يَأْتُوكَ رِجَالًا

س. م. دويدار

  • الرجال ليسوا الذكور بالضرورة
  • “رجل” اسم وصفي يستخدم على الأنثى أيضا
  • يدل الكملة “الرجل” على الكد والجهد التكرار.

من مزايا التعبير الموحى به عموما، والتعبير القرآني على وجه الخصوص، أنه لا يسع الخلق، وإن اجتمعوا، الإحاطة بأبعاده والإلمام بأسراره. وحين تعن للمدارك خبيئة من خبايا كنوزه فلا يُفهم من ذلك إلا أن ما خفي كان أجل وأجمل.
ننتقي من هذه التعبيرات ما جاء في التنزيل الحكيم من أمر الله جل في علاه لنبيه حضرة إبراهيم الخليل والمشتمل على تبليغ الناس حج بيت الله الحرام، إذ يقول تعالى:

وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (1)

وبعيدا عن معنى الآية الصحيح، فقد كانت للبعض، ومنهم كاتب المقال، تساؤلات طفولية نتجت عن الفهم الضيق لمدلول لفظة «رجال» في الآية الكريمة، ذلك الفهم الضيق الذي يمكن عزوه إلى المرحلة العمرية المتصفة بضحالة المعارف اللغوية والانقياد للفهم الشعبي السائد. وفي هذا المقال تسنح لنا فرصة مواتية لقنص عصفورين بحجر واحد، فسنطرق جانبا متعلقا بشعيرة الحج التي يواكب شهرنا هذا بعض أيامها، كذلك سنستعيد بعض ذكريات الطفولة فنصحح منها ما أمكننا.

دعونا نرتل القرآن، الرجال ليسوا الذكور بالضرورة

ربما تنتاب المرتل للقرآن بعين التنزيه بعض الحيرة، لا سيما حين يصل في ترتيله إلى مواضع ذكرت فيها ألفاظ مثل: رجل، رجال، فيتوجه المرتل إلى استكناه دلالة اللفظ، فيجده تارة يدل على الذكر من نوع الإنسان، وتارة أخرى يشير إلى المشي على الرجلين، ويرتفع مستوى الحيرة حين يرد لفظ «رجال» في سياق يُفهم منه التكليف الموجه إلى كلا الجنسين ذكورا أو إناثا.. فإذا كان:

مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (2).

أفيكون بمقدورنا هنا أن نفهم الرجال بمعنى الذكور حصرا؟! فما نصيب الإناث المؤمنات من هذا التكريم القرآني؟! لا بد إذًا أن يكون هذا التكريم شاملا كلا الجنسين، بعيدا عن معنى التغليب الذي قال به بعض النحاة، فإنما يشترك كل من الذكور والإناث في معنى «الرجال» إذا اتصف كل منهم بصفات محددة، فلفظة «رجال» هي اسم وصفي يطلق على كل ما من شأنه إبراز صفات معينة نفصلها فيما يلي.

الرجل: اسم وصفي قد يطلق على الأنثى أيضا

من دواعي ثراء العربية وخصوبتها أنها لغة صوتية لا صورية، الأمر الذي أهلها في علم الله تعالى لأن تكون وعاء للوحي الخاتم الذي ينزله الله تعالى على النبي الخاتم ليبلغ به الأمة الخاتمة.
واللغة الصوتية تكتسب هذا الوصف نظرا إلى أن لكل صوت من أصوات الأحرف العربية دلالة فيزيائية خاصة به. فلنطبق هذا المبدأ على المادة اللغوية «ر ج ل» ولننظر النتيجة، ماذا تخبرنا العربية؟!
في مادة «ر ج ل» تجتمع ثلاثة أصوات سويا لتخبرنا عن معان خاصة قريبة من بعضها في الدلالة العقلية، فصوت الراء يشير دوما إلى التكرار، أي تكرار الحركة، والدأب عليها. وصوت الجيم يشير بدوره إلى الجهد والشدة المصاحبين لأكثر الممارسات العملية التي يؤديها الإنسان طلبا للرزق، أما صوت اللام فيشير إلى الحركة البطيئة المتصلة اللازمة بشكل يضفي الاستمرارية الرتيبة على دلالة الصوتين (الراء والجيم). وبفهم الدلالة الكلية الناتجة عن اجتماع الأصوات في مادة «ر ج ل» ترتسم في المخيلة صورة عقلية لإنسان دائب الكد والتعب في طلب الرزق وبشكل مستمر ورتيب طوال أيام حياته. لقد انطبقت هذه الصورة العقلية منذ عصور على الذكر من نوع الإنسان، الذكر دون الأنثى، وإن كانت الأنثى في بعض الأحوال قد تستحق الوصف بأنها «رجلة»، وقد جاء في المعاجم اللغوية ما نقله صاحبا تاج العروس ولسان العرب عن ابن جني من قول الشاعر:

كُلُّ جَارٍ ظَلَّ مُغْتَبِطا غيرَ جِيرانِ بَنِي جَبَلهْ
خَرَّقُوا جَيْبَ فَتاتِهِمُ لَمْ يُبالُوا حُرْمَةَ الــرَّجُلَهْ

فأنث لفظ «رجُل» فكان «رجُلة» في بيان واضح بأن العرب أجازت وصف الأنثى بالرجولة أحيانا ما دعت الحاجة وجمعت تلك الأنثى صفات مميزة. بل إن الحديث النبوي يؤكد صحة هذا الاستعمال، كوصف النبي لأمنا عائشة (رضي الله عنها) بقوله: «كانت عائشة رجلة الرّأي» أي لها رأي الرجال حصافة وسدادا، فالأنثى توصف بالرجلة أيضا إذا ما تحققت لديها تلك الصفات المؤهِّلة للرجولة (لا الذكورة) والصفات المؤهلة للرجولة هي ما قدمته الدلالة الصوتية لمادة «ر ج ل» اللغوية،

المجتمعات الأمومية.. علم الأنثروبولوجيا يرصد الظاهرة

يقر علم التاريخ الطبيعي بحقيقة أنه في الأصل كانت الأنثى، تلك النفس الواحدة التي خلق الله تعالى منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء. ويقص علينا علم الإنسان (الأنثروبولوجيا) أن الأنثى ظلت أحقابا طويلة تقدر بآلاف السنين هي السيدة والحاكمة وصاحبة القرار، والطبيبة الأولى، بل وظلت كذلك المدبرة لاحتياجات الأسرة، وهي المورثة الوحيدة لأولادها، وهي التي ينسب إليها الأولاد، حتى إننا نلمح بقايا هذه الموروثات لدى مجتمعات معاصرة، فاليهود إلى الآن لا يكتسبون الديانة إلا عن طريق الأم اليهودية، لقد ظل هذا الأسلوب متعارفا عليه أحقابا طويلة في مجتمعات عرفت بالمجتمعات الأمومية. إن حالة التبعية والخنوع لم تكن من خصائص الأنثى قط، بل هي صفات لحقت بها قسرا نتيجة مجموعة ظروف اجتماعية قلبت الموازين، فتحولت الدفة إلى الذكر ليكون له الدور الأبرز فيما بعد.

الأنثى، والمثل المضروب للذين آمنوا

يضرب الله تعالى المثل للمؤمنين، ذكورا وإناثا، بامرأتين، فيقول :

وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ * وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ (3)

من التنزيل الحكيم نستشف أن الطبيعة الإيمانية طبيعة رجولية، ولا يعنى بالرجولة هنا الذكورة مطلقا، وإلا لكان الإيمان والتشريع وقفا على الذكور دون الإناث، ولأصبحت الإناث في حل منه.

وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ

الآن تبدو الصورة أكثر اتضاحا، فلنستثمر هذا الوضوح في سبيل فهم أعمق للآية الكريمة من سورة الحج:

وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (4)

نفهم من الآية الكريمة أن فريضة حج بيت الله الحرام فريضة جماعية تستدعي على هامش الآية.. تطور وسائل الانتقال
من اللطائف التي تقدمها آية (الحج: 28) تاريخ تطور وسائل المواصلات والانتقال والسفر، فعلى حين بدأ انتقال الإنسان بادئ الأمر سيرا وعدوا على قدميه، فإنه تطور فيما بعد تدريجيا ليستخدم الخيل والبغال والحمير والإبل الضوامر. والضامر من الخيل والإبل، أي هزيل البطن، وقد استعير الضمور الذي معناه قلة اللحم عن خفة الدابة وسرعتها، حتى لحق بوسائل الانتقال الحديثة كالعربات وغيرها.. ففي الآية الكريمة المذكورة تمت الإشارة الموجزة إلى تطور وسائل الانتقال التي استخدمها الإنسان عبر تاريخه الطويل.

1. الحج: 28. 2. الأحزاب: 24 3. التحريم: 12-13 4. الحج: 28