• ما معنى البر؟ وما هي وجوه إعماله؟
  • جزاء الأبرار.
  • جزاء الفجار.
  • توحيد الله تعالى مقرون ببر الوالدين.
  • السُنة النبوية تؤكد على بر الوالدين.

وردت كلمة البِر في القرآن الكريم 8 مرات، وبصيغة الأبرار مرتين، وبصيغة “بَرًّا” مرتين أيضاً، يقول الله تعالى:

أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (البقرة: 45).

كما وردت كلمة البرِّ في آية طويلة هي الآية 178 من سورة البقرة، يبين الله تعالى لنا فيها معنى البر ويعدد أعمال البر: إذ يقول الله تعالى:

لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بالله وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (البقرة: 178)

تقول معاجم اللغة في معاني كلمة البرِّ:
البرّ: يعني الصلة أي الإنعام والعطية والإحسان؛ الطاعة؛ الصدق”الأقرب”. وأصل معنى البر: السعة في عمل الخير، ومنها الشفقة والإحسان والصلاح والصلة. قال الإمام أبو منصور اللغوي: البر خير الدنيا والآخرة. فهو عمل الخير والاتساع في الإحسان إلى الناس”التاج”. فالبر من الله الثواب، ومن العبد الطاعة (المفردات).
تختلف الشعوب في فهم كلمة البر، كما تختلف فيمن هو البار ومن هو غير البار؟ فهنا يبين الله تعالى لنا بكل وضوح معنى البر وما هي الأعمال الصالحة التي يقوم بها البار الذي يصبح بفعل ذلك صادقا وتقيا، يقول المصلح الموعود رضي الله عنه في التفسير الكبير حول تفسير هذه الآية: “أي ليس من البر الكامل أن تستولوا على المشرق والمغرب وتحققوا انتصارات متتالية. صحيح أن هذا أيضا من نعم الله الكبيرة، ولكن البر الكامل لا يعني الفتوحات الدنيوية فقط، وإنما يعني البر الكامل أن يؤمن الإنسان إيمانا صادقا بالله جل علاه واليوم الآخر والملائكة والقرآن الكريم وجميع الأنبياء، ويعني البر الكامل أن ينفق الإنسان على أقاربه واليتامى والمساكين والمسافرين والسائلين، وفي تحرير رقاب العبيد. ويعني البر الكامل أن يقيم الإنسان الصلوات ويؤدي الزكاة ويفي بوعوده، ويتمسك بالصبر في الضائقات المالية وحال المرض ويثبت في وقت الحرب. حقِّقوا الفتوحات المادية والانتصارات الدنيوية أيضاً ولكن لا تنسوا أن هدفكم ليس هو الاستيلاء على البلاد، بل أن تنشئوا علاقة كاملة مع الله تعالى، وأن تقوموا بخدمة خلْقِه خدمة صادقة. يجب أن تكون هذه الغاية نُصب أعينكم دائماً”.

لقد قرن الله تعالى توحيده بالإحسان للوالدين، ليس ذلك فقط بل قرن شكره بشكرهما أيضاً، قال تعالى: أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ (لقمان: 15).

ويدعو المؤمنون الله تعالى أن يغفر لهم ويكفر عنهم سيئاتهم، ويجعلهم من المؤمنين بالمنادي للإيمان إيمانا صادقا وأن يتوفاهم مع الأبرار:

رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (آل عمران: 194).

ويعد الله تعالى الأبرار بما تشتهي النفوس الصالحة من حياة النعيم قائلاً:

إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (الانفطار: 14).

إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (الإِنْسان: 6).

وبالمقابل يبين الله تعالى لنا بعض الأمثلة عن الأفعال التي لا يقوم بها الأبرار وأنها ليست من البر أبداً: كإتيان البيوت من ظهورها، ويؤكد أن من البر والتقوى إتيان البيوت من أبوابها، تأكيدا ليس على موضوع البيوت والسطوح، إنما المفهوم واسع وأن لكل قضية بابًا ومدخلًا يجب الإتيان به ومنه لنحصل على النتائج ونكون من المتقين، فيقول تعالى:

يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا الله لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (البقرة: 190).

وأن نيل العمل الصالح أو عمل البر يكون بالإنفاق مما يحب المرء، ومما هو عزيز لديه وغالي، كما كان يفعل صحابة الرسول في تقديم أرواحهم ومالهم بين يدي الرسول بكل تواضع ومحبة في التضحية في سبيل الله. ويحثنا سبحانه على التعاون على عمل الخير وتحري التقوى في كل شيء، وأن التعاون على الإثم والعدوان عواقبه عذاب شديد من الله.
يقول الله تعالى:

لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ الله بِهِ عَلِيمٌ (آل عمران: 93)

ويقول تعالى:

وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا الله إِنَّ الله شَدِيدُ الْعِقَابِ (المائدة: 3)

وجاء في القرآن الحكيم كلمة الفجار كنقيض لكلمة الأبرار، فالفجار إذن هم صفاتهم على النقيض من صفات الأبرار المتقين، فيقول المصلح الموعود رضي الله عنه: “أن عذابهم قدر محتوم، وقرارٌ في كتاب مرقوم، أي حُكمٌ لا يُرَدّ، أو قدرٌ لا يُردّ ولا يبدل”. فعقوبتهم واضحة مسجلة، لذلك يقول الله تعالى أننا لا نجعل المتقين كالفجار والفارق بينهم هائل جدا: أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ ص: 29)، وأن لهم عذابًا شديدًا لما يكونوا ضارين بالمجتمع المتعاون على البر والتقوى، يقول الله تعالى:

كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ* وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ *كِتَابٌ مَرْقُومٌ (المطففين: 8-10).

أما كتاب الأبرار فهو في عليين، كتاب مرقوم أي مختوم ولا يضاف له شيء، حكم مبرم، وهم في كل عمل خير في القمة أو الذروة:

كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ (المطففين: 19).

والآن نأتي على مفهوم بر الوالدين- عنوان مقالنا- مما ورد في كتاب الله تعالى، وأحاديث الرسول ، بعد أن اتضح لنا المفهوم العام الشامل للبر وصفات الأبرار.
وردت “بَرّاً” في القرآن الحكيم مرتين، تبين بِر يحيى بوالديه والإحسان إليهما وطاعتهما، والسلوك على طريقهما، وأيضا بِر المسيح بن المريم بأمه عليهما السلام، ومن يكن مطيع الوالدين لا يكون جبارا عصياً ولا شقياً، وذلك بفضل طاعة الوالدين:
يقول الله تعالى: وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا (مريم: 15)
يقول الله تعالى: وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (مريم: 33)
وتبين المعاجم: بَرًّا: بَرَّ في يمينه: صدَق. وبَرَّ والدَه: أحسنَ الطاعةَ إليه ورفَق به وتَحرَّى مَحابَّه وتَوقَّى مَكارِهَه، فهو بَرٌّ به وبارٌّ (الأقرب). وهذا يعني أن الإنسان إذا حاول إرضاء والده فتخلَّقَ في ظاهره وباطنه بكل الأخلاق التي تسرّ أباه، وترك كل المساوئ التي يكرهها فقد صار بَرًّا وبارًّا. غير أن البَرّ أبلغ وأقوى من البارّ.
يقول الله تعالى لقد أمرنا الإنسان بالإحسان إلى والديه …وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا (العنكبوت: 9) فهو يقابلهما بالوجه الحسن والمعاملة الحسنة، بل عليه أن يزيد في التعامل الحسن ليكون كل ما يقوم به تجاههما إحسان على إحسان، فيقول تعالى …وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا (الأحقاف: 16)
لقد حثنا الله تعالى ورسوله الكريم على بر الوالدين ولقد جعل طاعة الوالدين وبرهما مما يدخل الجنة، عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها قالت: قال رسول الله : دخلتُ الجنة فسمعتُ فيها قراءة قلت من هذا؟ فقالوا : حارثة بن النعمان، فقال رسول الله : كذلكم البر كذلكم البر وكان أبر الناس بأمه. وقوله تعالى:

واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً (النساء: 36).

لقد قرن الله تعالى توحيده بالإحسان للوالدين، ليس ذلك فقط بل قرن شكره بشكرهما أيضاً، قال تعالى:

أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ (لقمان: 15).

عن عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه قال: سألت النبي أيُّ العمل أحب إلى الله فقال الصلاة في وقتها، قلت ثم أي قال بر الوالدين، قلت ثم أي، قال الجهاد في سبيل الله.
وقال رسول الله : ” كُلُّ الذُنوبِ يُؤخّرُ اللهُ تعالى ما شاءَ مِنها إلى يومِ القيامةِ إلا عقوق الوالدين”، “ألا أدلُّكُم على أكبَرِ الكبائِر؟” قالوا: بلى يا رسولَ الله، قالَ: “الإشراكُ بالله وعُقوقُ الوالدَينِ”. وروي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: جاء رجل إلى رسول الله فقال: جئت أبايعك على الهجرة، وتركت أبويّ يبكيان، فقال رسول الله: ارجع إليهما، فأضحكهما كما أبكيتهما. وفيما يلي أحاديث للرسول ، تبين حقيقة مكانة الوالدين في الإسلام وأصول التعامل معهما لمن يبتغي وجه الله تعالى ويريد أن يكون صالحا ومن المتقين:
– عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : “رغم أنفه، رغم أنفه، رغم أنفه” قيل مَن يا رسول الله؟! قال:”من أدرك والديه عند الكبر أحدهما أو كليهما ثم لم يدخل الجنة” (رواه مسلم).
-قال رسول الله : “ثلاث دعواتٍ مستجاباتٌ لا شكَّ فيهنَّ: دعوة المظلوم، ودعوة المسافر، ودعوة الوالد على ولده”.
– عن أبي بكرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله : “اثنان يعجِّلهما الله في الدنيا: البغي وعقوق الوالدين”.
– عن أبي أسيد مالك بن ربيعة الساعدي رضي الله عنه قال: بينما نحن جلوس عند رسول الله إذ جاء رجل من بني سلمة، فقال: يا رسول الله، هل بقيَ من برِّ أبويَّ شيءٌ أبرهما به بعد موتهما؟! قال: “نعم، الصلاة عليهما، والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما من بعدهما، وصلة الرحم التي لا توصل إلا بهما، وإكرام صديقهما”.
– عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى رسول الله فقال: من أحق الناس بحسن صحابتي قال: أمك، قال ثم منْ؟ قال: ثم أمك، قال ثم منْ؟ قال: ثم أمك، قال: ثم منْ؟ قال: ثم أبوك. متفق عليه.
اللهم اجعلنا من البارين بوالديهم، المحسنين إليهم، ربنا اغفر لنا ولوالدينا وللمؤمنين يوم يقوم الحساب. رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا ، وصلى الله على محمد وآل محمد.