تشبث بِالمقعد، أَم بِالحق في الحياة؟!

تشبث بِالمقعد، أَم بِالحق في الحياة؟!

محمد مصطفى

كاتب
  • روزا بانكس، أيقونة من أيقونات مناهضة العنصرية.
  • موقف امرأة واحدة كان أقوى من إعلان الأمم المتحدة.

__

أولًا من ديسمبر من عام 1955، تاريخ لا يكاد يُمحى من ذاكرة العالم، حين استقلت السيدة الأمريكية ذات الأصول الإفريقية، «روزا باركس» Roza Parks، الحافلة كعادتها في طريق عودتها من العمل في الخياطة للمنزل، لتستقل المقعد الوحيد الشاغر حينها، قبل أن يصعد أحد الركاب من ذوي البشرة البيضاء، ويأمرها بترك الكرسي له، وذلك بموجب القانون الأمريكي في الخمسينيات الذي يلزم السود بالتخلي عن مقاعدهم للبيض في الأماكن العامة. وينص قانون ولاية ألاباما على أنه في حال شَغل كافة المقاعد في أية حافلة بالركاب، يتوجب على ذوي البشرة السمراء إخلاء مقاعدهم للركاب البيض.. كانت روزا، إلى جانب عملها في الخياطة ناشطة مثل زوجها تنادي بحقوق دعم الملونين (كما يُشار إليهم في أمريكا آنذاك)، لقد رأت تصرف الراكب الأبيض تصرفا عنصريا واضحا، لذا لم تستجب لنداءات الركاب وسائق الحافلة، لتدفع الثمن بإلقائها في السجن بتهمة عصيان قانون الولاية. ولم تعلم حينها أن صنيعها هذا قد فقع دُمل الظلم والتمييز العنصري المتغلل في صلب القانون الأمريكي.

يرى البعض أن موقف روزا بعصيانها بندا من القانون، وإن كان ظالما، يحط من نُبل قضيتها، قد يكون هذا الموقف صائبا، ولكن ليس إلى درجة الحط من نُبل هذه القضية الإنسانية.

وعلى إثر هذا الحادث امتنع السود عن ركوب الحافلات مدة 381 يوما حتى صدر قرار المحكمة العليا في واشنطن عام 1956م الذي حرم التمييز العنصري في الحافلات، ثم تلاه قانون الحريات المدنية عام 1964م الذي حرم التمييز على أساس العرق.

يرى البعض أن موقف روزا بعصيانها بندا من القانون، وإن كان ظالما، يحط من نُبل قضيتها، قد يكون هذا الموقف صائبا، ولكن ليس إلى درجة الحط من نُبل هذه القضية الإنسانية.

بنفس درجة الإلهام التي أحدثها موقف روزا الشجاع، الذي أصبح تاريخيا فيما بعد، جاء رد الفعل من جانب السود والبيض المناهضين للعنصرية في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث قاطع الآلاف حافلات النقل لعام كامل، واعتصم الحقوقيون جراء تلك الحادثة، وفي مقدمتهم الناشط الشهير في مجال حقوق الإنسان، «مارتن لوثر كينج». بعض من كتبوا وتحدثوا عن الحادثة يصفون ذلك الامتناع العام إضرابا، وليس من العدل دعوته كذلك، لأن امتناع المرء عن أن تطأ قدماه مكانا يُهان فيه ليس إضرابا بحال، إنما هو من قبيل الاستغناء عن المضرات.

على أية حال، يبدو أن ردود الفعل الإيجابية على حادثة روزا أجدت نفعا، فقد أفرجت السلطات مع الضغوط المحيطة، عن روزا، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل تغيرت القوانين بسبب موقفها المثالي، ففي نهاية عام 1956، أي بعد مضي عام على حادثة روزا، ألغت المحكمة الدستورية الأمريكية، مبدأ التفرقة السائد في وسائل النقل العامة.

إن مما يؤسف له أن حادث روزا كان قد وقع عام 1955، أي بعد مضي سبع سنين على الأقل من صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948، الذي تنص مادته السابعة على أن « الناس جميعًا سواءٌ أمام القانون، وهم يتساوون في حقِّ التمتُّع بحماية القانون دونما تمييز…

لم تمر السنوات التالية في سلام على روزا، حيث تعرضت لتهديدات عدة بالاغتيال، إلا أن ذلك لم يحل دون مواصلتها مسعاها النبيل في الدفاع عن حقوق الملونين، منحها جوائز تقديرية عدة في الكثير من الدول، إضافة إلى لقب «أم حركة الحقوق المدنية»، الذي اعتزت به للغاية، حتى وافتها المنية في عام 2005، عن عمر يناهز الـ 92 عاما، لتترك العالم ولو أفضل قليلا عما كان عليه، والسر يعود لرفضها التخلي عن مبادئها، مهما كانت الظروف.

إن مما يؤسف له أن حادث روزا كان قد وقع عام 1955، أي بعد مضي سبع سنين على الأقل من صدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948، والذي تنص مادته السابعة على أن « الناس جميعًا سواءٌ أمام القانون، وهم يتساوون في حقِّ التمتُّع بحماية القانون دونما تمييز، كما يتساوون في حقِّ التمتُّع بالحماية من أيِّ تمييز ينتهك هذا الإعلانَ ومن أيِّ تحريض على مثل هذا التمييز»، يعني بالضرورة أن المواطنين السود الأمريكيين ظلوا إلى وقت قريب يُنظر إليهم على أنهم ليسوا بشرا أصلا، بحيث لم يستحقوا التمتع بذلك الإعلان.

Share via
تابعونا على الفايس بوك