دَعْوةُ الأحْمَدِيةِ الحَّلُ السِّحْرِي لمشْكِلاَتِ العَالمِ المعَاصرِ (1)

حلمي مرمر

كاتب
  • الأحمدي يكذب من يدعون أن رسول الله حارب الناس ليدخلوا في الإسلام.
  • إنما دعا النبي ص بالحكمة والموعظة الحسنة.
  • للأحمدي قدوة في رسوله الذي صبر على البأساء.

مقدمة

بنظرة خاطفةٍ سريعة للمعاناة التي يعانيها العالم كله، من أقصاه إلى أقصاه، من أغنيائه إلى فقرائه، من قادته إلى المقودين فيه، من جِنِّه إلى إنسِه، سوف نخرج بنتيجة واحدة لا لبس فيها ولا غموض، ولا شك فيها ولا مِرية، ألا وهي أن مشكلات العالم التي تؤرق نومَه، وتقض مضجعه، وتهدد أمنه، وتهدم بنيانه، مرجعها إلى محورين اثنين:
1 ـ الإرهاب واضطهاد الأقليات مما يهدد الأمن الداخلي، والقلاقل التي تؤججها نصوصٌ دينية تم التعامل معها خطأ.
2 ـ انعدام السلام الخارجي بين الدول بعضها والبعض بسبب مطامع بعض الشعوب في مقدَّرات شعوب أخرى

المحور الأول

1 ـ الإرهاب واضطهاد الأقليات مما يهدد الأمن الداخليّ، والقلاقل التي تؤججها نصوصٌ دينية تم التعامل معها خطأً
الحق أن الدعوة الإسلامية الأحمدية، انطلاقاً من دعوة دين الإسلام الحقيقيّ، الذي جاء به محمد رسول الله ، وخادمه المسيح الموعود ، هي التي تضمن تحقيق الأسباب الجوهرية التي من شأنها أن تزيل كل العوائق أمام السلم الاجتماعي، والعمل المشترك بين الأفراد داخل الكيان المجتمعيّ الواحد، وكذلك على نطاق الدول بعضها وبعض، من أجل تحقيق الهدف الأسمى للإنسانية، التي خلق الله هذا العالم كله من أجله، وهو أن يصير الناس بعضهم لبعضٍ خَدماً، وأن يكون كل منهم للآخر ربّاً، يربيه وينميه ويعمل على الأخذ بيده، لينتقل من الحال الأدنى إلى المراتب العليا، وأن يكون به رحماناً يرحمه، ولو لم يكن له به سابق معرفة، وليس له عليه سابق فضل، ثم يكون به رحيماً، فلا يمنع يده أن تمتد إليه بالمعونة، ما دام يُحرز تقدماً ملموساً في خدمة الإنسانية والمبادئ السامية، وما دام يزرع الحَبَّ والناس يأكلون، ويملأ القِربَ والناس يشربون، ولا يسألهم جزاءً ولا شكوراً، وأن يكون رَادِعًا للظالمين، وناشري الفساد وسيئي الطبع الظالمين، ذوي الأرض القاحلة والنفوس الماحلة، التي لم ينفع معها وعظ ولا إرشاد، ولا أمرٌ ولا نهي، ولا تهديد ولا وعيد، فأنبتت أرضُهم كل شوك، وخلت من أي ثمرة نافعة.
كذلك لا يأنف أن تمتد يده بالمعروف لصاحب المعروف، بحيث يضرب له مثلاً في حسن الجزاء، لم يرَ له مثيلاً في حياته، فيكون فأساً للإفناء، وأنفاساً للإحياء.

الأحمدى يكذّب من يدَّعون أن رسول الله محمداً حارب الناس ليدخلوا في الإسلام، أو أنه أعمل فيهم السيف تقتيلاً من أجل أن يعترفوا به نبيا رسولا، من أجل ذلك لا يتبع منهج المكفرين المجرمين، وإنما يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، ويجادل بكتاب الله وسنة رسول كما أوصى رب العالمين.

أرسل الله مسيحه الموعود مواسيا للبشرية

إن المقاصد الرئيسية من الخلق قد شرحها المسيح الموعود في كتاباته، وسماها الله تعالى في لفظ واحد (ليعبدونِ)، وجمعتها سورة الفاتحة التي أفاض فيها شرحا ربانيا باهرا، في كتابه إعجاز المسيح، وكرامات الصادقين، والبراهين الأحمدية، ليعرف الذي يستفتح في قراءة القرآن الكريم أن هذه المقاصد هي الهدف الأسمى لهذا الكتاب، وهي مفاتيح فهمه كله، وبدون فهم الفاتحة لن يُفتح لك أي بابٍ من أبواب القرآن الكريم، ودون أن تكون معك تلك المفاتيح التي في (الفاتحة)، فسوف تظل خارج أسوار القرآن تطوف حوله ولا تدخله، تشتاق رحيقه ولا تشمه، تشتهي طعمَه ولا تتذوقه، تأتيك أخبار عن حُوره وقاصرات طرفه وأبكاره، ولا تُمسك بذيل ثوبٍ، ولا تُدفئك أنفاسٌ، ولا تصير يوماً عريساً يُزف إلى عروسه ويكون له منها أبناءٌ وذرية.
جاء المسيح الموعود ليضع بين أيدينا كنزاً هو أثمن الكنوز وأغلاها، وأرفعها قدراً وأعلاها، وأبعدها منالاً وأسماها، جاء ليملأ جيوبنا بكنز الفاتحة، جاء ليشفي نفوسنا بإكسير الفاتحة، جاء ليغذي أرواحنا بثمرات الفاتحة، جاء ليجبر كسرنا بجبائر الفاتحة، جاء ليداوي مرضانا بعقار الفاتحة، جاء ليحيي موتانا بدعاء الفاتحة، جاء شفاءً لما في الصدور بسِر الفاتحة، التي كشفه الله عليه ولم يكن لأحدٍ قبله من العالمين بعد محمد وعلى آله أجمعين.
وقد استوعب أنقياءُ الناس وأصفياؤهم ذلك الكنزَ وقدَّروه، وسارعوا إلى المسيح الموعود وبايعوه، وحملوا لواءهم وسعوا إلى كل صوب وجهة مجاهدين لينشروه، وتحملوا كل أذىً وذلةٍ في سبيل ذلك وثابروا وصبروا، وراحوا يدعون الناس إلى السلم والحلم والحكمة والموعظة، ونبذ الظلم والضَّيم، وإفشاء السلام والدعوة إلى دين الإسلام، الذي يكون المرء فيه لا يملك قياد جوارحه، إنما قيادها في يد الله العزيز الكريم، فيسيِّرها حيث يشاء ، ويوجهها تلقاء ما يريد.

ملامح الدعوة الأحمدية

يدعو الأحمديّ إلي المحبة، وشعاره الحب للجميع ولا كراهية لأحد، ولا ضرر ولا ضرار، يرفض العنف وإن ندُر، ويدعو إلى التسامح ولو عزَّ إليه السبيل، وانقطعت دونه الأسباب، تكمن فيه عقيدة أن الله جميل، ودينَه جميل، وأنبياءه نماذج الجمال وآياتُه، وتعاليمَه شذية عطرة تجذب إليها النحل الذي يمتص رحيقها، فيُخرجه من أفواهه شهداً وشفاءً.

الأحمديّ له قدوة في رسوله الذى صبر على البأساء حتى شكر على النعماء، وفي مسيحه الذى ما حمل سيفاً، وما كوَّن جيشاً، وما سفك دماً، إنما يأتيه النصر بالدعاء وتحريز عباد الله إلى الطُّور.

ليس الإسلام بالإكراه، فلا يُكرَه المرءُ إلا على كل ما استُقبِح وليس في الله وكتبه ورسله إلا ما يُشتهَى، فلن تجد مسلماً أحمدياً يُكره الناس على قبول دينه أو معتقده أو أفكاره، لأنه يعلم قيمتها جيداً، ولديه يقينٌ أن من كان كالنحلة يُخرج عسلاً، لابد أن يقدِّر قيمة كل زهرة فواحةٍ ذات رحيق وشذا الأحمديّ يحب الناس جميعاً حتى أعداءه، لا يبغضهم، ولا يرجو فناءهم، إنما يدعو لهم بالنجاة رغم أنهم يدعون عليه بالهلاك.

موقف الأحمدية من الإرهاب

الأحمديّ لا يُرهب أحداً، لأنه موقنٌ أن ما معه من بضاعة سوف يتكأكأ عليها الناس، عندما تسنح الفرصة لأعينهم أن ترى، ولآذانهم أن تسمع، ولأنوفهم أن تشم، هو غير متعجل قطف الثمار، إنما هو مشغول ببذر البذور وغرس الغراس، وموقن بزمان سوف يأتي، وسيأكل من عمل يده من كانوا يلعنونه، ويدعونه مُصلحاً بعدما كانوا يظنونه من أفسد المفسدين
الأحمديّ يَكره الإرهاب ويمقته، ويأنف من الإجبار ولا يقربه، ويظنه نجساً، ذلك لأن مثلَه محمدٌ رسولُ الله، الذي لو كان فظاً غليظ القلب لانفض الناس من حوله، والذي قضى حياته ينهى عن ترويع الآمنين، وقض مضاجع المسالمين، وحرق زرع الزارعين، وإتلاف غرس الغارسين، بل كان مواسياً بحق لكل مخلوق من المخلوقين، وأوصى بعدم قتال غير المقاتل وإكرام المرأة والشيخ والطفل، لأنهم ليسوا من المحاربين المعتدين. الأحمديّ يكذّب من يدَّعون أن رسول الله محمداً حارب الناس ليدخلوا في الإسلام، أو أنه أعمل فيهم السيف تقتيلاً من أجل أن يعترفوا به نبيا رسولا، من أجل ذلك لا يتبع منهج المكفرين المجرمين، وإنما يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، ويجادل بكتاب الله وسنة رسول كما أوصى رب العالمين.
الأحمديّ يعلم جيداً أنه: من يعملْ مثقال ذرة خيراً يره مهما كان دينه، ولو كان ملحداً، ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره ولو كان مسلماً، فيمتنع عن كل شر، ويُسارع نحو كل خير، ويشكر الناس على صنائع المعروف لأنه موقن أنه من لم يشكر الناس لم يشكر الله، وهذه هي حلقة الوصل المفقودة لأنها من شأنها أن تربط برباط من نور بين أهل الأرض بعضهم وبعض، وبين رافع السماوات ومثبت الأرضين.

فيا أيتها البلدان الحالمة بالأمن والأمان، والسكينة والاطمئنان، نفِّضوا عن دساتيركم قوانين التمييز والعنصرية، والتفريق بين مواطنيكم ورعاياكم، واسمحوا لكل صاحب عقيدة أن يجهر بعقيدته….. ويعبد الإله الذى يريد، ودَعُوا كلَّ ذى بضاعة يعرض بضاعته، وكلَّ ذى متجرٍ يفتح متجره، وكلٌّ يقدم للطالبين ما يشاء، فإن هذه خير وسيلة لسمُوّ السامي، وتهاوى المتهاوي، ورفْع الرفيع، ووضْع الوضيع…..

الأحمديّ والحُكام

الأحمديّ يطيع وليَّ الأمر مهما كان دينه وتوجهه وانتماؤه، ولو كان عبداً حبشياً رأسه كذبيبة، فأقوال رسوله محمد عنده أوامر يشرف بتنفيذها، وليست مجرد أقوال تُزيَّن بها الجدران، ولا شعاراتٍ تُلهِب حماس الجماهير، وتوجههم حيث أرادوا لهم أن يتوجهوا.
الأحمديّ له قدوة في رسوله الذي صبر على البأساء حتى شكر على النعماء، وفي مسيحه الذي ما حمل سيفاً، وما كوَّن جيشاً، وما سفك دماً، إنما يأتيه النصر بالدعاء وتحريز عباد الله إلى الطُّور.

الأحمدية تدَعُ ما لقيصر لقيصر، وما لله لله

الأحمديُّ ليس ثورياً، ولا يشجع الثورات ولو كان من أظلم المظلومين، وأبخس المبخوسين، وأكثر الناس مظلوميةً واضطهاداً على أرض رب العالمين، لأنه يدرك جيدا أن الثورات ليست عقيدة إسلامية، ولم يجْنِ العالم من ثمراتها إلا الحنظل والزقوم، ولأنه على يقين كامل أن الله وحده هو الذي يؤتي الملك وينزعه، ولا ينازعه في تلك الصفات أحد من المخلوقين، ولأنه موقن أن الله قيوم السماوات والأرض ما زال، وأنه هو المدبر وحده ما زال، وانه يمسك السماوات والأرض أن تزولا ما زال، وأن بيده وحده ملكوت كل شيء ما زال، وإليه وحده يتوجهون، ومنه وحده يطلبون، وإلى سواه لا يرجعون.
الأحمديّ على يقينٍ راسخ من فرضية طاعة وليّ الأمر، وأن طاعته من طاعة الله وطاعة رسوله، ولو كان في تلك الطاعة إجحافٌ في حقه وعقيدته وحرياته، فهو يبلغ من التوكل على الله واليقين فيه أقصى الدرجات والمقامات، فتراه راضيا إذا سخط الناس، صابرا إذا جزع الناس، مسالماً إذا تعادى الناس، مطيعاً إذا كان الناس كلهم عاصين.
فيا أيتها البلدان الحالمة بالأمن والأمان، والسكينة والاطمئنان، نفِّضوا عن دساتيركم قوانين التمييز والعنصرية، والتفريق بين مواطنيكم ورعاياكم، واسمحوا لكل صاحب عقيدة أن يجهر بعقيدته، ويعلن عن أفكاره، ويتبع ـ في حريةٍ ـ الشريعةَ التي يشاء، ويعبد الإله الذي يريد، ودَعُوا كلَّ ذي بضاعة يعرض بضاعته، وكلَّ ذي متجرٍ يفتح متجره، وكلٌّ يقدم للطالبين ما يشاء، فإن هذه خير وسيلة لسمُوّ السامي، وتهاوي المتهاوي، ورفْع الرفيع، ووضْع الوضيع، هي الوسيلة المثلى لحياة ما يستحق الحياة، وهلاك وفناء وانعدام ما لا يستحق إلا الهلاك والفناء والعدم، فإن التجارب الحياتية قد أثبتت على وجه اليقين أن حَجْر الناس وإجبارهم على خطاب دينيٍّ واحد، ولغة دعوةٍ واحدة، ورأي مفسرٍ واحد، وفِقه فقيهٍ واحد، لم يجلب على الأمة إلا الانغلاق والرجعية والسطحية والتهافت والاضطرابات والقلاقل والتخلف والهمجية.
وسوف نتبع بقية التفصيل في العدد القادم بعون الله نصير الذين هم به وحده ينتصرون، وبلحاف أهل السماء هم يلتحفون، لنبين كيف بيَّن الله لمسيحه الموعود آياته، وفهمه غاياته، ليكون بين الناس حكما فيما هم فيه يختلفون والحمد لله رب العالمين.