علامةٌ للخلافة الحقّة

محمد مصطفى

كاتب
  • ما كانتْ نبوة قط إلا تبعها خلافة. يثبت هذا الحديث أن أي نوعٍ من خلافة بدون النبوة هي مزيف وزور.
  • ويشهد الحديث المذكور أيضًا صدق الخلافة الإسلامية الأحمدية بكونها على منهاج النبوة.
  • آية الإستخلاف تدحض قول القائلين بضعف الحديثين.
  • الخلافة منوط بالإيمان في آية الإستخلاف ويجب وجود نبيٍّ للإيمان.

كثيرًا ما نجد كلاما مطولا عن ضرورة إحياء الخلافة، لإعادة زمن المجد الإسلامي التليد والمسلوب.. وما فتئ هؤلاء المتكلمون يتمنون في هذه الأحلام تمنياتهم وينمقون في تلك الأوهام كتاباتهم.. حتى أوصلتهم مبالغاتهم في أحلامهم إلى حب السُبات العميق، فأخذتهم غفوة بعد غفوة رغم تنبيه من بعد تنبيه بأن الصبح قد تجلى، غير أنهم ولأنهم كسالى رفضوا القيام، وآثروا هذا المقام فقط في الأحلام! حتى إذا أزعجتهم التنبيهات، سدوا آذانهم واستغشوا أغطيتهم، نشيطين على صهوة جيادهم في أحلامهم نائمين. وإذا استيقظوا مضطرين ممتعضين، ووجدوا أن أحلامًا يرونها نيامًا، قد تحققت عيانًا، بإرادة رب العالمين، فردوها قائلين: «ليس ذا شرط ما رأينا، إنما الخلافة تقوم بأيدينا، بتوفيق من رب العالمين»! فقيل لهم: إن ما اعتبرتموه ليس شرطًا إنما هو الشرط، ولا يكون جواب الشرط إلا بتحقق الشرط، فلا يكون توفيق الرب إلا بالتوفيق لقبول شرطه تعالى، فلا معنى للإتيان بجواب دون سابقة سؤال، فإن وُفِّقنا لفهم السؤال هُدينا إلى جوابه.
ولكن ظل الحالمون في أحلامهم تائهين، تارة يخرج منهم من يختلق من عنده أمرًا فيسميه خلافة، فتذيقهم مراراتٍ وبلوى، وتارة ينزعون إلى تأييد حاكم ما فينصبونه خليفة فيذيقهم ما ذاقوه مما اخترعوه! وما هم بخارجين من النار..

أسئلة الحيارى المنتظرين
سأل سائل في أحد الملتقيات الإلكترونية عبر شبكة الإنترنت سؤالًا عما يكون أولا، أقيام الخلافة المرجوة التي وصفها النبي الخاتم أنها ستكون على منهاج النبوة، أم المهدي من يكتب له الظهور أولا؟!

ولكن ظل الحالمون في أحلامهم تائهين، تارة يخرج منهم من يختلق من عنده أمرًا فيسميه خلافة، فتذيقهم مراراتٍ وبلوى، وتارة ينزعون إلى تأييد حاكم ما فينصبونه خليفة فيذيقهم ذات الذي ذاقوه مما اخترعوه! وما هم بخارجين من النار..

وقد كانت جميع الأجوبة على هذا السؤال إما ملأى بالريبة أو صدرت عجيبة كعجب معتقدات التقليديين الغابرة، أو تخبط خبط عشواء على غير هُدى؛ فمن جملتها قال المشاركون في محاولة الرد على هذا السؤال: «لو لاحظت أخي في نصوص المهدي، فكأنك تستشف منها أن الأمر ليس مستقرا وقت خروجه..» وأصدر أحدهم فتوى جاء فيها «فالظاهر -والله أعلم- أننا الآن في المُلك الجبري، ويدل على ذلك ما رواه الطبراني عن النبي قال: سيكون بعدي خلفاء، ومن بعد الخلفاء أمراء، ومن بعد الأمراء ملوك، ومن بعد الملوك جبابرة، ثم يخرج رجل من أهل بيتي، يملأ الأرض عدلاً كما ملئت جورًا، ثم يؤمر بعده القحطاني. فوالذي بعثني بالحق ما هو بدونه. ففيه أن المهدي يخرج بعد الجبابرة، فخلافته هي الخلافة الأخرى التي هي على منهاج النبوة، لكن الحديث ضعفه الألباني، في السلسلة».
لقد ورد عن رسول الله في هذا الشأن (شأن الخلافة) أمر قطعي هام لإثبات شرط قيام الخلافة فقال: «ما كانت نبوة قط إلا تبعتها خلافة..» (1)

إشارات الهُدى
وعلى أساس هذا الحديث الهام جدًا، إذا كانت النبوة حتمًا تتبعها خلافة، فبالتالي يكون بالتبعية أن (قبل كل خلافة حتمًا يكون هناك نبوة). ومن ذلك -وعلى ضوء هذا الحديث- نستطيع أن نميز الخلافة الحقّة، ونفرق بينها وبين أي خلافة مُدّعاة كذبًا وزورًا واستبدادًا. كما يضعنا هذا الحديث على طريق قويم للإجابة على سؤال السائل «أيهما يكون أولًا، خلافة على منهاج النبوة أم ظهور المهدي؟»

إذن؛ فإن أي ادعاء لخلافة بدون نبوة تسبقها يكون بالتالي ادعاء كذب وزيف محض، وأّخفّ وصف يمكن أن يُقال فيه تجنبًا للتكفير والتخوين هو أنه مجرد تمني لا أساس له ولا منطلق سواء أكان شرعيًا أو منطقيًا دنيويًا.

فهذا الحديث مبدئيًا يكون شاهدا على صدق الخلافة الإسلامية الأحمدية، واعتبارها -حصرًا- هي الخلافة الصادقة الموصوفة بكونها «على منهاج النبوة» دون سواها من ادعاءات مختلفة في هذا الزمان. وهي التي تأكد بها صدق الإمام المهدي والمسيح الموعود حضرة مرزا غلام أحمد كمرحلة تصديق لاحقة، فهي -أي الخلافة- تثبت كونه نبيًا بعثه الله لإصلاح هذه الأمة وإعادتها على نهج القرآن المجيد ومنهج سيدنا محمد .
إذن؛ فإن أي ادعاء لخلافة بدون نبوة تسبقها يكون بالتالي ادعاء كذب وزيف محض، وأخفّ وصف يمكن أن يُقال فيه تجنبًا للتكفير والتخوين هو أنه مجرد تمنٍّ لا أساس له ولا منطلق سواء أكان شرعيًا أو منطقيًا دنيويًا. فإن أي افتراض لوجود خلافة بدون نبوة تسبقها فهو بلا أساس شرعي. فمن الذي سيخلفه الخليفة الأول من سلسلة الخلفاء المزعومة إذا ما حصلت مثلًا؟! فإنه إذا لم يكن نبي فهو بالضرورة شخص دنيوي، وبالتالي تسقط المنهجية النبوية من الأساس الأول لتكوين نواة الخلافة، سيقول قائل: «إن حديث «على منهاج النبوة» يُفهم منه الصلاح عمومًا، أي أن تكون سلسلة خلفاء متصبغة بصبغة الصلاح المُستمد من نور النبوة المحمدية، فلا يُشترط فيه ولا يُفهم منه أن يسبق الخلفاء نبي» ولذلك أكثر من رد منه مثلًا أنه لما كانت الخلافة الراشدة الأولى على منهاج النبوة تلك النبوة التي رُفعت بمشيئة الله، وانتهت تلك الخلافة وتبعها ملك عضوض فحكم جبري فلا بد لتعود المنهجية النبوية المحمدية أن يوجد من يكون مؤهلًا ليستقبل ما رُفع ويعود به فيمكث ما شاء الله له أن يمكث ثم تتبعه خلافة.
ثم أن كلمة «النبوة» في حد ذاتها وعلى الرغم من أنها وردت مُعرفة، إلا أنها ظهرت مُطلقة وكأنها ترادف الحديث «ما كانت نبوة قط إلا تبعتها خلافة»، فلما انقطعت سلسلة الخلفاء الراشدين بانتهاء خلافة سيدنا علي ، وجب لنشوء أي خلافة راشدة أخرى -كسلسلة متصلة- أن يسبقها حتمًا نزول مبعوث إلهي مُكلف بهداية البشرية.

العناية الإلهية بالآيات
لقد جعل الله بهذا الحديث «ما كانت نبوة قط إلا تبعتها خلافة» أمر الخلافة محميًا من جانبين، كالقوسين يضمان الجملة ويميزانها عن تدخل ما سواها فيها، فكان الجانب الأول هو وجوب ارتباطها بنبوة، إذ جُعل هذا الارتباط درعًا واقيًا ممن تمنوا الخلافة وأرادوا إقامتها بأنفسهم وبأيديهم! ناسين أو متناسين أنها تكون من الله وبشروطه ، فهي فضل الله يؤتيه من يشاء، وليست بحسابات ولا ترتيبات البشر. فجعل الله مفتاحًا لها بعث نبي قبلها، فكان الذين عششت في أدمغتهم التفسيرات العقيمة والجامدة للقرآن الكريم رغم رفضهم لمسيح الله المحمدي تراهم ساعين ومنادين لإقامة الخلافة ونصرة الدين، لكن هيهات! إلا أن يقبلوا مبعوث الله، وينصاعوا لأمر الله وقدره، ويؤمنوا برسله جميعًا عليهم السلام.
والجانب الثاني، هو تصديقها -أي الخلافة- لوعد النبوة، ففي ذات ذلك التصديق حماية لأمر الخلافة نفسها، فمن ناحية هي تحقيق لنبوءة نبي، وفي ذلك التحقيق إثبات مصداقية، ومن ناحية أخرى فمصداقية النبوة تُضفي بالتالي مصداقية على الخلافة أو ما نعبر عنه بـ «الشرعية».
إذًا فهذا الحديث علامة على صحة خلافة ما. فمن أراد الخلافة منزوعة عن النبوة فقد أدخل نفسه في متاهات ودهاليز وشبهات ما أنزل الله بها من سلطان، بل وحذَّر منها، لذا فَمَن صدق النية وأخلص الأمنية في قيام الخلافة، فعليه أن يؤمن بالنبوة السابقة لها، أو يُوجِدَ بنفسه لها نبيًا يُضفي عليها شرعيتها لتقوم أصلًا. فإن لم يُحب واتبع هواه ورغم ذلك تمادى في إرادة الخلافة، فعليه أن ينبذ فكرة الخلافة بالكلية، وإلا فإن هذه الصورة البتراء من الخلافة، والتي تظهر للوجود دون غرس نبوي قبلها، هي كمثل الولد اللقيط الذي لا يعرف من أبوه.

دحض قول القائلين بضعف الحديث
على الرغم من أن حديث «ما كانت نبوة قط إلا تبعتها خلافة..»(3) لم يرد ذكره في الصحاح، إلا أننا نراه مدعومًا بعديد من الشواهد التي تجعله موثوقًا فيه، فالقرآن يشهد له من خلال آية هامة جدًا، وذات صلة وثيقة بهذا الموضوع، ألا وهي آية الاستخلاف، إذ يقول الله تعالى:

وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ………. وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (2)،

وهي تدعم بشكل جلي الحديثين: «ما كانت نبوة قط إلا تبعتها خلافة» المذكور آنفا، وحديث «ثُمَّ تَكُونُ خِلَافَةً عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ»، فالآية الكريمة تنفي ضمنا ما قد ينشأ من سوء الفهم من أن الإيمان والصلاح قد ينشآنِ من تلقائهما دون أن يغرسهما الله بيده بواسطة النبوة. وآية النور نفسها تشير إلى ضرورة الإيمان أولا الذي يصدقه العمل الصالح ثانيا ليتحقق وعد الاستخلاف، فيا ترى بم يكون ذلك الإيمان المذكور إن لم يكن بنبوة ما؟!
فالنبوة التي تسبق أي خلافةٍ حتمًا لهي ضمانةُ صدق وحقية هذه الخلافة، فإن لم تكن خلافة تلي النبوة؛ أصبحت تلك النبوة مجرد ادعاء فارغ ثبت كذبه سريعًا لتعرضها للبتر بمجرد موت مُدّعيها. وإن لم تكن نبوة تسبق الخلافة؛ صارت تلك التي يسمونها خلافة ما هي إلا طموحات وأماني ومجرد وهم يجري وراء هوى الاستحواذ على السلطة والحكم، وليس لها أي صلة بالروحانية ولا بالدين وتكون كاللقيط الدعيِّ.
فلكي لا يكون بوسع كل من هب ودب أن يُنشئ من عند نفسه خلافة اختلاقًا، وضع الله هذا الشرط من عنده تعالى، فمن آمن فاز بالظل الظليل تحت نظام الخلافة الجليل. أما من استغنى عن الشرط، وكفر بالسبب، ورغم ذلك طلب النتيجة دون دون سلوك السبيل إليها، فقد طغى، وطغيانه متمثل في فرض شروطه على أحكام الله تعالى، فأنّى له إلا أن يُيَسَّرَ للعُسرى؟!

الأمر منطوٍ على فتنة
إن الوعد الإلهي هنا متحقق فقط في «الذين آمنوا» والصالحين من الأمة، والسؤال الآن هو: من هم أولئك الذين آمنوا؟! لأنه قد يتبادر إلى ذهن البعض أن مجرد أصحاب الإيمان العام أي المسلمين عمومًا -باعتبار كل مسلم لنفسه- يندرجون تحت مستحقي هذا اللقب والوعد بالتبعية! كلا، فالإيمان المُراد هنا هو الإيمان المتجدد والمُصاغ بأروع ما صيغت به كلمات من رب الكائنات الذي يقول:

أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (4)،

فلا يكفي مجرد اعتبار نفسك ، فإنما أنت مسلم فحسب ولما يدخل الإيمان في قلبك بالامتحان الذي يُحدد ذلك.

فالنبوة التي تسبق أي خلافةٍ حتمًا لهي ضمانةُ صدق وحقية هذه الخلافة، فإن لم تكن خلافة تلي النبوة؛ أصبحت تلك النبوة مجرد ادعاء فارغ ثبت كذبه سريعًا لتعرضها للبتر بمجرد موت مُدّعيها. وإن لم تكن نبوة تسبق الخلافة؛ صارت تلك التي يسمونها خلافة ما هي إلا طموحات وأماني ومجرد وهم يجري وراء هوى الاستحواذ على السلطة والحكم، وليس لها أي صلة بالروحانية ولا الدين وتكون كاللقيط الدعيِّ.

الضرر والضرورة
لم يعد خافيًا على أحد، كبيرًا كان أم صغيرًا واعيًا، غنيًا كان أو فقيرًا، في مناطق البلدان النامية أو في مناطق عُرفت بالرفاهية المعيشية، عالمًا كان أو جاهلًا، أن هوة الفساد صارت تتسع وتتعمق، وما كان اتساعها ذاك وعمقها بهذا الشكل الخطير إلا بأفاعيلنا نحن البشر، وبرغم علمنا الكامل بما سيقع من عواقب وخيمة جراء اقتراف أمور معينة، إلا أننا تجاهلنا ما سيكون، واستبعدنا وقوع العواقب في حياتنا، واستسغنا اللذة الوقتية التي هي في مقدار زمن الكون لا تعدو لحيظات، سرعان ما تمر ثم يتبعها الندم العام والألم.
ولا يغيبن عن ناظرٍ أن هذا الفساد قد طال كل صورة من صور الحياة المُعاشة تقريبًا، حتى أن التغيرات المُناخية المُتطرفة أمست نتيجة واضحة جدًا من نواتجه المباشرة، وإنّنا إذا خصصنا موضوعًا لهذه النتائج المباشرة منها وغير المباشرة لما وسعتنا دفاتر عديدة لتسجيلها، لذا فلنركز على موضعنا الحالي الآن، وهو كيفية مواجهة هذه الأزمات عمومًا؛ ذلك بعد أن استفحلت استفحالًا يبدو معه أن لا حلول مجدية لها، ويُرى في خضم عدم الجدوى تلك أن أي تقديم لحل غير مألوف هو من قبيل المُحال عمليًا، وضرب من الجنون فعليًا! ولكن لنرَ، فكما يُقال في القول السائر: «إن الله يضع سره في أضعف خلقه» والمفهوم من الضعف هنا الضعف المادي الذي يستهينه العقل البشري وتزدريه أعين الناس..
لقد صور الله تعالى في القرآن الكريم هذا الذي نتكلم عنه في آية موجزة تشخيصية، وهي تُعد معادلة مثالية للضبط في حال فقد الاتزان، وهذه الآية :

ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (5)،

فالفساد البادي لنا الآن ومنذ زمان، هو في الحقيقة ناتج في الأساس من فعل الناس. ويَرِدُ على الخاطر تقريبًا لذلك الأمر قول سائر آخر يقول: «طاهي الطعام أول من يتذوقه»، فإذا كان سيئا طهيه فسيئ مذاقه، لذا فإن على الفرد أو الأمة، حين يُفسد أمرًا ما قد عمله، مراجعة الوصفة أو دليل الاستخدام، لاستدراك الخطأ والفساد الحاصل.. لكن كيف الحال إن لم تنصلح الأحوال!؟ وذلك رغم كل ما تم اتخاذه من استعدادات واستدراكات؟!
إنه بالنظر إلى العلامات التي ذكرناها في بداية موضوعنا هذا ندرك أن الله رب كل شيء لما رأى أن الفساد قد طغى وهَب من لدنه رحمة وهيأ لها الحماية التامة واللازمة لاستمرارها حتى بلوغ الغاية منها، ولكن هذه الرحمة مع كونها خاضعة لصفة الرحمانية أي أنها موهوبة من الله تعالى دون سابق عمل، إلا أنها تخضع لصفة الرحيمية في النهاية فيستفيد بها أكبر استفادة من يجتهد لينالها. فمن الناس مثلًا من تشرق الشمس عليه فيمقت ذلك ويُفضل المكوث دومًا في الأقبية الرطبة الضارة بالجسم والعظام. فيقول الله ضمن آية الاستخلاف أيضًا:

وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا (6)،

فالتمكين والأمن بعد الخوف مرهون باللجوء إلى الله تعالى وحده، وهو سبحانه قد وضع مرجعًا لذلك علامات لنهجه الموصل إليه والمنقذ من الفساد، فمن اتبعها وصل وأمن وتمكن، أما من رفضها فأنى له ما سبق؟!
فمن الطبيعي وفق سنن الله أن يكون مصير الرافضين لآيات الله (أي علاماته) التي أبداها للأخذ بيد البشرية في طريق الإنقاذ، والتي كان من الطبيعي لمن يهملها ويعرض عنها أن يضل في صحراء الفساد بكل ما تعنيه كلمة الفساد من معنى، ماديا كان أو روحانيا، وتلك سنة ثابتة وجارية فينا كما كانت جارية في الأمم من قبل، يقول تعالى:

وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (7)،

ويقول أيضا:

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (8)،

كما نقرأ في المزامير قولا مشابها: «هُوَذَا الإِنْسَانُ الَّذِي لَمْ يَجْعَلِ اللهَ حِصْنَهُ، بَلِ اتَّكَلَ عَلَى كَثْرَةِ غِنَاهُ وَاعْتَزَّ بِفَسَادِهِ»(9).
ولكن على الرغم من كل ما سبق، لا تزال صفة رحمة الله تعالى باقية، فيرسل من رحمته من يضطلع بإصلاح كل أخطاء المستخدمين وهدايتهم، بحيث يكون «ولا المهدي إلا عيسى ابن مريم» هذا الذي جاء بعد اشتداد الظلمة نورًا ويكون دليلًا لخلافة من بعده لتكون نورا على نور، فمن شاء اهتدى وكان مكتوبًا له الهدى، ولنتذكر جيدا كيف ربط حضرة خاتم النبيين بين انصلاح الحال المتردية ولزوم المهدي الذي هو نفسه عيسى ابن مريم حصرا، فقال: «لَا يَزْدَادُ الْأَمْرُ إِلَّا شِدَّةً وَلَا الدُّنْيَا إِلَّا إِدْبَارًا وَلَا النَّاسُ إِلَّا شُحًّا وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ إِلَّا عَلَى شِرَارِ النَّاسِ وَلَا الْمَهْدِيُّ إِلَّا عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ». (01)

1. (التاريخ الكبير للبخاري)
2. (النور: 65)
3. (مسند أحمد،كتاب أول مسند الكوفيين)
4. (العنْكبوت: 3)
5. (الروم: 24)
6. (النور: 65)
7. (النور: 65)
8. (النساء: 75)
9. (اَلْمَزَامِيرُ 1 : 6)
10. (سنن ابن ماجه، كتاب الفتن)