أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ الله مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا للهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ (49)

شرح الكلمات:
يتفيَّؤُ: تفيَّأَت الظلالُ: تقلَّبت (الأقرب).
داخرون: دخَر ودخِر: ذلَّ وصغُر، وفي القرآن: سيدخُلون جهنم داخرين أي أذلّاءَ مهانين (الأقرب).

التفسـير:
يقول الله هنا للكفار: لم لا تتدبرون في نواميس القدرة مطيعين لله وخاشعين له، لتروا كيف أن كل شيء إلى زوال، وأن كل أمة معرَّضةٌ للانحطاط. فتدالُ الدُّول، وتخرَّب المدن، وتدمَّر البلاد، ويصير الفقير ثريًّا، والثري فقيرًا. فكل ما في الدنيا يتقلص ظله آخر المطاف.. أي أن الإنسان يفقد في آخر الأمر كل ما يحققه من رقي ونفوذ ومنـزلة ورعب وسطوة وصيت. فلماذا لا تفكّرون في هذه القاعدة الكلية، متخلين عن الكبر والغطرسة، لكي تأخذوا العبرة وتقبلوا الحق.
لقد بيّنتُ هذا المعنى باعتبار قوله تعالى سجدًّا لله وهم داخرون حالاً لضمير الغائب للجمع في أولم يَروا ، بينما اعتبره البعض حالاً لـ ما الواردة في قوله ما خلَق الله من شيء (ابن كثير)؛ وبما أن الضمائر المستخدمة هنا هي للمذكر فأرى أن المعنى الذي بينته هو الأصح.
وهناك تساؤل آخر: قال الله تعالى هنا عن اليمين والشمائل ، بينما كان الأولى أن تكون الكلمتان إما بصيغة الجمع أو المفرد، أي إما أن يقول: عن اليمائن والشمائل، أو يقول: عن اليمين والشمال؟
لقد أجاب عليه البعض وقال: إن العرب إذا ذكرتْ صيغتي جمعٍ عبّرتْ عن أحدهما بلفظ الواحد، وقد اتبع القرآن هذا الأسلوب في موضع آخر أيضًا حيث قال وجعَل الظلماتِ والنورَ . وقال غيره: لقد وحّد اليمينَ لأنه أراد واحدًا من ذوات الأظلال، وجمعَ الشمائلَ لأنه أراد كلها. وقال البعض الآخر: وحَّد اليمينَ والمراد به الجمعُ (تفسير فتح البيان).

المراد من اليمين هو مكة ومن الشمال هو المدينة؛ ذلك لأن أحدًا إذا وقف بين حدود المدينتين متجهًا إلى الشرق كانت مكة على يمينه والمدينة على شماله. وقد استعملَ «اليمين» مفردًا و»الشمائل» جمعًا، ليشير إلى أن ظل أهل مكة سوف يكون قليلاً وسيتقلص وينكمش، وأما محمد الذي سوف يهاجر إلى منطقة الشمال فسوف يكون له أظلال كثيرة أي سوف يحقق النفوذ في جهات عديدة.

كما أن المفسرين قد عانوا كثيرًا في تفسير كلمتي (اليمين والشمائل)، فقالوا إن ظلال الأشياء تمتد أو تتقلص شرقًا وغربًا بحركة الشمس، وليس يمينًا وشمالاً، فكيف قال هنا: “يتفيؤ ظلالُه عن اليمين والشمائل”.
وقد حاول البعض حل هذه المعضلة بقوله: إن اليمين هنا بمعنى المشرق والشمائل بمعنى المغرب، لأننا إذا اتجهنا إلى جهة الشمال كان المشرق على يميننا والمغرب على شمالنا (المرجع السابق).
ولكني لا أرى هذا الرأي رأيًا، لأنه مخالف للمعتاد، فلتحديد الجهات يقف الناس متجهين إلى الشرق لا إلى الشمال. إنما المراد أن الله تعالى قد حذّر الكافرين مِن قبلُ من العذاب، والآن قد دلّل عليه وقال: أفلا يفكّرون أن الوسائل لا تنقلب عدوًّا لمن خلَقها وأوجدها؟ أفلا يرون أن أظلال الأشياء تتغير بحركة الشمس؟ وإذا كانت الشمس على ظهر شيء فيمتد ظلّه ويطول. فهل تظنون أن الله تعالى لا يملك من القدرة ما تملكه الشمس؟ فما دام الله يساند محمدًا ويشد عضده فكيف يمكن أن لا يمد ظله ولا يحقق له الرقي؟ وبالعكس كيف لا يتقلص ظلُّ مَن لم يكن الله يسانده؟
فالواقع أنه بضرب هذا المثال قد عقد الله المقارنة بين النبي والكفار من أهل مكة، وأخبر مَن الذي سوف يتقلص ظله ويزول ومَن الذي سيطول ظله ويمتد نفوذه. وبما أن النبي كان سيهاجر من مكة إلى المدينة – علمًا أن هذه السورة أيضًا قد تحدثت عن الهجرة – لذلك أرى أن المراد من اليمين هو مكة ومن الشمال هو المدينة؛ ذلك لأن أحدًا إذا وقف بين حدود المدينتين متجهًا إلى الشرق كانت مكة على يمينه والمدينة على شماله. وقد استعملَ “اليمين” مفردًا و”الشمائل” جمعًا، ليشير إلى أن ظل أهل مكة سوف يكون قليلاً وسيتقلص وينكمش، وأما محمد الذي سوف يهاجر إلى منطقة الشمال فسوف يكون له أظلال كثيرة أي سوف يحقق النفوذ في جهات عديدة.

وَلله يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (50)

شرح الكلمات:
دابّة: دبَّ دبًّا: مشَى على هِينته (أي ببُطْءٍ) كمشي الطفل والنملة والضعيف. والدابّةُ: مؤنثُ الدابّ؛ ما دبَّ من الحيوان، وغلب على ما يُركَب ويُحمَل عليه الأحمالُ، ويقع على المذكر، والهاء فيها للوحدة كما في الحمامة (الأقرب).

التفسـير:
يقول الله : إن كلاًّ من أهل الأرض وملائكة السماء خاضع لحكمنا ومنقاد لمشيئتنا؛ وبما أن كل ما في الكون من أسباب ومدبّريها – أي الملائكة – واقع في قبضتنا فلم لا نسخّرهم في خدمة محمد، وكيف لا يمتد ظله ويتسع نفوذه ؟
وأوضح بقوله وهم لا يستكبرون أن المسخَّرين في خدمة محمد يعملون له جاهدين في طاعة كاملة، ولكن أتباعكم، أيها الكافرون، لا يطيعونكم بصدق ووفاء كاملَين، فلا بد أن يظل نظامكم ناقصًا وسينهار عاجلا.
وهناك تساؤل آخر: إن كلمة “الدابة” تعني المواشي عمومًا، فكيف استخدمها الله للناس؟ والجواب أن الدَبَّ يعني المشي ببطءٍ وتَؤُدةٍ، واسم الفاعل منه هو الدابُّ الذي مؤنثه الدابّة، وهذا المعنى يشمل الإنسان أيضًا.

يَخَـافُونَ رَبَّهُـمْ مِنْ فَوْقـِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (51)

التفسـير:
هذه الآية وصفٌ للملائكة، وإنها لتُبطل كل ما نُسِجَ حول هاروت وماروت من خرافات وأباطيل. إن الملائكة يخافون الله ويفعلون ما يأمرهم به، فكيف يمكن أن يخرجوا عن طاعته كما يقال في تلك الخزعبلات؟
وقوله تعالى مِنْ فوقهم حالٌ للملائكة، والمعنى أنهم يخافون الله الذي هو قاهر فوقهم.

وَقَالَ الله لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (52)

شرح الكلمات:
إلـهَينِ: الإله: المعبود مطلقًا بحق أو بباطل لأن الأسماء تتّبع الاعتقادَ لا ما عليه الشيءُ في نفسه (الأقرب).
واحد: الواحد بمعنى الأحد أي المنفرد الذي لا نظير له أو ليس معه غيره (الأقرب).
فَارْهَبونِ: رهَب الرجلُ رهبةً: خاف (الأقرب).

التفسيـر:
وقوله تعالى فإياي فَارْهَبونِ أصله هو: فإياي ارْهبوني فَارْهبوني. وفيه تأكيد على خشية الله وحده .
لقد اعترض البعض على قوله تعالى لا تتخذوا إلـهَينِ اثنينِ قائلا: لماذا جاء التركيز على الاثنين، بدلاً من أن يقال (لا تتخذوا آلهة)، فهذا الأسلوب يُوهم وكأنه لا بأس من اتخاذ آلهة كثيرة، أما إلهين اثنين فلا يجوز!
الواقع أن هذا الاعتراض ناشئ عن قلة التدبر في القرآن الكريم، لأنه قد صرح بعد ذلك مباشرة إنما هو إله واحد ؛ وبعد هذا التصريح كيف يمكن القول بأن هذا الأسلوب القرآني يوهم جواز اتخاذ أكثر من إلهين؟ فكلمة الاثنين جاءت إزاء الواحد لتؤكد استحالة وجود أكثر من إله واحد.. لا اثنين ولا أكثر.
هذا، وهناك حكمة أخرى في اختيار هذا الأسلوب وهو أن المشركين أيضًا كانوا يفرّقون بين الله وما يتخذون دونَه من آلهة باطلة، فكانوا يعتقدون أن الله خالقُ الكون، ولكن للآلهة الأخرى أيضًا سلطة غير أنها محدودة نظرًا إلى كون قدراتها وتخصصاتها محدودة، فهذا مثلاً يُنـزل المطر، وذاك يهَب الأولاد، والثالث يشفي من الأمراض وهلمّ جرًّا؛ أو أن كل قبيلة ومنطقة لها إله خاصّ يتفقدها ويرعاها. فكأنهم كانوا يعتقدون بوجود نوعين من الآلهة: النوع الأول عبارة عن إله واحد قادر مطلق القدرة، والنوع الثاني يشمل عدة آلهة ذوات قدرات متفاوتة وهي آلهة مناطق وشعوب محددة (تفسير الرازي: سورة الزُّمر، الآية: ولئن سألتهم من خلق السماوات…). فقوله تعالى إلهين اثنين نفي لتقسيم الألوهية بين هذين النوعين من الآلهة.
والحكمة الثالثة في اختيار هذا الأسلوب هو إبطال عقيدة المجوس خاصة، فإنهم يؤمنون بإلهين: إله للخير وإله للشر؛ فالله تعالى يعلن هنا أن ليس هناك من إلهين اثنين، إنما هو إله واحد، وهو الذي يجزيكم بالخير والشر، فلا تتخذوا إلهين اثنين.
لقد نبه الله بذلك أنه ما دام هناك إله واحد فمن ذا الذي يمكن أن يُنـزِل الشرعَ من دونه. إنه وحده يتمتع بهذه السلطة.
كما أن هذه الآية تتضمن الإشارة إلى نتائج الهجرة التي تم التنبؤُ عنها قبل قليل حيث أخبر الله أنكم ستدركون لدى تحقُّق ذلك النبأ أن الله هو الإله وحده ولا إله سواه، بمعنى أن نجاح المسلمين ورقيهم سيشكّل برهانًا ساطعًا على وجود البارئ وتوحيده.
هذا، وإن هذه الآية تعقد المقارنة بين تعليم القرآن الكريم وما عند الكفار من مبادئ وتعاليم، وتكشف أن الناس لا غِنًى لهم عن تعليم القرآن. لقد أضلتهم عقولهم فاتخذوا هذه الآلهة العديدة، ولكن الحق أن الوحي هو الذي يهدي إلى التوحيد الحقيقي، ويحمي العقلَ الإنساني من الخطأ والشطط.

كما أن هذه الآية تتضمن الإشارة إلى نتائج الهجرة التي تم التنبؤُ عنها قبل قليل حيث أخبر الله أنكم ستدركون لدى تحقُّق ذلك النبأ أن الله هو الإله وحده ولا إله سواه، بمعنى أن نجاح المسلمين ورقيهم سيشكّل برهانًا ساطعًا على وجود البارئ وتوحيده.

وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيْرَ الله تَتَّقُونَ (53)

شرح الكلمات:
الدِّين: دانَ يدين دِينًا: أطاع: ودانَ فلانًا: خدَمه؛ حكَم عليه. الدينُ: الطاعةُ؛ القضاءُ (الأقرب). واستُعير “الدين” للشريعة (المفردات).
واصبًا: وصَب الشيءُ يصِب وُصُوبًا: دام وثبَت. وصَب الدَّينُ: وجَب. وصَب فلان على الأمر: واظَبَ وأحسَنَ القيامَ عليه. الواصب: الدائمُ. وله الدينُ واصبًا أي دائمًا (الأقرب).

التفسـير:
لقد ساق الله هنا برهانًا قويًّا على بطلان العقيدة الوثنية، وقد ذكر هذا البرهانَ في أماكن عديدة أخرى في القرآن الكريم أيضًا. يقول عزَّ مِن قائل: لو أمعنتم النظر في السماوات والأرض ودرستم نواميس الكون بنظرة فاحصة، لوجدتم في كل مكان قانونًا واحدًا، ورأيتم كلَّ شيء منتظمًا في نظم واحد؛ وما دام القانون الجاري في الكون واحدًا فكيف يمكن أن يحكمه ملِكان أو أكثر. لو كان في الكون آلهة إلا الله لرأيتم في نواميسها وقوانينها اختلافًا، لأنه لدى الاعتقاد بوجود أكثر من إله واحد لا يخلو الأمر من إحدى الحالتين:
1- فإما أن يكون الإله الثاني مطيعًا للإله الأول ومنفّذًا لأوامره؛ وفي هذه الحالة يصبح وجود الإله الثاني أو عدمُه سِيَّينِ، لأن شخصًا واحدًا إذا قدر بمفرده على القيام بعمل من الأعمال فلا داعي أن يُعهَد هذا العمل نفسه إلى اثنين.
2- أو أن الإله الثاني أيضًا يقوم ببعض الأعمال في الكون بحسب قانون ونظام خاص به إلى جانب ما يفعله الإله الأول؛ وفي هذه الحالة لا بد من وجود اختلاف في الكون، ولكن الواقع لا يصدّق هذا، فلا مناص من الاعتراف أن لا إله إلا إله واحد لا شريك له.
وأما قوله تعالى وله الدين واصبًا فقد أوضح به أنه كان هناك احتمال آخر لوجود إلهين وذلك بأن يكون أحدهما يمارس الحكم إلى زمن محدد ثم ينعزل ويتعطل ليأخذ الآخر مكانه، ولكن الواقع يعارض ذلك، حيث لا زالت النواميس الطبيعية منذ ملايين السنين كما هي من دون أن تتغير وتتبدل. فالاعتقاد بوجود إله إلى جانب هذا الإله الذي يملك السماوات والأرض والذي له القانون الجاري منذ الأزل إلى الأبد لهو اعتقاد فاحش وحماقة كبرى.

Share via