• من اعتاد على داء أدمنه.
  • علم الترب، والذكر الزائف.
  • قصة وعبرة.

المتصوفة مثلهم كمن قيل فيه: «من اعتاد على داء أدمنه»، لقد ابتدعوا طريقة مشوهة لذكر الله لدرجة جعلوه شيئًا مغايرًا وتلاشت صورته التي قدّمها الإسلام. فما هو ذكر الله عندهم الآن؟ إنه ليس إلا رفع الصوت من القلب وإيصاله إلى أعلى مستوياته، بل يعمدون إلى الصياح بأصوات عالية تقضُّ مضاجع أهل حيِّهم، ويشوِّشون على المصلين المتعبدين من جيرانهم. وهذا ما يسمّونه الضرب على القلب. وكأن القلب في نظرهم مكان لإقحام «لا إله إلا الله» فيه بالقوة…. باختصار، قد ابتدعوا طرقًا عجيبة غريبة، فمرة يقومون بترويض القلب، وأخرى يقومون بضرب القلب، وتارة يحاولون استخراج الصوت من الروح، ولقد اخترعوا له أسماء من عند أنفسهم، فمرة يقولون إنهم يرفعون الذكر من القلب فيعلو ويسجد عند العرش ثم يعود، وتارة يقولون بإمكاننا ترويض كل عضو من أعضاء الجسم حتى يردد اسم الله…

والأمر الثاني هو أن هذه البدعات تتميز بشيء خاص يشعرون بسببه باللذة والسرور بصورة ظاهرية ولكنهما زائفان، ومن يعرض عن اللذة الحقيقة ويلهث وراء اللذة المصطنعة والزائفة فلا بد أن يلقى الهلاك والدمار. ومثلهم في ذلك كمثل رجل يؤلمه بطنه ولكنه بدلًا من أن يعالجه يتناول الأفيون وينام. لا شك أن ألمه سيهدأ مؤقتًا بسبب غيابه عن الوعي ولكنه في الحقيقة يسير تجاه الموت وسيأتي وقت يؤدي به ألمه هذا إلى الهلاك.

الحقيقة أن ما يسميه هؤلاء ذكرًا إنما هو علم من العلوم يقال له «علم الترب» وبالإنجليزية (Mesmerism) أي المسمرية. كما أن هناك علما آخر من هذا النوع وقد اكتشفه طبيب فرنسي ويسمى (Hypnotism) أي التنويم المغناطيسي، ولا علاقة له بالروحانية بل هو يتعلق بالفكر والخيال. ولقد أودع الله تعالى فكر الإنسان قوة بحيث إذا وُجه بشكل مركَّز إلى جهة معينة اكتسب تأثيرًا خاصًا، وبواسطته يمكن توليد اللذة والسرور في القلب. ولكن هذه اللذة تشبه اللذة التي يولدها تعاطي الأفيون أو الكوكايين أو القنّب، فلا تكون هذه اللذة حقيقية، بل هي حالة من الغشي الضار بصحة الإنسان. كذلك عندما يُلقى تأثير على الأعصاب من خلال تركيز الدماغ تطرأ حالة من النعاس التي تُشعر صاحبها باللذة، ويحسب هؤلاء المتصوفة أنها لذةُ ترديدهم «الله الله» في حين أنهم لو ردّدوا اسم إله الهندوس قائلين «رام رام» فسيشعرون باللذة نفسها.

يروى أن أحد الصلحاء كان متجهًا إلى مكان ما راكبًا السفينة فبدأ يذكر الله تعالى بصوت عال جدًّا لدرجة أن ركاب السفينة الهندوس أيضًا أخذوا يرددون: الله الله. وكان من بينهم زاهد هندوسي ظلّ صامتًا دون أن يجريَ على لسانه اسم الله. فانتبه إليه الرجل الصالح وخلال ذلك أخذ الهندوسي يلقي عليه تأثيره الخاص، وبعد قليل انفجر الرجل الصالح بترديد كلمة «رام رام» لأن الهندوسي فاقه في إلقاء التأثير فأصبح يردد كلمة «رام رام»، فاندهش الرجل لما حصل وتاب فورًا عن مثل هذه الأذكار لأنه عرف أن عمله ذلك نوعٌ من العلم ولا علاقة له بتأثير الذكر، إذ لو كان تأثيرُ ترديدِ كلمة «الله» يَظهر في صورة جريانها تلقائيًا على لسان الآخرين لما جرت كلمة «رام رام» على لسانه هو. .. هذه هي حالة من يسلك طرقهم ويظن أنه ينال قرب الله تعالى رويدًا رويدًا، والحقيقة أنه ينتشي بنشوة كاذبة فيظن أنه قد بلغ مقامًا معينًا في القرب من الله، ولكن الحقيقة أن قلبه يظل نجسًا كما كان سابقًا. وتلك تشبه النشوة الناتجة عن تعاطي الأفيون.

(مقتبس من كتاب الذكر الإلهي لحضرة مرزا بشير الدين محمود أحمد)