• الله وحده هو المطلع على قلوب عباده.
  • إنذار إلهي وبعث روحاني.
  • اتخاذ الأنبياء أسوة في التقرب إلى الله.
  • العذاب الدنيوي مقرون بالشرك بالله.
  • ظهور الآيات والمعجزات متجدد ومستمر.

رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (55)

التفسير:

يقول الله تعالى إننا نحن أعلم بالإنسان في حالتَيه: حالةِ خيره وحالةِ شره، ولا أحد سوانا يعلم ما في قلوب البشر، ولذلك احتفظنا بحق الجزاء في قبضتنا، ولم نضعه في يد أحد سوانا، حتى ولا في يد محمد رسول الله. فبقدر ما تتغير حالتكم تتغير معاملتنا لكم.

وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (56)

التفسير:

لقد نبّه الله من قبل أنه أعلمُ بحالة أقوام الأنبياء، أما الآن فيقول: نحن أعلم بحال الأنبياء أيضًا، سواء كانوا في السماوات.. أي ممن قد أتى عليهم الفناء، أو الذين هم في الأرض.. أي من الأحياء. وكأنه تعالى يعلن هنا أنه أدرَى بحال محمد رسول الله وكذلك بحال الأنبياء السابقين له، وأنه أدرى بحاجات كل عصر ليبعث نبيّه بحسبها، ومن أجل ذلك فضّل بعض النبيين على بعض، وبعث كل نبي بحسب حاجات زمنه. وقد ذكر الله اسم داودَ هنا من بين الأنبياء – عليهم السلام – لغرض هام. ذلك أنه سبق أن أخبر – لدى الحديث عن اليهود – عن عذابين حلا بهم؛ أحدهما بعد داود حين كثرت الأموال لدى اليهود، وانغمسوا في الملذات، وثانيهما بعد المسيح لكفرهم به. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى أخبرنا الله تعالى في القرآن أن نبينا الكريم مثيلٌ لموسى – عليهما السلام – حيث قال الله إنا أرسَلْنا إليكم رسولاً شاهِدًا عليكم كما أرسَلْنا إلى فرعونَ رسولا (المزّمِّل: 16)، كما سجّلت التوراة من قبل نبأً على لسان موسى عن مجيء مثيل لـه (التثنية 18: 18)، ثم نجد في سورة الفاتحة نبأً على لسان محمد رسول الله بكون أمته مثيلةً للأمة الإسرائيلية؛ وبسبب هذه المماثلة والمشابهة ذكر الله لدى نصح المسلمين اسمَ داود على وجه الخصوص، وكأنه تعالى يحذّرهم قائلا: أيها المسلمون، لا تنسَوا، إبّانَ رقيِّكم وازدهاركم، ما حصل باليهود زمنَ داود حيث أضر بهم الرقيُّ المادي ضررًا فادحًا بدلاً من أن ينفعهم، إذ أصبحوا غافلين عن الدين. فلا تفعلوا مثلهم، بل اقضوا تلك الأيام في تقوى الله وخشيته . وبالرغم من هذا الإنذار الإلهي فقد تطرَّق الفساد إلى المسلمين بعد النبي الكريم بفترة تقارِب نفسَ المدة التي فسد فيها بنو إسرائيل بعد موسى . لا جرم أنه لم يُبعَث في المسلمين عند تسرب الفساد فيهم نبي كداود، ولكن مما لا شك فيه أنه كان فيهم عندئذ ملوك صالحون قدّموا نموذجًا مثاليًّا للورع والتقوى كما فعل داود وسليمان عليهما السلام. ولكن المسلمين كانوا حينها سكارى بنشوة المال، غافلين عن خدمة الإسلام؛ فكانت النتيجة أن دُمِّرت بغداد بيد هولاكو خان بفترة تقارب الفترةَ التي دُمِّرت فيها أورشليم بعد موسى، وهكذا انمحتْ شوكة الإسلام، ولم تتوطد بالقوة نفسها مرة أخرى.

بعث الإسلام، أي غلبته، يظنون خطأً أن المراد منه بعث الأجساد بعد الموت، فيشرعون في الاعتراض على ذلك. ومع أنه لا سبيل للاعتراض ولو كان المراد من البعث هو ما ظنوه، ولكن الحق أنه تعالى لا يعني هنا بعث الأجساد من القبور، بل بعثًا روحانيًّا في هذه الدنيا….

قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (57)

شرح الكلمات:

زعمتم: زعَم الرجلُ يزعُم زَعْمًا: قال قولاً حقًّا، وكذا باطلاً وكذبًا، ضدٌّ، وأكثرُ ما يقال في ما يُشَكّ فيه أو يُعتقَد كذبُه (الأقرب).فلا يملِكون: مَلَكَه: احتواه قادرًا على الاستبداد به. ملَك على القوم: استولى عليهم. ملَك على فلان أمرَه: استولى عليه. وملَك الخَشْفُ (أي ولدُ الظبي) أُمَّه: قَوِيَ وقدَر أن يتبعها (الأقرب).كشف: كشَف الشيءَ: أظهرَه ورفَع عنه ما يواريه ويغطّيه. كشَف الله غمَّه: أزاله (الأقرب).الضُّرّ: ضدُّ النفع؛ سوءُ الحال والشدة. وفي الكليات: الضَّرُّ بالفتح شائع في كل ضرر، وبالضم خاص بما في النفس كمرض وهُزال (الأقرب).تحويلاً: حوّله: نقَله من موضع إلى آخر. حوَّل الشيءَ: قلَبه وأزاله. وحوَّل هو: انتقل، لازمٌ متعدٍّ (الأقرب).

التفسير:

الموضوع الذي يتناوله القرآن الكريم في الآيات السابقة هو أن الكفار حين يسمعون ذكرَ بعث الإسلام، أي غلبته، يظنون خطأً أن المراد منه بعث الأجساد بعد الموت، فيشرعون في الاعتراض على ذلك. ومع أنه لا سبيل للاعتراض ولو كان المراد من البعث هو ما ظنوه، ولكن الحق أنه تعالى لا يعني هنا بعث الأجساد من القبور، بل بعثًا روحانيًّا في هذه الدنيا، حيث يعلن تعالى أنه سوف ينادي عبادَه في الموعد المناسب، فيتمزق كلُّ فخّ نسجه أئمة الكفر بمكائدهم لاصطياد الناس، ويفرّ منهم صيدُهم ليلتحق بمحمد رسول الله . ثم نصح المسلمين بأخذ الحيطة زمنَ الازدهار. واستأنف في هذه الآية الموضوعَ نفسه ثانية فقال للكفار: يمكنكم أن تعرفوا كذبَ دينكم وحقيقةَ الشرك على ضوء ما أنبأنا به من ازدهار المسلمين وهلاكِكم. فها نحن نتحداكم أن العذاب نازل بكم، فادعوا آلهتَكم لتروا هل تسمَعُ ابتهالَكم، وهل هي قادرة على تأجيلِ عذابنا لبعض الوقت، بَلْهَ أن تدفعه عنكم نهائيًّا.وبما أن الدمار القادم كان سيحل بالمسلمين جراء الشرك، فتناول القرآن موضوع الشرك هنا بالتفصيل. والحق أن مرض الشرك كان متفشيًا في المسلمين حين دمِّرت بغداد. ذلك أنهم أثناء الفتوحات الإسلامية تزَّوجوا بالنساء الإيرانيات والتركيات ذوات الحسن والجمال، وكُنَّ مشركات متعصبات، فظهر أثر الشرك في أولادهن في نهاية المطاف. وكان ابن المقفع وعبد الله بن صباح من تلك الحقبة نفسها.

أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (58)

شرح الكلمات:

الوسيلة: وسَل إلى الله بالعمل يسِل وسيلةً: رغِب وتَقرَّبَ. ووَسَّلَ إلى الله بوسيلة وتَوسَّلَ. عمِل عملاً تقرَّب به إليه تعالى. وتوسّلت إلى فلان بكذا: تقرَّبت إليه بحرمة آصرةٍ تعطِفه عليه. الوسيلة: ما يُتقرَّب به إلى الغير (الأقرب). محذورًا: ما يُحترَز منه (الأقرب).

التفسير:

اعلم أن أولئك هنا إشارةٌ إلى النبيين، والمراد مِن يَدْعون أن الأنبياء يدعون الناس إلى الله تعالى، أو أنهم يدعون الله في تضرُّع وخشوع؛ وأما يبتغون إلى ربهم الوسيلةَ فهو خبرٌ لـِ أولئك ؛ ومفهوم الجملة: أن أولئك النبيين – الذين صفتهم التبليغ أو الدعاء، والذين بلغوا تلك الدرجة من الصلاح وحب الله تعالى- لا يبتغون إلا قربَ ربهم، ولا يتخذون للتقرب إليه تعالى أيَّ إله آخر.أما جملةُ أيُّهم أقربُ فيرى الزمخشري – وقد أيّد رأيَه جمهور المفسرين – أن أيّ موصولة، بمعنى: مَن هم أقربُ منهم، وهذه الجملة بدلٌ من ضمير الفاعل في يبتغون ، والمراد: أن هؤلاء الساعين للحصول على القرب الإلهي هم الأقرب إلى الله تعالى. وفي ذلك تنبيهٌ إلى أنه ما دام أولئك الذين هم أقرب الناس إلى الله تعالى يسعون للمزيد من قربه فكم بالحري أن يسعى لذلك مَنْ لم يحظَ بقربه أصلاً.فمجمل القول إن القرب الإلهي ليس مما يُحرَز بعبادة الآخرين. فما دام أعظم الأنبياء وأكثرهم تقربًا هو الآخر لا يبرح يبتغي قرب الله ويريد المزيد من قربه تعالى؛ فأنّى له أن يكون زعيمًا وضامنًا لكم. وحيث إن كبار الأنبياء العظام ما زالوا يبتغون المزيد من قربه ، فكم بالحَرِى أن تسعوا أيضًا لذلك.ويمكن تفسير هذه الآية بمفهوم آخر بأن تكون أولئك إشارةً إلى الذين اتُّخِذوا آلهةً، ويكون ضمير الفاعل في يَدْعون عائدًا إلى المشركين، وأن تكون أيُّ استفهاميةً، عاملُها فعلٌ أو مصدر محذوف، أيْ: يحرصون أيُّهم أقرب إلى الله، أو بغيتُهم أيهم أقرب إليه ؟ والمراد: أن أولئك الذين يدعوهم المشركون آلهةً إنما يبتغون قربَ الله تعالى، ويرون أيهم يكون أقرب إلى الله تعالى؟

وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا (59)

شرح الكلمات:

مسطورًا: اسمُ مفعول مِن سَطَرَ الكاتبُ: كتَب (الأقرب).

التفسير:

لقد تحدى الله المشركين من قبل بأن يَدْعوا شركاءَهم ليروا هل يدفعون عنهم العذاب أو يتحملون نصيبًا منه نيابة عنهم، أما الآن فيضرب لذلك مثلاً ويقول: سيأتي على الناس زمان تتغلب فيه الأممُ المشركة بحيث يكاد ينمحي أثر التوحيد من على وجه الأرض. وحين تصل غلبة الشرك هذه ذروتها وتغطي العالم كله سنُنـزل العذاب على الدنيا كلها لنقضي على هذا الشرك العالمي، وعندها سيتجلى للدنيا صدقُ ما نعلنه. سيحيط بالدنيا كلها عذاب عالمي كما أنبأنا، وسيستغيث الناسُ آلهتَهم الباطلة، ولكن بدون جدوى. وهذا النبأ سيُذكَر في سورة الكهف مفصلاً.كما حذّر الله تعالى هنا المسلمين أيضًا من عذاب ثانٍ قد يهدّدهم لوجود المشابهة التامة بين الأمة المحمدية والأمة الموسوية.

وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآَيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآَتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآَيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا (60)

شرح الكلمات:

فظلموا بها: الظلمُ: التصرفُ في مِلكِ الغير ومجاوزةُ الحدّ؛ وضعُ الشيء في غير موضعه. ظلَم البعيرَ ظلمًا: إذا نحَره مِن غير داء (التاج).

التفسير:

يقول الله تعالى هنا: يجب ألا يظنَّنَّ أهلُ أي زمن أن ظهور المعجزات السماوية قد انقطع الآن. وهذا النصح موجَّهٌ إلى المسلمين خاصة، إذ كان هناك خطر أن يتغافلوا عن الله تعالى، فيُحرَموا من رؤية آياته المتجددة، فيظنوا أن الآيات لا يمكن أن تظهر الآن. فنبّههم الله تعالى ألا تنتابهم مثل هذه الظنون، لأنه تعالى يُري آياتِه دائمًا، ليتجدد الإيمان في قلوب العباد. وقد دلّل الله على ظهور آياته دومًا بما يلي:1- غايةُ ما يمكن أن يُقال في تأييد انقطاع آيات الله هو: متى استفاد الأولون من هذه الآيات حتى ينتفع بها الناس الآن؟ والجواب أنه لو كانت هذه الحجة مقبولة لما ظهرت أيّةُ آية أبدًا من عند الله بعد بعث أول الأنبياء. ولكن الله تعالى لم يفعل ذلك، بل ما زال يرسل بالآيات رغم الإنكار المستمر لها من قبل أعداء الأنبياء. فلا يمكن أن تتوقف الآيات الإلهية من الظهور جرّاء إنكار المنكرين في أي زمن. لقد أظهر اللهُ الآياتِ في زمن آدم، وأيضًا في زمن نوح، كما أظهرها لأمة ثمود التي كانت بعدهما. لقد خصَّ الله قومَ ثمود بالذكر هنا لأن هذا الشعب كان من العرب، وكانت آثارهم الباقية ماثلةً أمام العرب كلهم، سواء كانوا مشركين أو يهودًا أو نصارى، وكان بإمكان هذه الفئات كلها أن تأخذ العبرة من حالات قوم ثمود.2- وساق الدليل الثاني قائلاً: إن ظهور الآيات ضروري قبل إنـزال العذاب، لكي يُنقَذ من العذاب مَن يمكن إنقاذه. وما دمنا ننبّئ بحلول العذاب الشديد في المستقبل بحيث لن تنجو أيةُ قرية في العالم من النوازل والبلايا، فيجب أن يدرك المسلمون من ذلك أن لا بد عندها من ظهور الآيات السماوية أيضًا، لأن إنـزال العذاب بدون إنذار وتخويف يتنافى مع سنتنا.