سلوك نحل العسل والشورى في الإسلام

الدكتور محمد علي البراقي

  • خص الله النحل بقدرة هائلة على تعدد الوظائف والتنظيم.
  • من خلال العمل الجماعي تنهض الأمم والمجتمعات، وتبنى البلاد ويترقى العباد وتعمر الأرض.
  • تقدم وازدهار الإنسان هو تقليد ومحاكاة لما خلقه الله من دواب وكائنات على سطح الأرض.
  • النظام الداخلي الذي يضبط سلوك النحل، يتقارب من جوانب عدة لنظام الشورى في الإسلام.
  • هل يوجد من يخالف ويثير الشغب في عالم النحلة كما يوجد في عالم الإنسان؟
  • للنحل يبلغ حجم دماغها أقل من المليغرام واحد تنجز أعمال استثنائية وعلى درجة عالية من التعقيد.

لقد ضرب الله تعالى لنا مثلاً في النحل وسلوكه ودعانا للتفكر به، فقد خص الله هذه الحشرة بقدرة هائلة على التنظيم وتعدد المهام كجمع الرحيق وإنتاج العسل وجمع الطلع وبالتالي الإسهام في التأبير، ويصب كل ذلك في نهاية المطاف في خدمة الإنسان وتوازن النظام البيئي.
أبدى الكثير من الباحثين الشرقيين المتعمقين في سلوك النحل دهشتهم من دقة وعظمة التنظيم الداخلي لخلية النحل مثل توزيع المهام والانسجام التام في آلية عمل خلية النحل، مما دعاهم للطلب من الجمعيات والأنظمة والحكومات الاقتداء بسلوك النحل المعجز في عملهم وآلية إدارتهم شئون الناس. طبعاً من الحري بنا كمسلمين أن نكون من السباقين في دراسة سلوك النحل وفهم تفاصيله وأسراره لأن الله الخالق العليم قد فتح لنا أبصارنا وشد أذهاننا للتفكر بسلوك هذه الحشرة منذ ما يزيد على 14 قرناً عندما لم يكن يُعرف عن النحل إلا القليل.
قد يكون القيام بالعمل الفردي سهلا، فيذهب المرء يومياً منذ الصباح الباكر لعمله يبتغي فضل الله عليه ويسعى في سبيل كسب رزقه. أما في العمل الجماعي، فلنجاحه وليكون منتجاً يتطلب الأمر مستوىً من التنسيق والحرفية يفوق كثيرا ما هو مطلوبٌ في العمل الفردي. فبالعمل الجماعي تنهض الأمم والمجتمعات، وتبنى البلاد ويترقى العباد وتعمر الأرض. في العمل الجماعي توضع على المحك أنانية النفس البشرية، والإيثار، والتضحيات وكثير من سلوكات الفرد الأخرى التي إما أن تنهض بالأمة والمجتمع وتجنبه الهلاك أو أن تهوي به في حفرة سحيقة لا قيام بعدها.
في حقيقة الأمر، فمع ظن الإنسان أنه تقدم وازدهر وصار يناطح السحاب بمبتكراته وإنجازاته العلمية والصناعية واكتشافاته، إلا أن المتأمل يجد أن مبتكراته ليست إلا تقليدا ومحاكاة لما خلقه الله من كائنات ودواب على سطح الأرض. فقد تعلم الإنسان صناعة الطائرات وتصميمها من خلال دراسة مورفولوجيا وبيولوجيا الحشرات والطيور، بل استخدم ريش هذه الطيور وصوف الأنعام وشعرها ومنتجاتها ليسخرها في خدمته في مجالات شتى من صنع كسائه إلى بيوته وغذائه. كما أن الإنسان تعلم دروسا كثيرة من سلوكات الكائنات الحية التي أوجدها الله في الأرض خدمة له وسداً لحاجاته البشرية. المعلوم أنه يوجد حتى عند الحيوانات نظام خاص بها فيما يخص «العمل الجماعي» أو من الأنسب تسميته «السلوك الجماعي» لأنه ليس منوطا بالمجموعات الحيوانية أن تنجز عملاً ما لعدم تمتعها بمستوى الإدراك المطلوب لهذا الأمر والذي يختص به الإنسان فقط. وربما يكون هدف السلوك الجماعي عند الحيوانات الحفاظ على بقائها بتخفيف أثر البيئة السلبي على أفراد مجموعاتها.
أما عند النحل، فالموضوع يبدو استثنائياً في المملكة الحيوانية، فسلوك النحل ونظامه الداخلي متقدمٌ جداً لدرجة مدهشة الدقة في التنظيم الاجتماعي العالي، يعجز الإنسان عن أداء مثيله. من هنا لابد أن نتفكر في سورة النحل ونتمعن لمَ أوحى الله إلى هذه الحشرة الصغيرة؟ هل لأنها تصنع لنا عسلاً لذيذ الطعم فقط؟ فخصها بهذا المقام العظيم، إذ علمها مهامها وأخبرنا بهذا الوحي في القرآن الكريم طالباً منا التفكر في النحل ومنتجاته. لم يوح الله تعالى للنحل فقط بل أوحى وأعطى كل شيء خلقه ثم هدى، ولكن الوحي للنحلة خاص جدا يظهر بأدائها وفاعليتها في الحياة، إن سلوك النحل معجزٌ ومذهل ودراسته ممتعة إلى أبعد الحدود، ليس هذا فحسب بل ينتج النحل خمس منتجات أخرى هي الطلع والعكبر والشمع والغذاء الملكي وسم النحل.
في هذه المقالة سنناقش سلوكا واحدا عند النحل وهو اتخاذ القرار بين أفراد الخلية الواحدة وكيف يتم التوصل لقرار مشترك بين أفراد يفوق عددهم عشرات الآلاف عادة. من ينظر نظرة فاحصة يجد أن النظام الداخلي الذي يضبط الكثير من سلوكات النحل، لهو جدُّ قريب من جوانب متعددة لنظام الشورى في الإسلام ومشابه له.

من ينظر نظرة فاحصة يجد أن النظام الداخلي الذي يضبط الكثير من سلوكات النحل، لهو جدُّ قريب من جوانب متعددة لنظام الشوري في الإسلام ومشابه له.

تتألف خلية النحل من ملكة واحدة التي تعد أم الطائفة، وعشرات الآلاف من الشغالات وكذلك مئات من الذكور التي غالباً تصادف بكثرة في موسم التكاثر والتطريد. لكل من الملكة والشغالات والذكور دور ومهام ووظائف خاصة بكل منها.
ينفذ النحل في الخلية أعماله استجابة لمقتضيات التطور الفيزيولوجي المتحكَم به وراثيا ولا مجال لمخالفته، وكذلك لمقتضيات حاجة الخلية وضروراتها، علما أن النحل قادر بشكل هائل وسريع على التعلم. من ناحية أخرى، قد بينت دراسات حديثة أن بعض القرارات المهمة تتخذ جماعيا وعلى مبدأ ديموقراطي. لقد بينت الدراسات أنه في بعض القرارات المصيرية التي قد تودي بحياة الخلية، يقوم النحل بالتصويت كلٌ حسب ما تمليه عليه رؤيته للأمر المستطلع أو المطلوب التصويت عليه ثم يؤخذ برأي الأغلبية. ولكن يجب أن يكون معلوماً أن النحل لا يصوت على كل صغيرة وكبيرة داخل الخلية، فالناظم الأساسي للعمل الجماعي لخلية النحل هو ناظم تحكمه الغريزة التي أودعها الله فيه لينجز مهامه. كيف يتم هذا التشاور؟ وكيف يتخذ القرار؟ وعلى ماذا؟ وهل يتم اجماع في نهاية المطاف؟ هل تقبل كل النحلات نتائج التشاور وتطيع القرار الجماعي الذي اتخذ؟ أم أن بعضها قد يعبث بالنظام الداخلي ويتمرد على الإجماع ويثير الشغب، ضارباً بعرض الحائط مصلحة الجماعة، معتداً برأيه فقط وعلو كعبه بين أقرانه كالذي قال خلقتني من نار وخلقته من طين؟ وينادي بالثورات والفوضى كما هو حاصل في بعض البلدان اليوم؟ كل هذه الأسئلة سنجيب عليها الآن في ضوء البحوث العلمية الحديثة وما توصلت إليه في هذا المضمار.
قبل الخوض في صلب الموضوع لا بد من مقدمة صغيرة للتعريف ببعض الأساسيات عن النحل. عندما تزداد أعداد الشغالات في الخلية وتمتلئ بالعسل ويضيق فضاء الخلية بساكنيها تلجأ الخلية لما يسمى في علم النحل بالتطريد والطرد هو مجموعة من آلاف النحلات مع ملكتهم، يتركون خليتهم الأم ويستقرون مؤقتاً في العراء (غالباً على أغصان الأشجار) على شكل عنقود أو عثكول متراصين مع بعضهم وملكتهم بداخل هذا العنقود ريثما يجدوا مسكناً دائماً لهم. طبعا يبقى قسم من النحل في الخلية الأم ويقدر عادة بنصف عدد أفراد الخلية الكلي. من تلك اللحظة على الفور تتطوع بضع مئات من النحلات الخبيرات الأكبر سناً عادة للبدء بعملية اكتشاف المحيط والبحث عن مسكن دائم ومناسب للطرد الهش والضعيف الموجود بالعراء دون مأوي والمعرض للكثير من المخاطر في الهواء الطلق كالبرد والمطر وهجوم المفترسات كالدببة والطيور وغيرها. تنطلق مئات من الشغالات في عملية بحث تستكشف أنسب بيت ممكن ككهف مثلاً أو حفرة عميقة في جذع شجرة أو بيوت مهجورة، وقد يبلغ هذا البحث مسافة نصف قطر دائرة قدرها بضعة كيلومترات عن مكان وجود الطرد. تعود بعدها الشغالة للطرد وتقوم بأداء رقصة نحلية خاصة على هذا الطرد (أي فوق ظهور أخواتها) مشيرة إلى الموقع الذي وجدته وتحدد من خلال هذه الرقصة مكان الموقع بالضبط.
في الوقت نفسه تقوم نحلات أخريات أيضاً بالبحث وإيجاد مساكن مناسبة أخرى وتأتي بالخبر للطرد وتبدأ بالإعلان والترويج للموقع. هنا تتجلى عظمة الخالق، ونرى بداية ثمار عمل جماعي لا يضاهيه مثيل. فهذه النحلات التي لا يبلغ حجم دماغها المليغرام الواحد تنجز عملا استثنائيا وعلى درجة عالية من التعقيد، إذ تبحث عن مسكن وتدرس ملاءمة المسكن الجديد للطرد، وتعود لتنقل رسالة معقدة عن موقع المسكن وصفاته وتنتظر بعدها القرار الجماعي من الطرد. النحلة تنتظر القرار الجماعي هنا، فهي لا تصرخ وتستشيط غضباً وتظن أن موقعها هو الأفضل ولا يُعلى عليه، بل تؤدي رسالتها ومهمتها وتنتظر قليلاً لترى عسى أن تأتي نحلات أخريات بما هو أفضل مما جاءت به. يحدث أن تزور نحلات أخريات الموقع نفسه وكلما زادت قناعة عدد أكبر بموقع تزداد عدد الزائرات له ففي هذه الحالة ستعود عدة نحلات وتبدأ الترويج للموقع نفسه، وإن كان موقعا متميزا، فإن رقصات النحلات ستكون شديدة الحدة فتثير انتباه الأخريات، وكثيرا ما تطير الأخريات لتختبر الموقع الممتاز هذا بنفسها وتعود لتدلي برأيها على الطرد مرة أخرى. غالباً لا تعير النحلات كثيراً من الاهتمام للمكان الذي يروج له بفتور من قبل النحلات العائدات من الاستكشاف، فيتناقص الترويج له تدريجياً حتى يختفي تماماً خيار هذا الموقع ويذهب طي النسيان على حساب مواقع أكثر ملاءمة للطرد. وتستمر هذه العملية عادة بضع ساعات، وقد تطول لأيام وفي نهاية المطاف ينتهي الأمر بأن يقلع الطرد منفكا عن بعضه خلال دقيقة ويحوم حول الموقع وتطير النحلات المستكشفة التي أصبحت كثيرة العدد والتي استكشفت وقنعت بأفضل المواقع وتقود سرب النحل باتجاهه.
لقد دُرس بدقة سلوك النحلات التي لم يؤخذ بموقعها المقترح ولم يختر بل استبعد من المنافسة مطلقاً، حباً من الباحثين باستكشاف إن كانت تلك النحلات قد أصيبت بخيبة أمل وبدأت تفكر بشق الصفوف أو إحداث فوضى داخل الطرد مثلا، أو أن يكون هناك مثلا حق النقد أو ما يسمى «الفيتو» الذي يعطل قرار الأكثرية ويمنع توصلهم لقرار بالاجماع في مصلحة المجموعة. لقد بين الباحثون أن تلك النحلات كانت تستمر في الرقص تعريفا بموقعها المستكشف برهة وعندما ترى أن مواقع أفضل قد زكيت بأعداد أكبر وبنشاط أكبر من موقعها، كانت تتوقف عن الرقص والترويج له بصورة مفاجئة، أما سلوكها بعد ذلك فقد وجدوا أنها إما أن تبقى صامتة وتستقر على الطرد تتابع الأحداث الأخرى المتلاحقة أو في بعض الأحيان كانت تعاود الكرة وتطير لاستكشاف أماكن جديدة أخرى. القاعدة العامة هي أن موقعا نهائيا وحيدا في نهاية المطاف سيحصل على الترويج الساحق من غالبية النحلات المستكشفات حتى يضج الطرد بأكمله بأزيز النحل الذي يشير لإستقرار الرأي الجماعي على الموقع الفلاني واعتماد القرار النهائي. هنا لا يعرف الباحثون بدقة ماذا يحدث بعدها وكيف يتخذ قرار الإقلاع للموقع الجديد. لكن لوحظ أن بضعة عشرات من النحلات يبدأن بشكل مفاجئ برقصة خاصة على الطرد تختلف تماماً عن رقصة الإشارة للمواقع، وفي هذه الرقصة تمشي النحلة بسرعة على الطرد بخط مستقيم بضعة سنتمترات ومن ثم تتوقف وتتكور على نفسها بشدة محركة أجنحتها بضربات كثيرة جدا لبضع ثوانٍ، ثم تعيد الكرة. يرافق هذه الرقصة صوت طنين خاص تصدره تلك الشغالات الراقصة ليكوّن الإيعاز بالإقلاع.
لقد وصف الله تبارك وتعالى حال المؤمنين بأن أمرهم شورى بينهم، وكان الرسول يستشير أصحابه رضي الله عنهم في كثير من شئون الأمة، في الحرب والسلم، وكان أصحاب المشورة يقدمون آراءهم بأمانة وإخلاص ويطرحون عصارة تجربتهم بين يدي رسول الله ، ثم إن بت بالأمر واتخذ القرار طار الجميع باتجاه واحد لتنفيذه دون هوادة وسقطت الآراء الأخرى وتلاشت. لا يمكن أن ينتج عن قرار جماعي يشترك به عدد كبير من العقول المتزنة قراراً قزماً مسخاً غير ناضج، بل مثل هذه القرارات تنتج عادة عن القرارات المتفردة، ضيقة المنفعة أو التي تتخذها طغمة صغيرة من الناس. يد الله مع الجماعة، وهنا يتبين لنا أن القرار الجماعي المبني على خبرات أبناء المجموعة والشورى بينهم يوصل المجتمع لأفضل القرارات المتأنية وأفضل الخيارات المتاحة التي تعود بالفائدة على أفراد المجموعة كاملة وبالتالي على المجتمع ككل. فالمعرفة والعلم الذي توصلنا إليه اليوم، ليس نتاج فرد أو فردين، عقل أو عقلين، وليس نتاج بلد بعينه، إنما هو خلاصة تراكم خبرات وتجارب عقول البشرية جمعاء منذ أن خلق الله الإنسان على هذه الأرض.
إن كان هذا حال قرار جماعي في أمور دنيوية عادية كان محرك أصحابه حسن النية والعزيمة على تحقيق مصلحة الناس على قدر علمهم ومعرفتهم وخبرتهم فما بالك إن كان المحفز والموجه هو الله سبحانه وتعالى نفسه بوحيه ورعايته ووعده؟