً: كيف يصبح الإيمان جزءاً من العمل ولكن يجب أن أقول إنه يميني ويساري ووسطي.

س: عندما تكلمت مع الأطباء في مكان عملي، أو مع العاملين في مجال الرعاية الصحية، أو على وسائل الإعلام أيضاً، سمعت الكثير من الأطباء يتحدثون عن شعورهم بالإحباط مما يجري وشعورهم باليأس والصدمة من عدد الموتى الذين يرونهم. يا ترى، ماذا تقول لأولئك الذين ليس لديهم تلك الخلفية الإيمانية؟

د. فهيم: لا يصدمني الموت ولا المعاناة لأنني لو استطعت منع كل المعاناة، لحُلتُ دون موت والديَّ. الحقيقة هي أننا نموت   في وقت ما. بالطبع أنا أشعر بالإحباط وأقلق، لكن قلقي يأتي من نقص الموارد. فليس لدي مثلاً ما يكفي من الاختبارات لتقديم المساعدة لمرضاي. على الرغم من العيش في الولايات المتحدة وهي بلد متقدم وقوي علمياً واقتصادياً، فليس لدينا ما يكفي من الأقنعة، وأقنعة N -95، ولا ما يكفي من معدات الحماية لفريقي الخاص. هذا ما يحبطني، فنحن كمحاربين في معركة نجابه فيها الـ F-16 والدبابات وفي أيدينا مقصات وسكاكين. من هنا يأتي إحباطي، وأنني غير قادر على مساعدة مرضاي، فليس لدي علاج ولا لقاح لهم. يجعلني ذلك أدرك مدى ضعفي وقلة حيلتي. ونحن كأطباء مهيؤون للعمل في نظام ببنية تحتية قوية جداً، حيث نجري بدقائق اختبارات في غرفة الطوارئ، كما تراه في الأعمال الدرامية التلفزيونية، ونقوم بتصوير مقطعي ونضع يدنا في صدر مريض ما ونضغط على قلبه حتى يصل الجراح المختص. لذلك يشعر هؤلاء بالإحباط عندما يجدون أنفسهم مكبلين بسبب نقص الموارد. ولكن فيما يتعلق بالموت والمعاناة، أعتقد أن مهمتنا هي أن تقديم الأفضل. الأمر في يد الله، وأنا أحب أن أعامل مرضاي كما لو كانوا أفراد عائلتي ولهذا السبب أعطيت المثال، أن كلا والدي توفيا أمامي ولم يكن هناك الكثير الذي يمكنني فعله. وهذا هو المنظور الذي أحب الاحتفاظ به، فنحن هنا لمساعدة الناس ولكننا كأطباء، نموت وأفراد عائلاتنا يموتون، هذه سنة الحياة.

فنحن كمحاربين في معركة نجابه فيها الـ F-16 والدبابات وفي أيدينا مقصات وسكاكين.

س: شكراً لك. لماذا لم نخطط، لا نحن ولا الدول الأخرى، لهذا الوباء؟ وكيف نقي أنفسنا من الوباء القادم؟

د. فهيم: هذا سؤال رائع ومرة أخرى، لا أعرف. كيف أعطيك إجابة بسيطة؟ في الحقيقة نحن الأطباء والممرضين من الجنود المشاة، ولسنا مخططي أوبئة، ولا نتصرف بمليارات الدولارات. هذه وظيفة القادة، أليس كذلك؟ إذا نظرتم إلى برنامج “تيد توك” الذي تم تداوله في كل مكان هذه الأيام، فقد تنبأ بيل غيتس بذلك قبل خمس سنوات. الآن عندما ينظر الناس إلى الوراء، كان عبقرية مطلقة. ولكن أعتقد أن الحقيقة حول ذلك تقع بين المال والسلطة، والمصلحة المحصورة بالذات في بعض الأحيان تُضيّع الغرض، هذا كل ما يمكنني قوله. بين مصالحنا الذاتية والشهرة، والمال، والسلطة والأنا (الغرور)، هذه هي الأهم وتقع ربما فوق كل شيء. عندما يكون سبب الركود كل تلك الدوافع، من الصعب جداً أن تخطط لشيء متحد. أما الفيروس توحَّد ضد الإنسانية، فلا يطرح الأسئلة التي كتبتموها هل أنت بريطاني أم أمريكي، أحمدي أم شيعي؟ هل أنت أسود أم أبيض؟ هل أنت رجل أم امرأة؟ هل أنت غني أم فقير؟ فهذا الفيروس فيروس أخلاقي لأنه ببساطة يسأل سؤالًا واحداً: هل أنت إنسان؟ هذا كل شيء. أما نحن البشر، فمنقسمون بينما يحتاج التخطيط للوباء تفكيراً موحداً. أين المنصة الموحدة؟ على أي منصة تُتخذ القرارات العالمية؟ هذا ما يقوله حضرة ميرزا مسرور أحمد، إمام الجماعة الإسلامية الأحمدية نصره الله منذ اثني عشر عاماً على الأقل. أتذكر أنه قال إن منظمة الأمم المتحدة بائدة، وأنه سيأتي غيرها من الحكومات القومية. لسوء الحظ، أعتقد أن العبء آت منها. لكن إذا سألتني، هل كان هناك علامات إنذار؟ نعم. هل تم تحذير العالم من هذا التهديد؟ نعم تم تحذير العالم. هل كانت هناك إرادة سياسية لفعل شيء ما؟ لا أعرف.

س: شكراً لك. واحدة من الحقائق الأخرى التي يمكن أن نواجهها هي أن العزلة الذاتية قد لا تكون حلاً، لمدة ستة أشهر أو سنة. ونحن نسمع أيضاً عن حقيقة أن الحجر فعّال ولكن بعد ذلك قد يعود الفيروس مرة أخرى. فماذا ترى؟ وهل هناك أي استراتيجيات للمضي قدماً؟

أما الفيروس توحَّد ضد الإنسانية، فلا يطرح الأسئلة التي كتبتموها هل أنت بريطاني أم أمريكي، أحمدي أم شيعي؟ هل أنت أسود أم أبيض؟ هل أنت رجل أم امرأة؟ هل أنت غني أم فقير؟ فهذا الفيروس فيروس أخلاقي لأنه ببساطة يسأل سؤالًا واحداً: هل أنت إنسان؟

د. فهيم: بالتأكيد. يقولون كيف تأكل فيلاً؟ هل تأكله لقمة لقمة؟ ما لدينا الآن هو فيل علينا ابتلاعه. لذلك فأي شخص يدّعي أن الحجر أو الإبعاد الاجتماعي هو الحل الوحيد، فهو يقدم تبسيطاً مبالغاً فيه.

لذلك نحن بحاجة إلى العمل بشكل عكسي. ما مدى بعدنا عن العلاج أو اللقاح؟ ربما سنة ونصف أو سنتين وبالتالي فإن احتمال وجود لقاح أو علاج هو ثمانية عشر إلى أربعة وعشرين شهراً. لذا فإننا بحاجة إلى استراتيجية تمكن البشرية من اجتياز الأشهر الثمانية عشر إلى الأربعة والعشرين المقبلة بأقل خسارة ممكنة. لأن الاستراتيجية هي: كيف يمكنك أن تبني جسر عبور من الآن إلى أربعة وعشرين شهراً؟ أول شيء سيكون الحجر أو ما يمكن أن أسميه الإبعاد الاجتماعي لمدة ثلاثة أسابيع. اسمح لي أن أعرض السيناريو لأنني أفكر كثيراً في هذه الأشياء في كل وقت.

هناك ثلاث طبقات في أي مجتمع: في أعلى المستويات، الناس الذين لديهم الكثير من المال، وفي الطبقة الوسطى، من يمكنهم الصمود فقط لمدة ثلاثة أسابيع، أما من هم في الطبقة السفلى، فسيعانون كثيراً. وعلى الحكومة والأغنياء أن يساعدوهم. وينبغي أن يخلقوا بنية اجتماعية تتفادى خروجهم من ديارهم لألا يموتوا جوعاً. خلال تلك الأسابيع الثلاثة بينما يكون الناس في المنزل، نعمل بشكل مكثف لجعل الاختبار متاحاً. ونصنع الملايين من العباءات والقفازات ونكلف كل مصانع نايكي، وغاب، وأندر آرمر، إلخ بصنع الألبسة الواقية. هذه مبادرة إنسانية. عندما بدأت سنغافورة بذلك، وهي بلد يبلغ عدد سكانها حوالي 5.5 مليون نسمة، استطاعت في غضون أسابيع فقط أن تنشئ 900 محطة اختبار. إذا تمكنوا من فعل ذلك، فلم لا تستطيع لندن، أو نيويورك؟ وبعد تلك الأسابيع الثلاثة، يجب أن يكون لدينا ما يكفي من الاختبارات فيمكننا أن نجريها منزلياً. يجب أن يكون الناس قادرين على إجراء الاختبار وهم في سياراتهم، في مراكز التسوق، في جميع الأماكن العامة. عندها نكون اختبرنا 10٪ -20٪ من السكان ومن ثم نبدأ بجميع من نسميهم “الناقلين بدون أعراض” أو أولئك الذين لا يعانون من أعراض حادة، ولكنهم مصابين وملزمون بالحجر. ونترك المجتمع يمضي في عمله. أما سائق الباص مثلاً أو مدير الحضانة الذين يحملون الفيروس لكن دون أية أعراض، فمن المهم جدًا التعرف عليهم، واتباع استراتيجية تستهدف هذه الحالات، فتعزلهم ببساطة، وتدع المجتمع يمضي قدماً. ونستمر في تطبيق الحجر المستهدف، وفي إجراء الاختبارات، والعزل، والاختبار.. ولكن بطريقة مستهدفة. سنفعل ذلك لمدة 14 أو 16 شهرًا حتى نصل إلى لقاح أو علاج. فهذا ليس إبعاداً اجتماعياً فحسب، بل نهج ثلاثي المحاور – الإبعاد الاجتماعي، ثم الاختبار، ثم الحجر الصحي ثم الوصول إلى العلاج

فهذا ليس إبعاداً اجتماعياً فحسب، بل نهج ثلاثي المحاور – الإبعاد الاجتماعي، ثم الاختبار، ثم الحجر الصحي ثم الوصول إلى العلاج.

وخلال ذلك سيكون هناك العديد من الفروق الدقيقة الأخرى. نأمل في غضون شهر أو شهرين الحصول على الاختبارات المصلية، والتي سوف تساعدنا في معرفة من هو محصن مناعياً. فالمصل يخبرنا فقط من تعرض لهذا الفيروس، سواء كانوا شديدي المرض أو بدون أعراض، وبمجرد أن نجد مئات الآلاف من هؤلاء الناس الذين أعتقد أنهم موجودون، نأخذ مصلهم ومنه يمكننا أن نحضر الأدوية التي ستكون نوعاً من المناعة السلبية حتى نتمكن من حقن تلك المضادات في أجسام مرضى العناية المشددة. عندها سنتمكن من إنقاذ الأرواح من خلال تحديد من تعافوا من المرض.

خلال تلك الفترة علينا بالتأكيد استخدام قنوات الاتصال لنعطي الناس الأمل، ويفهموا، بأن البشرية سوف تقف من جديد بعد أن تنتهي هذه المحنة. وبالطبع نحن كأحمديين نؤمن بتلك الطمأنينة التي زرعها فينا حضرة ميرزا غلام أحمد (عليه السلام)، حين تحدث كيف سيكون مستقبل الجماعة الإسلامية الأحمدية بعد ثلاثمائة عام. لذلك ليس لدي أي قلق على البشرية. ولكن بالطبع علينا أن نقول لهم ذلك بطرق يمكنهم فهمها.

س: شكراً. ما مدى أهمية وجود نظام مناعي صحي مع هذا المرض؟

د. فهيم: نحن جميعاً متساوون لأن لا أحد لديه مضادات لهذا الفيروس لكونه سلالة جديدة. الآن السؤال هو، وأعود إلى التشبيه مع منزل يحترق، والمناعة الأقوى كالمنزل الذي يحتوي على خشب أقل والمزيد من المعدن، فيكون المنزل أكثر حماية من النار وهذا صحيح بالنسبة للأشخاص الذين هم في صحة جيدة، والناس الذين اعتنوا بأنفسهم، الذين يمارسون الرياضة والذين ليس لديهم خمسة أمراض أخرى، الذين ينامون جيداً، وسأقول أيضاً الذين هم إيجابيون في نظرتهم إلى الحياة. أعتقد أن كل هذه الأشياء ستساعد. وبعد سنة أو سنتين، سنقوم بتشريح جثث لنرى كيف أثر ذلك على أجزاء مختلفة من العالم. في بعض الأحيان عندما أنظر إلى الأوبئة السابقة، لا أرى نمطًا متنوعًا جدًا – عادة ما يكون مشابهًا في جميع المجالات ولكن سنرى ما سيحدث هذه المرة.

س: يتحدث الناس أيضاً، خاصة في هذا البلد، عن تأثير هذا الوباء على الصحة العقلية. لقد ذكرت أهمية الإيجابية. ولكن من المرجح أن يعاني الكثيرون من الصدمة والحزن ــ فالناس سوف يفقدون أقاربهم. وكذلك الصدمة التي يمر بها العاملون في الخطوط الأمامية. هل فكرت في ذلك؟

د. فهيم: إنه سؤال صعب جداً لأنني أعتقد أن البشر آلات معقدة جداً. لدينا وجهة نظرنا الخاصة عن العالم وفي هذه المرحلة سيعاني الجميع حسب الطريقة التي عاشوا بها حياتهم وسوف يشفون حسب الطريقة التي يؤمنون بها بالمستقبل. فكما يقولون، في الطبيعة لا توجد مكافآت أو عقوبات، هناك ببساطة عواقب. لذا للأسف أشعر أنه سيكون هناك الكثير من العواقب بالنسبة لنا كبشرية، مما يعني أنه إذا كان لدي مرض عقلي في البداية، فمن المرجح أن يتفاقم، وإذا كنت أعاني من عُشر مشاكل حياتي وزاد هذا فوقها، فمن المرجح أن تصعب حالتي. إذا كنت أعيش في بلد أو مجتمع فردي للغاية، سأعيش تجربة مختلفة تمامًا مما إذا كنت أعيش في مجتمع أكثر جماعية. بالنسبة لي، الجماعة الأحمدية مثل حضن الأم. في ظل الخلافة، وبانتمائنا إلى مكان ما، أعتقد أن صمودنا سيكون مختلفاً تماماً. ولدينا الآن الفرصة للعطاء لأن البشرية تعاني. نحن نعلم أن الناس يعانون، ومثل الفيروس الذي لا يميز بين من يهاجمهم، يمكننا أن نساعد بلا تمييز. أعتقد أن هناك فرصة جميلة في هذه الأزمة، خاصة بالنسبة لأشخاص مثلنا أنعم الله عليهم بهذا النوع من الحصانة الروحية، أود أن أقول أن الله أعطانا أسساً مختلفة جداً في هذا العالم. لذلك ربما هذا ما ينبغي أن نفعله، ولكن سيكون هناك الكثير من المعاناة، والكثير من الاكتئاب، والعزلة، واضطرابات ما بعد الصدمة؛ وآمل أن نتعاطف مع ذلك وليس مجرد حله.

س: أخيراً، نختم بهذه الفكرة: لا أعتقد أن العالم سيعود لما كان عليه أبداً. هلا شاركتنا أفكارك حول ذلك؟

د. فهيم: من الصعب جداً الإجابة. يخيفني أن أتنبأ كيف سيكون العالم بعد هذا. يتعلق الأمر أيضاً بنظرتي إلى الأشياء. الأذكياء يعيدون النظر إلى أنفسهم ويتعلمون من تلك الدروس، ومن ليسوا كذلك يلقون اللوم على الآخرين، ولا يغيرون من سلوكهم، وبالنسبة لهم الحياة تستمر. أنا أؤمن بقوة بالتعامل مع ما يحدث على أنه فرصة. هذا ما تعنيه فكرة المعاناة بأكملها. وقد أوضح ذلك حضرة ميرزا طاهر أحمد، خليفة المسيح الرابع للجماعة الإسلامية الأحمدية، في كتابه “الوحي، العقلانية، المعرفة والحق” على وجود الكثير من الفرص في المعاناة. لذا فإن السؤال هو من الذي سيستغل تلك الفرصة بشكل جيد ومن بالمقابل لن يحسن استغلالها؟ أعتقد أنه سيكون هناك طيف، بحيث سيتعلّم البعض شيئاً من هذا وحياتهم ستتغير للأبد، وهذا شيء جيد. وما أتمناه في الواقع هو أن يكون العالم مكاناً مختلفاً يمضي قدماً. لكنني رأيت الكثير من المعاناة في حياتي وتجربتي هي أن بعض الأشياء لا تتغير للأسف ولكن التغيير هو في سيطرتنا. هذا ينطبق عليّ، عليك، على مجتمعنا. إن حضرة ميرزا مسرور أحمد (نصره الله) يرشدنا كل أسبوع إلى الأشياء التي ينبغي أن نفعلها، وما هو جيد لنا، وسواء أعجبنا ذلك، قبلناه أم لا، فإن لدينا جميعاً درجة متفاوتة من الاستجابة: هذا هو الطيف. فمن ناحية تجد الذين يمتثلون تماماً مع ذلك، ومن الناحية الأخرى الذين سيواصلون حياتهم. كجماعة، أتمنى حقاً وآمل أن نتحرك جميعاً أكثر قليلاً نحو رسالة حضرته – ربما يكون شبراً واحداً بالنسبة لأحدنا وميلاً واحداً بالنسبة لآخر. أظل أفكر في جلسة أسئلة وأجوبة مع حضرته، حيث أعرب عن أكبر قلق لديه، عندما يحدث هذا التقدم (سيبحث الناس عن الله) هل سنكون مستعدين؟ ربما سيوقظنا هذا ونصبح أكثر استعداداً له. هذا كل ما سأقوله

س: جزاك الله. ليس لدي ما أضيفه، أعني أنني أجد إجاباتك تدعو للتفكر. وأريد أن أشكرك نيابة عن مجلة مقارنة الأديان. ونكن الكثير من الاحترام لكم جميعاً على خط المواجهة وأنتم تعملون رغم نقص في المعدات، وأنا متأكد من أن عائلاتكم قلقة عليكم. لذا ندعو لكم. شكراً جزيلاً على وقتك.

د. فهيم: بكل سرور. شكراً لك.

نُشر في 31 مارس 2020
Share via
تابعونا على الفايس بوك