ما معنى الغفلة؟ من هو الغافل؟ متى يكون الإنسان غافلاً؟ مما ورد في القرآن الكريم و معاجم اللغة العربية

الدكتور علي خالد البراقي

  • تمهيد
  • الغفلة لغة
  • من هم الغافلين؟
  • الإقلاع عن الغفلة بالذكر
  • الوحي والغفلة الفطرية
  • خطر إبطال الحواس الروحية
  • خاتمة وتذكير

قال الله تعالى:

…وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (النحل: 104).

سنقف على ما يقوله الله تعالى في وصف الغافلين ونستعين بالمعاجم العربية لتوضيح دلالات الآيات الكريمة. إذا لم يتولد من أدوات الحس الإحساس فأصحابها كالأنعام… لها أدوات حس فقط لتساعدها على البحث عن الكلأ وضرورات استمرار حياتها البسيطة. إن الله تعالى يطبع على الحواس وليس على أداة الحس… فتموت الأحاسيس ويعيش الإنسان حياة الأنعام، والحياة الحقيقية يشعر بها المؤمنون الأحياء (المنتبهون- اليقظون) فقط، أما الغافلون فلا يشعرون بمتعة الحياة حقيقة، بل يشعرون بلذة فقط عند إشباع شهواتهم البهيمية. فما أقصر فترات نشوتهم!

والحياة الحقيقية يشعر بها المؤمنون الأحياء (المنتبهون- اليقظون) فقط، أما الغافلون فلا يشعرون بمتعة الحياة حقيقة، بل يشعرون بلذة فقط عند إشباع شهواتهم البهيمية. فما أقصر فترات نشوتهم!

إن التفكُّر في آيات القرآن الكريم وتذوقها لإحساس عظيم وسمو وتحليق كتحليق الصقور والنسور في جو السماء بكل خفة ورشاقة، لا يحس به من يخلد إلى الأرض ويدبُّ عليها، ولا يرفع رأسه إلى السماء ليشاهد الذين يحلِّقون، إن في الطيران الحرّ والرشاقة كما الصقر والنحلة لتذوُّقِ رحيقٍ وعسل مختوم.كيف ينتقي الله سبحانه وتعالى لنا المفردات لتكون المفردة في مكانها الصحيح ولا يصلح وضع مكانها مفردة غيرها. لقد ورد في الكتاب الذي أُحكمت آياته فعل عَقَل وتعقَّل بصيغ وسياقات مختلفة تحث على التعقُّل أي إعمال العقل. كما ورد فعل فكّر، يتفكرون كذلك للحضِّ على التفكُّر، وورد فعل غَفَل أيضاً بصيغ كثيرة ومشتقات عديدة كغافلين وغافلون التي نريد جمع الآيات القرآنية التي وردت فيها وإلقاء مزيد من الإضاءة عليها اليوم، وبمعرفتها يُعرف ضدها أي التعقل والتفكر. فسبحان الله القائل:

إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (يوسف: 3). والقائل: إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (الزخرف: 4).

إذ يقول تعالى في الآية الأولى أنزلناه وفي الثانية جعلناه، وفي هذا أسرار وأسرار، منها لماذا عَرَبِيًّاً؟ ومنها في معنى التنزيل وأخرى في الجعل، وقد أسهب فيها كثير من المفسرين على مر العصور. وردت مشتقات فعل غفل في القرآن الكريم بصيغة الغافلون مرتين وبصيغة الغافلين مرتين أيضًا، وخمس مرات بصيغة غفلة ومرة واحدة بصيغة أغفلنا، ويعني الفعل من المعاجم: السهو عمومًا وعدم الانتباه، ومنها الغفلة، والتغافل عن شيء يعني الإهمال رغم الانتباه. ويعني غفل وأغفل ومغفل أيضًا متروك ومهجور وغير معلم أو غير موسوم كما في الأرض المتروكة أو الدواب غير الموسومة، والتي توسم بإشارات على آذانها لتعرف لمن تعود ملكيتها…
يستجير الناس من ساعة الغفلة أي حالة استرخاء الحواس والشرود الذهني مما يعرّض المرء للحوادث أو اتخاذ أحكام خاطئة، أو الانزلاق في المخاطر، فأين وكيف وردت كلمة الغافلون؟ يقول الله تعالى:

وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (الأَعراف: 180).

يتبين لنا من قوله تعالى أن كثيرًا ممن خلق من الجن والإنس سيدخلون جهنم بسبب عدم استعمالهم لما زودهم الله به من عقل وحواس، فهم لهم قلوب لكن لا يفقهون بها (أي عطلوها) وأعين لكن لا يُبصرون بها أي لا يميِّزون بها بين الحق والباطل، ولهم آذان لكن لا يسمعون بها (عطّلوها فلا يستمعون للنصيحة والكلام الطيب)، فهؤلاء لا يختلفون عن الأنعام التي لها هذه الحواس نفسها لكن تستعملها لتعيش وتبحث عن أمور حياتها المادية، فبماذا اختلف هؤلاء عن تلك الأنعام؟ بل هم أضل منها لأنهم مُيزوا عنها بعقل محلِّل ولكن لا يُعملونه، فهم حقًّا أضلُّ منها، وهم حقًّا غافلون من داخلهم إذ إن وجود حواسهم هذه لا يختلف عن عدمه لأنهم في مكانهم يراوحون. يقول الله تعالى في سورة النحل:

أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ الله عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (النحل: 109).

يقول المصلح الموعود في التفسير الكبير:

“يقول الله تعالى: إن الذين يرتدّون عن دين الحق من أجل المكاسب المادية، لا بسبب خطأ في الفهم، نطبَع على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم، لأنهم ضربوا أسوأ مثال للأخلاق الذميمة، وآثروا المنفعة القليلة على نعمة كبرى. وأضاف قائلا عن الآية التي تتلو هذه الآية أي: *لا جَرَمَ أنهم في الآخِرةِ هم الخاسرون*.. أي ما دمنا نذيق هؤلاء الأشقياء أنواع الخزي والهوان في الدنيا فأي شك في أنه ليس لهم في الآخرة إلا العذاب، لأنها المكان الحقيقي للعقوبة على مثل هذه المعاصي.”

وهنا يُقدِّم لنا الله تعالى الشرح مفصلاً أكثر، أن هؤلاء الذين لا يريدون استعمال حواسهم إلا في مجرد سطحية الفائدة منها وإتباع فائدتهم المادية فحسب، أي الأكل والشرب وإشباع الشهوة والحياة الغافلة دون علامات تحوُّل وتطور وارتقاء؛ لا يعودوا قادرين على التطوُّر، لأن الله تعالى بسبب تعطيلهم لتلك الحواس يطبع على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم، ويعني فعل طًبَع خَتَمَ، وطبع على قلوبهم أي ختم عليها فلا تعود تعي وتستبين الطريق الحق فلا تعمل خيراً، ونرى هنا أن الله تبارك وتعالى لم يقل نطبع على آذانهم وعيونهم بل قال:” طَبَعَ الله عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ” أي على الحواس (الحاسة) وليس على أداة الحس: الأذن والعين..، فالأداة تسمع وترى لكن صاحبها لا يتعقل ويتفكر ليهتدي لاستنباط طريق الخير واتباعه، فهو لا وقت لديه لهذا وذهنه منصرف للتمتع وإشباع غرائزه الدنيئة، وهكذا يتبين لنا في الآيات الآتية تحذير الله تعالى للإنسان كي لا يكون من الغافلين:

وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ (الأَعراف: 206).

فيحثنا سبحانه في هذه الآية على ذكر الله تعالى، ألا بذكر الله تطمئن القلوب، وتخشى خالقها، وتعود النفوس إلى طريق الحق وتخشى العذاب، ويدلنا سبحانه أن ذِكر الله لا يكون في تلك الحلقات الاستعراضية التي يقوم بها مشايخ السوء والجهلة من بعض الفئات في المساجد والحسينيات والبيوت ومنها ما تكون مختلطة كما يشاهد المتابعون على وسائل التواصل والإعلام في عصرنا هذا. بل يقول تعالى: اذكر الله في نفسك متضرعًا إليه تعالى، مستسلمًا له سبحانه، ومتوكلاً عليه بثقة أنه لا يضيع أجر العاملين، وخيفة أن تكون ظالماً أو معتديًا أو مقصرًا أو غافلاً، ودون أن تذهب رافعًا صوتك مجاهرًا مستعرضًا وخالقًا جلبة وتجمعات للاستعراض من حلقات تلاقٍ لا فائدة فيها إلا الجلبة والضجيج ولا تعود على النفس بالسكينة. ويقول تعالى هذا عمل مستمر بالغدو والآصال، ابقَ مع ربك ذاكرًا متضرعًا إليه وإلا تكن من الغافلين، فإياك أن تنسى هذا صباح مساء وإلا فأنت من الغافلين. سبحان الله على هذه التذكرة! كيف يبصِّرنا الله تعالى بالطريق وبكيفية استعمال هذه الحواس باستمرار ويوميًا كي لا تتعطل تمامًا أو تذهب لغير ما خُلقت من أجل فعله لتطوُّر الإنسان ومجتمعه، فيخسر الإنسان ويصبح كالأنعام بل أضل سبيلاً. وإن المؤمنين على مر العصور والصالحين لاقوا من العذاب على يد هؤلاء الذين كالأنعام كثيـرًا. وكم اعتُدي على ناس وظُلم ناس وقُتلوا على يد من هم أضل من الأنعام. وخاصة عندما يتمكنون من رقاب الناس ويستعلون عليهم بجهل! يقول تعالى في سورة يوسف:

نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (4)

يذكرنا الله تعالى كيف علّم رسوله بما أوحى إليه أحسن القصص، قصص الأنبياء والحضارات والشعوب وقصص عن العلوم والكون بما نزَّل عليه وأوحى إليه هذا القرآن الحكيم الذي لا مثيل له في الكون، ويقول تعالى: إنك كنت من قبل وحينا هذا لا تعرف عن ما قصصناه عليك شيئًا، إذ هنا من الغافلين تعني ليس لديك أي علم بذلك؛ كما يُقال أرض غافلة ومغفلة أي لا علامات فيها ومتروكة، أي على الطبيعة أي على الفطرة. فسبحان الله الذي أوحى إلى رسولنا هذا القرآن العظيم وعلّمه ما لم يكن يعلم بنور الوحي.
وإذ وردت من فعل غفل في سورة النساء صيغة تغفلون: … وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ…، فهي تعني تسهون عن أسلحتكم وأنتم قائمون في الصلاة إذ تكون حواسكم كلها مشغولة بذكر الله تعالى وغافلة عن أي شيء آخر (وهي صفة المؤمنين) أثناء صلاتهم لا يفكرون في شيء آخر إلا بأذكار الصلاة.
وبالمثل فقد وردت كلمة غافلات لوصف المحصنات:

إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (النور: 24)

وإن أخذنا بعين الاعتبار المعاني المختلفة للجذر غَفَلَ فإن كلمة الغافلات هنا تعني تلك النساء الصالحات اللواتي ليس لديهن أدنى فكرة أنهن فعلن أي خطأ.
جاءت كذلك صيغة غفلة 5 مرات في آيات القرآن الكريم، وتعني الغفلة: شرود وعدم انتباه، وعدم تشغيل الحواس، وعدم فهم المحيط وضياع، فبسبب ذلك، الناس لا يؤمنون لأنهم لا يشغِّلون أحاسيسهم بما تنقل لها الأدوات التي زودهم الله تعالى بها، فيحسوا ويشعروا ويأخذوا وقتهم بالتفكر بالمنقـولات وإخـضاعها لعمليات عقلية لتتحرك عواطف الحس باتجاه سليم. سبحان الله، القرآن يفتح العقول، كتاب شرع وتعليم، يعلمنا كيف نفكر كيف نطهر نفوسنا، كيف نستعمل الحواس؟ ثم كيف نقطف الثمار. ليس لنكون “متدينين” كما يفعل كثير من رجال الدين؛ نحمل السبحات ونلبس زي رجال الدين نتسول أو عند قوة نستولي على أموال الناس بالباطل، بل لننطلق في كل ميدان من ميادين الحياة، نُعمل حواسنا ونقطف ثمار ما تنتجه عقولنا من نتائج، وتُرشدنا تلك الحواس المفعَّلة للعمل الأحسن لنا وللناس. ولذلك يقول الله تعالى:.. وأنذرهم يوم الحسرة… إذ وقت انتهاء العمر الذي انقضى بغفلة ولا رجعة، وقتها ستكون الندامة:

وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (مريم: 40).

ويقول الذين كفروا عند المواجهة واقتراب الوعد الحق يا ويلنا وأبصارهم شاخصة لهول المشهد، يوم يتحسّرون دون فائدة لأن الأمر قد قُضي، وليس لديهم أي ثانية أو مهلة للعودة ليستدركوا حياة الغفلة التي عاشوها، فهم يرون ما يحدث لهم ولغيرهم أمامهم: لقد كنا في غفلة.! أي كنا ساهين عن هذا وشاردين في إشباع شهواتنا، وما ظننا أننا سينتهي عمرنا أو فترة غلبتنا وقوتنا أو ملكنا وسطوتنا بهذه السرعة، وأننا سنصل بسرعة لهذا المشهد العظيم الذي نراه اليوم!

وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ (الأنبياء: 98).

ويقول تعالى في سورة الأنبياء:

اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (2) مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (3) .

يقول المصلح الموعود رضي الله تعالى عنه:

“…هذا ما يحدث في هذا العصر أيضًا. إن آثار العذاب تظهر واحدًا تلو الآخر، ولا أحد يحظى بالسكينة والاطمئنان، ومع ذلك لا يفكر أحد في سبب ذلك، ولا ينظر مطلقًا إلى المصدر الحقيقي للفتن والفساد، وإنما يريدون فقط أن يزول الأذى أو العائق من أمامهم بطريق ما. والنتيجة أنهم يغوصون في وحل العذاب أكثر فأكثر. ولن يتغيَّر هذا الوضع ما لم يسعوا لإغلاق المصدر الأصلي للمصائب.”

فنقول ها قد جاء سيدنا ميرزا غلام أحمد القادياني للأمة مسيحًا موعودًا وإمامًا مهديًا، ولكن الناس في غفلة معرضون عن هذا الحدث العظيم، فلا يلتفتون لأنهم يستمعون وحواسهم وقلوبهم لاهية وهم يلعبون في هذه الحياة الدنيا بما يلهيهم. نعم اقترب يوم الحساب للناس، وهم في غفلة والآن تنتهي أحلامهم وفسادهم إما بالموت، أو بانقلاب حياتهم ودمار ممالكهم وممتلكاتهم ومشاريعهم التي عملوها بعيدًا عن خوف الله واتباع شرعه تعالى، وظلموا وخرَّبوا. ويقول تعالى:…هؤلاء ما كنا نُرسل من شرع أو نبي أو مجدد أو مصلح ليذكروهم بالله وليستقيموا إلا لغو فيه، واعتدوا عليه وآذوه وقالوا: ما وجدنا هذا في آبائنا الأولين، وهذا شيء حديث محدث وكله خطأ، ولا نريد أن نبدِّل أو نغيِّر…! وهؤلاء ليسوا كفارا علنًا فقط، بل كل الناس من كل الأديان الذين اتخذوا دينهم لعبًا ولهوًا وغفلوا عما يأمرهم به دينهم.. كما يقول تعالى:

وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (الأَنعام: 71).

وفي الآية من سورة القصص، عندما دخل موسى على حين غفلة من أهل المدينة أي حيث هم غافلون في أمورهم وليس هناك من مراقب أو حراس على أبوابها فدخل موسى مستغفلاً أهل المدينة.

وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (القصص: 16).

ويذكرنا الله تعالى في الآية التالية من سورة ق:

لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (23) .

وما يقوله الإنسان الذي يتنكَّر ويعيش حياة الغفلة رغم تذكير مستمر له، حيث يوضح سياق هذه الآية من خلال ما سبقها من آيات، حيث كان الإنسان لا يستذكر هذه اللحظة، لحظة الموت، وتأتي السكرات مقدمة للموت وما أكثر السكرات لكن يكون الإنسان سكرانًا فيها منتشيًا ولكن لا مجال للنجاة من سكرة الموت الحقيقية التي تسبق الموت وجاء الحساب وملاقاة ما كان وعيدًا للكافرين، وجاءت النفس ومعها من يقبض عليها ويسوقها مع من يشهد على أعمالها السيئة. ويُقال للإنسان ساعتها لقد كنت غافلاً متلهيًا بإشباع شهواتك مُعرضًا عن طريق السعادة الذي أردناه لك، اليوم ترى بعيونك وتنفتح تمامًا أمام هول هذا المشهد وتبصر بقوة حيث كنت لا تُبصر بل تستعمل عينيك لترى أمامك فحسب كالأنعام، ولم تستعملها لتتبصَّر، سترى بوضوح ما كنت تُنكره أو تتغافل وتُعرض عنه، أو ما كنت غافلاً عنه بسبب العمى الذي أصاب بصيرتك من شدة ما طغت عليك شهواتك وحبك لنفسك، فها أنت وصلت الآن إلى باب جهنم الذي كنا نحذِّرك منه ولكنك لم تكن تُلقي لنا سمعًا وكنت مناعًا للخير معتديًا، وجعلت مع الله إلهًا آخر فاخلد في جهنم جزاءً لك.
ونعود لنرى الروعة أن الله تعالى يدعونا لنصبر ونثابر على ذكر الله والدعاء صباح مساء، ونكون ممن يبتغون بأعمالهم وجه الله تعالى ولا يحيدون عن درب الله لشيء آخر:

وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (الكهف: 29).

ويذكرنا بعدم طاعة من أغفل الله قلبه عن ذكره تعالى، ويصف لنا الغافلين وكيف يستمرون بغفلة، أو تغافل ويتمادون في إشباع شهواتهم، معرضين عن طريق الحق فيطبع الله على قلوبهم وحواسهم، بمعنى أدوات الحس لديهم، فلا تعود قادرة على استبانة الحقائق، ولكن هذا ليس ظلمًا من الله لهم بل جزاء ما اكتسبوه باختيارهم المحض بالتنكر لذكر الله واتباع الهوى، فتعالوا وأصبحوا أشد ظلمًا، ويبين لنا أيضًا أنه تعالى يُغفل قلوبهم عن ذكره تعالى وبذلك يستمرون باتباع هواهم، ويصبح أمرهم فرطاً شبيهًا بالثمار التي سقطت قبل النضوج أو السقط من الجنين لا فائدة منها.
اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك ولا تجعلنا من الغافلين. وصل اللهم على محمد وآل محمد.

Share via