قصة أصحاب الكهف بين المسيح الموعود (عليه السلام) وخصومه

  • الاعتراضات الواهية من قبل المعارضين.
  • القول في أن المسيح الموعود عليه السلام يتبع التفسير التقليدي في قصة أصحاب الكهف.

هذه الزاوية فضاء مفتوح نرحب فيه بالأقلام الواعدة من داخل البيت الأحمدي وخارجه.

قصة أصحاب الكهف بين المسيح الموعود (عليه السلام) وخصومه

لا شك أن جُلَّ اعتراضات المعترضين، إن لم تكن كلها، منشؤها التسرع الأهوج المدفوع بسوء الظن. إن سوء الظن هذا يجعل المصاب به يتهم من حوله بالكذب دون تمييز، ثم بعد ذلك يبحث عن علة تصلح لتكذيبهم. لنا أن نتوقع والحال كهذه مدى ضحالة تلك العلة وسخف الاعتراض. وحديثنا اليوم سنتناول فيه واحدة من علل اعتراض الخصوم على صدق المسيح الموعود وجماعته، لا على سبيل دفع الشبهة فحسب، وإنما للبحث في منشئها لعلاج أصل الداء، كطبيب لا يكتفي بإزالة العَرَض، وإنما يتوجه لمداواة أصل المرض.
إن أبسط الطرق لدحض حجة متبوع ما هو أن ينشأ الريب في قلوب الأتباع تجاهها، وأبسط أساليب توليد الريب في القلوب هو الإيهام بوجود التناقض، ولذا فمن الطبيعي أن نجد بين الفينة والفينة من الخصوم من يطلع علينا بالقول بوجود تناقض ما فيما بين أقوال المسيح الموعود نفسه تارة، وبين أقوال حضرته وأقوال خلفائه تارة أخرى.
وفي شبهة اليوم نجد المعترضين يقولون أولا بتمسك المسيح الموعود بالتفسير التقليدي لقصة أهل الكهف على أنها حادث عجيب، ثم يمعن المعترضون في القول بوقوع الخلاف، فيشيرون إلى أقوال الخليفتين الأول والثاني (رضي الله عنهما) التي نفت العجب عن تلك القصة، فلم يقبلا قط بالتفسير التقليدي لمنافاته لسنن الله تعالى السائدة في الطبيعة، إذ لا يعقل أن ينام شخص طوال هذه المدة، كما لا يمكن أن يصمد شخص دون غذاء وماء كذلك المدة ذاتها، بناء على ما تيسر لهما من دلائل عقلية وتاريخية عديدة قدماها كل على حدة. باختصار، فإن موقف الخليفتين الأول والثاني يناقض موقف المسيح الموعود من التفسير التقليدي للقصة بحسب زعم الخصوم.
ونظرا إلى أن منشأ الاعتراضات أغلبها يكون سوء الظن بعباد الله الأطهار، فإن سوء الظن هذا أعمى المعترضين وأصمهم عن حقيقة مفادها أن الكلام الموحى به في كل العصور يتسم بالإجمال والتركيز، بحيث يبقى أمدا طويلا حتى بعد رحيل الإنسان الكامل عن هذا العالم الفاني. من هذا المبدأ ينبغي على كل منصف النظر إلى الكلام الموحى به واضعا في الحسبان أنه يحوي حقائق مجملة، وهذا الإجمال يشبه إلى حد كبير ما ذكره المسيح الموعود في هذه القصة، حيث علق على حديث حضرة خاتم النبيين الذي أوصى فيه بقراءة فواتح الكهف على الدجال تعوذا من فتنته 1، فعلق حضرة المسيح الموعود قائلا: «ففي ذلك اشارة إلى أن على المرء أن يصمد قدر الإمكان مثل أصحاب الكهف، لأن تلك الآيات تتناول ذكر صمودهم واستقامتهم، حيث اختفوا في الكهف خوفا من ملك غاشم مشرك. «فيا أحبائي، عليكم بقراءة هذه الآيات، فإن هناك دجالين كثيرين يواجهونكم)»2
ويبدو أن المعترضين وقعوا في سوء فهم كبير، إذ فهموا من استعمال المسيح الموعود لتعبير الاختفاء في الكهف أن حضرته يتفق مع التفسير التقليدي للقصة، والذي نحن في غنى عن ذكره.
لا شك في اتفاق المسيح الموعود وجميع خلفائه، بل وحتى أولئك المعترضين على صدقه على حقية النص القرآني، والحديث النبوي، فجميعنا نتفق على النص نفسه، ولكن يستنبط كل منا معنى يختلف بحسب العقيدة المتبَعة. هذا ما حدث في تناول الفريقين لقصة أصحاب الكهف، فبينما يخرج منها التقليديون بالقول بأن الفتية ناموا نوما تجاوز الـ 300 سنة، نجد المسيح الموعود يذكرها في ثوب الإجمال بحيث ظن المكذبون أنه يتفق وقول التقليديين.. إن ما أشار إليه المسيح الموعود مجملا هو أن أصحاب الكهف ظلوا حتى 300 سنة محافظين على دينهم صامدين عليه، ولم يقل بتاتا بالمعنى الخرافي الشائع. حضرته إذًا يؤمن بأن القصة منطوية على عجب كونها بتدبير الله تعالى.
على أية حال، فإن منافاة الحقيقة كذلك لمما يدعو للعجب أحيانا، ولهذا فقد صور فهم المكذبين الخاطئ لهم أن دعوات النبيين منافية للواقع، وبالتالي فهي مدعاة للعجب، فحكى القرآن عنهم قولهم:

أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ

والخرافة شيء عجيب بلا شك، وطالما تعجب أقاصيص ألف ليلة وليلة حتى الكبار، كما باتت الأعمال السينيمائية الخيالية الأكثر انتشارا ومبيعا لإقبال الجمهور عليها، كل هذا يدعم وجهة النظر القائلة بأن الخرافة شيء عجيب بالفعل..
ولكن على الجانب الآخر، فإن أفعال الله تعالى جميعها أعجب وأكثر إدهاشا وتحييرا للعقول، لا سيما تلك التي تدخل مجال خرق العادة البشرية، وخير نموذج على هذا النوع من المُعْجِبات «القرآن الكريم» فإنه في حد ذاته عجيب على الرغم من توافقه التام والقانون السائد في الطبيعة، وعلى هذا الأساس جاء عنه على لسان الجن:

… إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا 4

فالأمور العجيبة إذًا قسمان: قسم عجيب كونه خرافة لا يسع الواقع قبولها ولا العقل تصديقها، وقسم عجيب كونه غير مألوف ولكنه حق على أية حال.. القرآن المجيد والمسيح الموعود وخلفاؤه ينفون عن القصة ذلك العجب من النوع الأول (العجب الناشئ عن خرافة الموضوع ومنافاة السنن الكونية)، وإن كانوا يعترفون جميعا بأن القصة عجيبة كحدث تاريخي محكم ليس بمقدور مخلوق حبكه بهذه الصورة، وإنما هو فعل الله تعالى الحي القيوم.
بعدما تبين لنا يبدو أن اعترض المعترضين ينقلب عليهم، إذ نتساءل نحن بدورنا: كيف للمعارض أن يفهم معنى «العجب» في آية (الكهف: 10)؟! هل تراه يحسب ذلك العجب نوعا من الخرافة المنافية لسنة الله تعالى في الكون، وذلك على الرغم من تصريح القرآن غير مرة بأن سنن الله تعالى في الكون ما كان لها أن تتبدل أو تتحول؟!
بعد ما ذُكر، لا نجد بدا في هذا المقام من قراءة قوله تعالى:

وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ… 5.

1. حديث حضرة خاتم النبيين عن الدجال: «فَمَنْ أَدْرَكَهُ مِنْكُمْ فَلْيَقْرَأْ عَلَيْهِ فَوَاتِحَ سُورَةِ الْكَهْفِ» (صحيح مسلم،كتاب الفتن وأشراط الساعة، رقم 5228)
2 إزالة أوهام، ص221
3 (ص: 6)
4 (الجن: 2)
5 (الرعد: 6)

مسـاهمة الصـديق
ماهر المديني