حياة طاهرة: الإمام المهدي والمسيح الموعود عليه السلام

حياة طاهرة: الإمام المهدي والمسيح الموعود عليه السلام

الحاج عطاء الله كليم

ولد في قرية قاديان من إقليم البنجاب بالهند يوم الجمعة 13 فبراير 1835م، مع أخت توأم ماتت بعد أيام. وقد تنبأ الشيخ محيي الدين بن عربي بأن المسيح يولد توأمًا. وبحسب التاريخ الكتابي يكون سيدنا أحمد قد ولد في أواخر الألف السادس من مولد آدم عليه السلام. حدث وهو طفل أن سأل طفلة تلعب معه في مثل سنه؛ وقد خطب إليها فيما بعد؛ أن تدعو له كي يوهب فضل الصلاة. وكان هذا الشغف بفضل الصلاة من طفل نشأ في بيت متفرغ لأمور الدنيا دليلاً على أنه يملك قلبًا طاهرًا من نوع عجيب، وأنه مقدر له إحداث تغيير عظيم في الدنيا.

لم تكن هناك مدرسة ولا كلية ولا معهد تعليمي في تلك الأيام، وكانت المعارف عمومًا بسيطة. ولكن أسرته كانت أسرة شريفة، فعهد أبوه لثلاثة معلمين على مراحل ليعلموه، فحفظ القرآن، وقليلاً من كتب الفارسية الأولية، وفصولاً من قواعد اللغة العربية، وشيئًا من المنطق. وهذا كان الأسلوب المتبع في ذلك الوقت. ولما كان أبوه طبيبا حاذقا.. علّم ابنه أساسيات الطب. وكان سيدنا أحمد يمضي معظم وقته في المسجد، يتلو القرآن جيئة وذهابًا.. بما يدل على طاقة لا تهدأ.

كان أبوه متلهفًا على تعليمه إدارة أملاكه واستعادة ما ضاع من أمجاد الأسرة الدنيوية. ولكن سيدنا أحمد لم يكن يميل إلى ذلك، بل كان حنينه في اتجاه آخر معاكس. كان يريد أن يكون الأغنى في الروح لا في المادة؛ الأعظم في الشرف الحقيقي لا في المنزلة الدنيوية؛ الأتقى لا الأذكى؛ الأصدق والأكثر استقامة وأمانة لا الأقوى وصاحب النفوذ. وارتأى أن عليه طاعة والده، فعمل على غير رغبة منه زمنًا في الإجراءات القضائية الخاصة بالقضايا التي أقامها أبوه في المحاكم للمطالبة بأملاك الأسرة. وطاعة لأبيه أيضًا عمل بعض الوقت في الزراعة. ولم يجد قلبه السعادة في ذلك أبدًا. أراد له أبوه أن يعمل سيدنا أحمد وهو في شرخ شبابه في وظيفة حكومية، وكانت هناك فرصة طيبة لذلك. وأرسل الوالد صديقًا من السيخ ليحدث ابنه عن هذه الفرصة السانحة، ولكن سيدنا أحمد أجاب بدون تردد: أشكر لوالدي اهتمامه لصالحي، ولكن أرجو أن تبلغه ألا يشغل باله بأمر وظيفتي، لأني وجدت الوظيفة التي أحبها. وعاد الرجل متحيرًا لأنه لم يعرف هذه الوظيفة، ولكن الوالد فهم الرسالة، وقال: حسنًا، ما دام غلام أحمد قد قبل الوظيفة فلا بأس.. لأن الله لن يضيعه. فإله الإسلام صديق مخلص، يقدر من يخلص له ويخدمه.

وفي عام 1868 تأهل محمد حسين البتالوي ليكون مولويا. وكان من جماعة أهل الحديث، ولم تكن آراؤه تعجب أهل بلده “بتالا”. فجاء رجل إلى سيدنا أحمد وطلب منه مناظرة البتالوي في آرائه. ذهب سيدنا أحمد إلى بتالا ودخل المسجد حيث كان مولوي محمد حسين. وقبل المناظرة تكلم المولوي كلامًا لم يجد فيه سيدنا أحمد وجهًا للاعتراض، فأعلن حضرته أنه ليس في كلام المولوي ما يفند. غضبت الجماعة المعارضة وأحست بالحرج. ولكن حب سيدنا أحمد للحق والأمانة جعله لا يهتم بما يراه الأصحاب أو الخصوم. كان ينظر إلى الأمور كما هي عليه.. وليس بمنظار معتم من التقدير الجزافي.

تعرض حضرته للإهانات والتحقير، فتحملها بالبشر الذي لا يطيقه أي مناظر آخر. الناس عادة يسعون وراء التصفيق والهتاف، ولكن الرجل ذا المعدن الأصيل يجد الشجاعة لقول كلمة الحق.. حتى ولو لم تكن مستساغة عند الجمهور. وقد أضافت قوة أخلاقه في مثل هذه الظروف ثقلاً كبيرًا في ميزانه. وفي تلك الليلة أوحى الله إليه أنه راض عن فعله هذا، وقال له: سوف أباركك حتى تتبارك الملوك بثيابك.

وفي عام 1877 وقعت حادثة أخرى تؤكد نفس هذا المسار الأمين. كتب حضرته مقالاً ضد جماعة أرياسماج.. يؤكد فيه سمو تعاليم الإسلام على كافة الأديان. وأرسل المخطوط في لفافة مفتوحة إلى وكيل الطباعة في “أمرتسار”.. وكان هذا مسموحًا به (حسب المادة 12 من قانون البريد رقم 14 لسنة 1866). ولكنه وضع مع اللفافة رسالة إلى مدير المطبعة داخل ظرف.. وهذا مخالف لتعاليم البريد؛ وعقوبة ذلك وقتئذ (طبقًا لمنشور حكومة الهند رقم 422 في 7/12/77 مادة 43) هو غرامة 500 روبية أو السجن ستة أشهر. وكان صاحب المطبعة -روليا رام وكيل- نصرانيًّا متعصبًا، فوجدها فرصة سانحة للإيقاع بسيدنا أحمد، وأبلغ السلطات فورًا بالأمر. واستدعي حضرته أمام محكمة جورداسبور، ونصحه المحامي أن يخرج من هذه الورطة بمجرد الإنكار.. ولكنه رفض تمامًا أن يقول شيئًا مخالفًا للحقيقة. ولم يجد في تقديره ما يستحق التضحية بالحق الذي له الأولوية في علاقات الحياة كلها. وعندئذ رفض محاميه الشيخ علي أحمد الاستمرار في الدفاع عنه.

وما كان سيدنا أحمد تنقصه الشجاعة، فدخل على القاضي الإنجليزي؛ وسلاحه فكره الشريف، ومهارته قول الحق ببساطة. فصرح بالحقيقة، وذكر أن الرسالة ليست ذات صفة شخصية، ولكنها تتعلق بالمقال، وأنه لم يقصد الخداع أو اختلاس شيء من مال البريد. لم تكن حجج المحامين وبلاغتهم ذات نفع، ولكن برّأت ساحة سيدنا أحمد لشجاعته في الصدق ومعرفة الواجب والتصرف برجولة.

وكان سيدنا أحمد في البداية مكتفيًا بكتابة المقالات في الصحف. ولكن عندما وجد أعداء الإسلام يزدادون جرأة في صولتهم، وأن المسلمين غير قادرين على التصدي لهم.. اشتعلت فيه نار الحماس للإسلام، وقرر -بتوجيه إلهي- أن يصنف كتابًا يتضمن من الدلائل على صدق الإسلام وكماله ما يجرد أعداءه من أي سلاح، ويصدهم عن المغامرة في هذا السبيل. وإذا ما تجاسروا جابهتهم الأدلة التي تفحمهم وتخرسهم تمامًا. فشرع يصنف كتاب “البراهين الأحمدية” وبه تحقق الإلهام الذي رآه عام 1864.. حيث رأى في الكشف أنه التقى بالنبي ، وكان معه كتاب من عمله، وما أن تناوله النبي حتى تحول إلى فاكهة جميلة. وعندما شرع النبي في توزيعها سال منها العسل بوفرة. كما شاهد النبي يحيي رجلاً من الأموات.

وقد كتب المولوي محمد حسين البتالوي -الذي صار فيما بعد أشد معارضيه- تقريظًا يعتبر الأشمل والأنسب لهذا العمل.. نشره في مجلة “إشاعة السنة” (ج 6 عدد 6-11) وردت فيه هذه العبارات التي تبين تقديره الصحيح لقيمة هذا العمل.

“في تقديرنا أن هذا الكتاب يقف في زمننا الحديث فريدًا في تاريخ الإسلام. لم ينشر كتاب نظيره قط في الماضي.. ولا نعرف شيئًا عن المستقبل الذي يعلمه الله وحده. إن مثابرة هذا المصنف في خدمة الإسلام، بحياته، وجهده، وقلمه، ولسانه، وبكل أنواع النشاط لم يسبق له مثيل بين المسلمين. ولا يظُنّن أحد أن هذا القول مبالغة آسيوية؛ فإننا نتحدى أن يرينا أحد مثل هذا الكتاب.

كان سيدنا أحمد تواقًا ليجذب أنظار العالم إلى كمالات الإسلام، حتى أنه كان مستعدًا للتضحية بكل ما يملك لتحقيق ذلك. وكانت النتيجة أنه في مدى سنوات معدودات تولدت صحوة في عقول الناس في طول البلاد وعرضها. بدأ كل إنسان يفكر. وأسرع الصالحون إلى سيدنا أحمد من كل أنحاء البلاد، وعرفوه مخلِّصًا لهم. وجاءه الزوار والاستفسارات كل يوم. لقد أدهشهم إخلاصه والتزامه وعزيمته. ويبدو أن أعداء الإسلام قد أخذتهم المفاجأة. لما فرغ صبرهم شرعوا يتباهون على صفحات جرائدهم أنهم سيردون ردودًا ساحقة على كتابه مع أنه لم يكن قد نشر بعد. ولكن عندما صدر هذا الكتاب الخالد أخرس الخصوم بدفاعه القوي المنيع عن الإسلام.

ولا يحسبن أحد أن جهود سيدنا أحمد اقتصرت على كتابة الكتب، وإصدار النشرات، وإلقاء الخطب. نعم، كان في كل هذا ما يكفي لشغل وقته، ولكنه كان بالإضافة إلى ذلك يشترك في أمور أخرى لا تقل أهمية عنها. في خلال السنوات السبع السابقة كان سيدنا أحمد قد تلقى ما يبلغ 90000 رسالة تقتضي أن يرد عليها بنفسه. وكتابة ما لا يقل عن 35 رسالة يوميًّا ليس سهلاً على رجل يحمل كل هذه المسؤوليات من خطب ومناظرات وتصنيف كتب، ولم يكن له مساعدين ولا سكرتيرات، ولا كتبة ولا طابعين على الآلات. وقابل ما ينيِّف على 60000 شخص ليشرح لهم تعاليم الإسلام.

وكان يقوم بضيافة كل من زاره، لأن الإسلام يوصي بإكرام الضيف أيًّا من كان، ولم يكن في قاديان فنادق لاستقبال الضيوف والزوار، أو دكاكين كبيرة ومخازن للمؤن. ولذلك كان على سيدنا أحمد أن يتخذ كل التدابير لرعاية ضيوفه بنفسه حتى أدق التفصيلات. وكان يشارك بدور فعال فيما يتعلق براحة وسعادة أصحابه. وكان يؤمن تمامًا بقول المصطفى أن خير الناس أنفعهم للناس. لقد خلق روحًا أصيلة للصحبة والأخوة بين أصدقائه ومعارفه.. حتى تحولت في حالات كثيرة إلى علاقة وثيقة. كان يخالف ما ألفه لإسعاد الناس، وفي هذا لم يكن يفرق بين كبير وصغير، ولم يتردد قط في قول كلمة طيبة لمساعدة أحد. وأوصى أصحابه بمساعدة من يحتاجون عملاً. ولقد عرف أعداؤه الألداء أنه لا يخذلهم في هذا الصدد.

نعلم أن كل الأديان تتضمن نبوءات تتعلق بمجيء نبي في هذا العصر. فالهندوس ينتظرون “نهاكالانك أفاتار” الذي أنبأت به كتبهم. والنصارى ينتظرون عودة المسيح، والمسلمون يتطلعون إلى ظهور المهدي والمسيح الموعود، والزردشتيون يؤمنون بمجيء “مسيوداربهمي”.. وغيرهم. وهناك سمة مشتركة في هذه النبوءات وشبه كبير بين العلامات المتعددة الواردة في مختلف الديانات التي تتحدث عن النبي الموعود. وتشير كل هذه النبوءات إلى أن وقت الموعود يحين عندما تنتشر الشرور، وتتفشى الأمراض، وتكثر النيازك، وخسوف الشمس والقمر، ووقوع الحروب وما إلى ذلك. ثم تقول النبوءات أن الموعود سوف ينشر الحق في الدنيا، وأن الدين الحق سوف يغلب كل الأديان بصورة لم يسبق لها مثيل.

فتحقق العلامات الواردة في هذه النبوءات دليل على أنها ليست باطلة من ناحية. ومن ناحية أخرى فإن المهمة الموكولة إلى هؤلاء الموعودين تجعل من المستحيل أن يقوم كل واحد منهم، في نفس الوقت، بتحقيق غلبة دينه على سائر الأديان. والاستنتاج الذي لا مناص عنه هو أن هذه النبوءات تشير إلى موعود واحد سوف يجمع بقوته الروحانية أهل كل هذه الأديان؛ ويهدي أمم الأرض إلى الطريق القويم. وأيضًا تدل هذه النبوءات على أن الموعود شخصيته واحدة إلا أنه يتميز بمميزات خاصة تجعله مقبولاً لدى كل الأمم على أنه موعودها المنتظر.

وعقيدتنا أن هذه النبوءات جميعها قد تحققت في شخص مؤسس الحركة الأحمدية الكريم، سيدنا مرزا غلام أحمد القادياني . لقد أقامه الله تعالى مصلحًا لهذا العصر، وأوحى إليه: “فيك تحققت نبوءات الأنبياء السابقين. إنك في حلل جميع الأنبياء. الحمد لله الذي جعلك المسيح بن مريم. لا يسأل عما فعل وهم يسألون عن انصياعهم لأمره. أنت الشيخ المسيح الذي لا يضاع وقته. ليس حسنًا للمرء أن يعارض النبي الذي يشبه أنبياء البراهما. أنت كرشنا المبارك راعي البقر، ويتغنى بذكرك في الجيتا”.

وامتثالاً لأمر الله .. أعلن سيدنا أحمد أنه المسيح للمسيحيين، والمهدي للمسلمين، وكرشنا للهندوس، ومسيو داربهمي للزردشتيين.. وباختصار: هو النبي الموعود لكل أمة، وأنه مبعوث ليجمع كلمة بني الإنسان تحت راية دين واحد. ولكنه فارسي الأصل فهو الموعود للمجوس (الزردشتيين)؛ ولكونه هندي المولد فهو موعود الهندوس؛ ولكونه مسلم العقيدة فهو الموعود للمسلمين؛ ولأنه جاء بروح وقوة المسيح للعلاج وإصلاح الشرور الاجتماعية المتفشية في بلاد النصارى حتى ناء تحتها كاهلهم، ولأنه مولود في ظل حكومة نصرانية، ولدفاعه عن شرف عيسى ضد هجمات وجهت إليه منذ مئات السنين.. فاستحق أن يعرف بالموعود للنصارى أيضًا.

وقال حضرته يذكر بعثه: إن المهمة التي أناطها الله بي هي أن أزيل العقبات التي وضعت بين الإنسان وخالقه؛ وأن أجدد في قلوب الناس الحب والإخلاص لله تعالى؛ وأن أجلي الحقيقة؛ وأضع نهاية للحروب الدينية والخصام، وأرسي بذلك قواعد السلام الدائم؛ وأعرّف بني الإنسان الحقائق الروحانية التي نسوها؛ وأن أبين للدنيا الحياة الروحانية الحقة التي حلت محلها الرغبات المادية؛ وأن تتجلى في حياتي القوى الربانية الموهوبة للإنسان، والتي لا تتجلى إلا عن طريق الدعاء والتقى. وفوق كل ذلك أرسخ وحدانية  الله تعالى المشرقة النقية، الخالية من كافة الأفكار الشركية بعد أن اختفت تمامًا من قلوب الناس (محاضرة على الإسلام).

ثم يقول إن واجبه أولاً: أن أكشف صدق الإسلام لجميع الأمم؛ وثانيًا: أن أقدم لهم تعاليم الإسلام الخالصة المملوءة بالحق والروحانية، الخالية من التفاسير الباطلة والبدع الغريبة؛ وثالثًا: أن أهب نور الإيمان لمن هم شغوفون بطلبه من مختلف الأمم (من كتاب الأحمدية أو الإسلام الحقيقي).

في المقتبسات السابقة يصرح الإمام المهدي أن من أهداف بعثته أن يكشف للناس في نفسه وحياته القوى الربانية الموهوبة للبشر، والتي تتجلى فقط بالدعاء والإخلاص. وسوف أقدم لكم أمثلة من قبولية دعائه.

كانت هناك جماعة صغيرة مخلصة في “كابورثالا” بالهند، يحبون الإمام المهدي حبًّا جمًّا. وحدث أن أراد المسلمون غير الأحمديين أن يستولوا على مسجد الجماعة ويطردوا الأحمديين منه.. ووصل الأمر للمحكمة. وكان الأخوة الأحمديون منزعجين، وسألوا الإمام المهدي كثيرًا أن يعينهم بدعائه. وتأثر حضرته من إخلاصهم وحيرتهم، فأكد لهم: لا تقلقوا، لو كنت صادقًا في دعواي فسوف تستردون المسجد. ولكن موقف القاضي كان صريح العداء، وأعلن أمام الجمهور: أنتم اخترعتم دينًا جديدًا، فعليكم أن تبنوا أيضًا مسجدًا جديدًا.. وسأحكم بذلك. ولم يثبت قراره تحريريًّا وأراد أن يكتبه في حجرة القضاة. وبينما كان متجهًا إلى حجرته أمر خادمه أن يساعده في ارتداء الحذاء. ولما هم الخادم بذلك فاجأت القاضي أزمة قلبية حادة، وهلك في لحظات. وخلفه قاض آخر، درس القضية بعناية، وتبين له أن الأحمديين أحق بالمسجد فأصدر حكمه بإعادته إلى المسلمين الأحمديين.

وهناك غلام اسمه عبد الكريم، جاء ليدرس الإسلام في قاديان من حيدر آباد جنوب الهند. كان غلامًا طيبًا لطيفا وأمه أرملة. وحدث أن عضه كلب عقور، فأرسل إلى معهد علاجي خاص في “كازولي” لإسعافه. وعاد إلى قاديان بعد أن حصل على العلاج المقرر، وبدا أنه في حالة جيدة، ولكن بعد فترة ظهرت عليه أعراض السعار (داء الكلب). فطلب سيدنا المهدي والمسيح الموعود من مدرس عبد الكريم أن يكتب لطبيب المستشفى عن حالة الطالب المصاب يسأله المشورة. فجاء الرد: آسف. لا يمكن عمل شيء بعد ظهور أعراض السعار. وعقب سيدنا المهدي على ذلك بقوله: لا علاج له عندهم ولكن الله عنده العلاج. وأخذ يدعو له، ويلح في الدعاء وطلب الشفاعة حتى استجاب الله لدعواته وتم الشفاء، وعاش الغلام إلى سن الشيخوخة.

وكتب مرزا بشير أحمد: أذكر مثالاً فذًّا لقبول دعاء سيدنا المسيح الموعود .. رواه لي صديق أحمدي هو “منشي محمد بتواري” مسؤول الإيرادات. قال محدثًا عن نفسه: كنت جاهلاً غير مبال بأمور الدين. كنت أشرب الخمر وأقبل الرشوة.. إلى أن دعاني بعض الأصدقاء الأحمديين إلى عقيدتهم. فكنت أسخر منهم. وذات يوم ألح علي أحدهم في الدعوة فقلت له: سأكتب للمرزا صاحب (أي للإمام المهدي) ليدعو لي كي تتحقق رغبة قوية لي.

فكتبت له ما يلي: تدعي أنك المسيح الموعود وولي لله تعالى، ودعوات أولياء الله مقبولة. لي ثلاث زوجات، مضى على زواجي من الأخيرة إثنا عشر سنة، ولم أرزق بذرية من أي واحدة منهن، وإني أتشوق لغلام وسيم واعد مناسب. أرجو أن تدعو لتحقيق رغبتي هذه.

وردًا على رسالتي كتب لي سيدنا مولوي عبد الكريم صاحب يقول: يخبرك الحضور (أي الإمام المهدي) أنه دعا لك، وأن الله تعالى سيباركك بغلام مليح واعد من زوجتك الأولى كما وصفته.. ولكن بشرط واحد: أن تتوب إلى الله مثل زكريا.

يقول منشى عطا محمد: فتبت إلى الله مخلصًا ورجعت إليه صادقًا.. ولما لاحظ الناس هذا التبدل في أحوالي أخذوا يقولون: يا له من سحر أثر على هذا الشيطان! لقد أقلع عن شروره كلها. وبعد أربعة أو خمسة شهور حملت زوجتي الأولى، فقلت للناس: قريبًا ترون لي غلاما مليحا طيبا. وأخيرا وضعت زوجتي الطفل الموعود. فذهبت إلى قاديان، وصحبني كثير من الناس، وهناك بايعنا على يد الإمام المهدي .

هناك كثير من الحالات التي تحقق فيها شفاء إعجازي بفضل دعوات المسيح الموعود.. ورد ذكر بعضها في كتابه (حقيقة الوحي). وهناك آية عظيمة على صدق الإمام المهدي أظهرها الله في أمريكا. أعلن جون ألكسندر دوئي الأمريكي أنه “إليشع” أو البشير بعودة المسيح عيسى. وسرعان ما اجتمع حوله أناس كثير. وأنشأ مدينة قريبا من شيكاغو سماها “مدينة صهيون”. وادعى أن حركته سوف تنتشر في العالم، وزعم أنه يشفي الناس بدعائه، بل وبلمساته.. وطلب منهم ألا يقربوا الدواء. ولما اتسعت دعوته أعلن أنه مرسل من عند الله للقضاء على الإسلام وأتباع الإسلام قبل مجيء المسيح عيسى.

فلما بلغ خبره سيدنا المسيح الموعود كتب إليه يخبره أن الله تعالى قد أقامني للدفاع عن الإسلام ونشره، بينما تدعي أنت (أي دوئي) أنك جئت لهدم الإسلام. ومن اليسير إظهار الحقيقة وبيان صدق الصادق منا عن طريق الدعاء. واقترح عليه أن يدعو كل منهما أن يعاقب الله المدعي الكاذب منهما ويقضي عليه في حياة الآخر. ومع إرسال هذا التحدي إلى دوئي تم نشره في الصحف الأمريكية والإنجليزية. وفي تحديه، أخبر المسيح الموعود أنه قارب السبعين من عمره، في حين أن دوئي لم يزل في الخمسين، أي أصغر سنًّا، ولكن هذا الأمر لا يتقرر بالسن، فلا أهتم بفارق العمر، لأن الأمر كله في يد رب السماء والأرض، والحاكم فوق كل الحكام، ولسوف يحكم لصالح المدعي الصادق. وأنه مهما حاول دوئي ليفلت من الموت، وأن الكارثة سوف تحل حتمًا بمدينته صهيون، وأنه لا محالة سوف يتحمل العواقب.. سواء قبل التحدي أو رفضه (عن نيو كمرشيال أدفرتيزر – نيويورك).

وقد أذيع التحدي في 32 من الصحف الأمريكية وعلقت جريدة (أرجونوت سان فرنسيسكو) أن الأسلوب المقترح لتقرير الحقيقة عادل ومعقول. وقد نشر التحدي عام 1902 وتكرر عام 1903، ولكن دوئي لم يبال بشيء حتى أخذت بعض الصحف الأمريكية تتساءل عن سبب صمته. فقال في جريدته الخاصة عدد ديسمبر 1903:

هناك مسيح محمدي في الهند.. كتب لي مرارًا أن يسوع المسيح مدفون في كشمير؛ ويسألني الناس لماذا لا أرد عليه. فهل تتخيلون أني أرد على هذا البعوض والذباب؟ لو وضعت قدمي عليهم لسحقتهم. إني أمنحهم فرصة للفرار والنجاة بحياتهم.

ولكنه قدر مكتوب.. وهكذا تحقق: فلو قبل التحدي لهلك في حياة سيدنا المهدي، ولو تجنبه ما نجا من الكارثة، ولا بد أن تحيق بصهيون الكارثة. لقد وضع الله يده على دوئي. فتمرد الناس عليه في صهيون، وانقلب عليه كل من زوجه وابنه.. وفضحاه وقالا أنه في العلن يحرم شرب الخمر ولكنه يدمنها في الخفاء. ووجهت إليه تهم أخرى، وفي النهاية طردوه من صهيون شر طردة، وقرروا له نفقة هزيلة يتعيش منها. وهكذا أمسى الرجل الذي عاش حياة الرغد والسعة كالأمراء.. مدحورا في حياة الفقر والتسول، لا يكاد يجد الضروريات. ثم افترسه الشلل، وصارت القدم التي زعم أن يسحق بها المسيح الموعود كالدودة.. صارت شلاء عاجزة بلا حراك. ثم اختل عقله تحت وطأة المتاعب إلى أن مات بعد فترة قصيرة في تعاسة وألم.

وقد علقت الصحف الأمريكية على موته وأشار بعضهم إلى نبوءة المسيح الموعود التي نشرها عنه. قالت صحيفة (دنفيل غازيت) في عدد يوم 7/6/1907:

يلتمس العذر لأحمد وأنصاره لو افتخروا.. نتيجة للدقة التي تحققت بها نبوءته منذ شهور قليلة مضت. وقالت جريدة (تروث سيكر نيويورك) في عدد يوم 15/6/1907 مشيرة إلى تحقق النبوءة:

لقد تنبأ رجل قاديان أن دوئي لو قبل تحديه فسوف يترك الدنيا أمام عيني وهو في أسف شديد وعذاب. وقال المرزا: ولو تراجع دوئي فسوف تتأجل نهايته فحسب، ولكن الهلاك ينتظره، والكارثة سوف تحل سريعا بصهيون. هذه كانت النبوءة الكبرى: (تسقط صهيون ويهلك دوئي أمام أحمد). كانت خطوة فيها مغامرة جريئة فيما يبدو من جانب المسيح الموعود ليتحدى “إليشع العائد” في اختبار الصمود والبقاء.. لأن المتحدي أكبر بخمسة عشر عاما من غريمه. كما أن احتمالات الحياة في أرض الطاعون، والمتعصبين يترصدونه.. ليست في صفه، ومع كل ذلك فإنه خرج فائزًا.

ولقد وصف سيدنا المسيح الموعود في كتابه (تحفة جولرويه، ص 90) الأفضال العشرة المميزة التي أنعمها الله عليه فقال:

  1. لقد أنعم الله علي فهم القرآن،
  2. وعلمني سبحانه لغة القرآن بطريقة عجيبة،
  3. وأيدني جل جلاله بآيات سماوية،
  4. ويتقبل الله دعائي أكثر من أي إنسان آخر،
  5. ووهبني من آياته في الأرض،
  6. ووعدني بالفوز على كل من يتصدى لمعارضتي،
  7. وبشرني بأن أتباعي دائما منتصرون لفضل منطقهم على من سواهم تأييدا للحق، وأنهم وذرياتهم مكرمون في الدنيا.. ليعلموا أن الآتي من ربه لا يلقى الخسران أبدا.
  8. وأخبرني ربي منذ عشرين سنة أن الناس سينكرونني، ولكن الله سوف يقبلني ويظهر صدقي بهجمات قوية.
  9. ووعدني ربي أنه سيظهر بركاتي إلى يوم القيامة حتى تتبارك الملوك بثيابي.
  10. ووعدني ربي أن أنوار بركاتي سوف تتكرر.. فيقيم الله شخصًا من ذريتي ينفخ الله فيه روح القدس؛ ويتميز بطهر باطني، وله علاقة وثيقة بالله. سيكون هذا تجلياً للحق العلي كأنما الله سبحانه نزل من السماء.

وفي كتابه (الأربعين – رقم 1 ص 4) كتب المسيح الموعود :

“أدعو ربي مالك السماوات  والأرض، شاهدا على أنني منه، وأنه تعالى يشهد لي بآياته. ولو استطاع أحد أن ينقض ما كان لي من الآيات السماوية لكنت زائفا. ولو استطاع أحد أن يتعادل معي في قبول دعائه لكنت زائفا. ولو استطاع أحد أن يساويني في بيان المعاني الخفية للقرآن الكريم لكنت زائفا. ولو استطاع أحد أن يجاريني في الأنباء عن الغيبيات وأسرار المستقبل التي يكشفها الله لي ما كنت من عند الله تعالى”.

لا تحتاج هذه الكلمات السلطانية إلى تعليق فهي تتحدث عن نفسها، وتثبت صدق المسيح الموعود دون أي ظل من الشك.

Share via
تابعونا على الفايس بوك