العَدْلُ الإِلَهِيُّ

حلمي مرمر

كاتب
  • عطاء الله الغير محدود في خلق عباده.
  • فاتحة الكتاب دليل وبرهان.
  • قوائم العرش في الفاتحة.
  • علامات الجهل بالله.
  • الفروق الفردية نعمة ربانية.

خلق الله الخلق بمحض عطائه وفضله، فهو المتفضل عليهم، ولم يكن لأيٍّ منهم عمل يُحمَد عليه، ولا سابق عطاء يُرد إليه، إنما وهب الله تعالى كل المخلوقات خلقها، ووهبها وجودها، بعدما كانت معدومة في ظلمات الغيب والمجهول، إنه تعالى صاحب العطاء المطلق بلا حدود، خلق الحبة وبرأ النسمة، وأعطى كل شيء خلقه ثم هدى، فزوّد كل خلقٍ من المخلوقات بالأدوات التي بها يتمكن من القيام بوظيفته التي من أجلها خُلق، ولم يتركْه في الحياة ناقصاً يعاني عجزَه وقصورَه عن القيام بالمهام التي بها كُلّف، فلا يوجد نافعٌ إلا مكَّنه من نواله، ولا مفيدٌ إلا زوّده بالقدرات التي تؤهله لامتلاكه. وفي فاتحة الكتاب وأولى آياتها يثبت الله هذا الأمر ويبرزه، فقال في مطلعها، وفي مطلع كل سورة ـ حتى اعتبرها الراسخون في العلم آية من كل سورة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ .

تلك الآية التي أثبت المسيح الموعود في كتابه الفذّ (البراهين الأحمدية) أنْ ليس لها مثال سابقٌ في أيٍّ من الكتب السماوية، وأعقبها بقوله:

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ

فباسم الله كان البدء، ونقش وسماً على المخلوقات يدل عليه، فبرحمته خلقهم، وبربوبيته ورعايته رباهم ورعاهم، ونمَّاهم وأفاض عليهم، حيث قال تعالى:

قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ (1)،

كان ينبغي أن يكون حال البشر العقلاء، تسليم كامل، وخضوع تام، لا سيما أن الله وهبهم ترقيا في الخلق، وتميزاً في القوى والقدرات ما لم يهب للجمادات والنباتات وسائر الحيوانات….

فمن كان لهم قبله، ومن خلقهم وبرأهم سواه؟ فقد وهبهم الوجود ولم يكونوا شيئاً مذكوراً، ولم يكن لهم من الأعمال ما يعدل ما وهبهم، ولا رائحة منه، فإنه لذو فضل على العالمين، من جماد ونبات وحيوان ما علمنا وما لم نعلم،

وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ (2)،

وكذلك قوله تعالى:

وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (3)،

فإن للمخلوقات إدراكاً لربها وخالقها وبارئها، وهي تسبحه وتقدس له، وتسجد له طائعة منصاعةً لإدراكٍ أدركتْه هو غير إدراكنا أنه هو وحده سبحانه من يجب عليها التذلل له والتسبيح بحمده، كذلك كان ينبغي أن يكون حال البشر العقلاء، تسليم كامل، وخضوع تام، لا سيما أن الله وهبهم ترقيا في الخلق، وتميزاً في القوى والقدرات ما لم يهب للجمادات والنباتات وسائر الحيوانات،

وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (4)،

وحباهم بالعقل واللسان، ليعقلوا أفضال ربهم، وأنه هو وحده الجدير بالطاعة والعبادة والتسليم، ثم تكون ألسنهم ترجماناً لما وقر في قلوبهم، ويحدثون بإيمانهم مَن خلفهم، وينتظمون في معزوفة التسبيح والتقديس والتحميد مع سائر المخلوقات، ويتصبغون بصبغته، ويرسخ في وجدانهم شعور أرسخ من الجبال أنهم أفقر ما يكون الفقر إليه سبحانه.

قوائم العرش في الفاتحة

الله هو الذات العليا التي تحوز كل الكمالات، وتمتلك كل المحاسن والصفات، ومن هذه الصفات أربع (رب العالمين، الرحمن، الرحيم، مالك يوم الدين) وهي عمدة الصفات التشبيهية، التي رُزق المخلوق ما يؤهله أن يكون صورةً منها على قدره،

أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا (5)،

غير أن الحديث عبر سطور المقال سيتركز على صفتي الرحمانية والرحيمية.فالرحمـــــــــن ذو رحمة عامة على كل ذي نفس وروح، وكل كائن حي، وهبَه وجودَه، من فيض كرمه وجودِه، وأخرجه من قبر العدم وطيّ النسيان، وصوّر له جسداً يكون مستقراً لروحه، ووسيلة يتواصل بها مع العالم من حوله، وزوّده بالملكات والقوى والقدرات التي تؤهله أن يرتقي من خلق طينيٍّ يخلد إلى الأرض، إلى طير سماويٍّ يحلق في سماوات القرب من الله والتشبه بأسمائه وصفاته، وسخَّر له ما في السماوات وما في الأرض جميعاً منه ولأنه تعالى يعلم بعلمه الأشمل أن الإنسان يميل بنفسه الأمارة إلى السوء الذي تُرِيهُ إياه حُسناً، ويتبع خطوات الشيطان الذي آل على نفسه إلا أن يُضله عن السبيل، فأرسل له المرسلين، ليُبصر منهم ما عمي عن إبصاره في نفسه وفي العوالم من حوله، وتواترت الرسالات، ولم تنقطع عنه الكُتب السماوية، حتى لا تحتبس مؤهلاته، وتبقى قواه وقدراته في حيِّز الكتمان. والرحيم هو الذي يجازي خيراً بخير، وإحساناً بإحسان، فيأحذ بيد من مدَّ إليه يداً، ويعطي القوة لمن سخَّر في سبيله قوته، وأثبت بالتجربة أنه بذل ما في وُسعه، ولم يَاْلُ جهداً، ولم يدّخر سعياً، ولم يبخل بصحة ولا بنشاط، فيزيل الشوك من طريق الحفاة العابرين إليه، ويشعل فتيل مصباح في طريق الذين إليه يسلكون، وما يستوي عنده المجاهدون والغافلون.فقد أوجده، وهداه بالقوى والقدرات ما يمكنه من الترقي والسمو، وإن رآه في موطن إحسان زاده إحساناً، ، حتى إذا ذاب وجوده وانمحى، فما يلبث إلا أن يُتوِّجه ربُّه بتاج المُلك، ويُجلسه على عرش، ويهيء له مملكةً ليحكم، ويعطي ويمنع، ويجازي ويثيب، حتى يقول للشيء كن فيكون، ولا يكون سمعه الذي يسمع به إلا سمْع الله، ولا يكون بصره الذي يبصر به إلا بصر الله، ولا تكون يده التي يبطش بها إلا يد الله، ولا تكون رجله التي يمشي بها إلا رجل الله تعالى. فمن كان هكذا هو شأنه، وهكذا هي صفاته، ومن كان هكذا هو إنعامه، وتلك هي عطاياه فكيف يُسأل؟ وكيف يحاسَب؟ وكيف يُفرض عليه عدلٌ من قِبل أشقياء ضعفاء ليس بإمكان الواحد منهم أن يتحكم في عمل أجهزته الداخلية، فلا طاقة له أن يجعلها تتوقف عن العمل ما دام الله يُملي عليها أن تعمل، ولا قدرة لديه أن يجعلها تنشط وتعمل لو أن الله أمرها بالتوقف والثبات والانقطاع عن الحركة؟ أيكون من العقل مثقال ذرة أن تعترض على من وهبك جبالاً من قمح لماذا لم يُعطك رغيفاً، أو تدَّعي على من منحك أطناناً من الحديد لماذا لم تمتد إليك يدُه بإبرة؟ وهل يكون من حسن الفهم الادعاء بعدم العدل على من علَّم العدل وألهمه وأوحاه وجعله من مسلَّمات الفطرة الإنسانية؟ وقد فاق في العطاءات كل سماء، وعلا في التفضلات أعلى من كل علاء، وإن كان قد كتب على نفسه الرحمة، فما فرضها أحدٌ عليه، وما ينبغي لأحد، وما كتبه على نفسه بدافع المحبة الخالصة، قد وهبه لعباده وافياً.

أيكون من العقل مثقال ذرة أن تعترض على من وهبك جبالاً من قمح لماذا لم يُعطك رغيفاً، أو تدَّعي على من منحك أطناناً من الحديد لماذا لم تمتد إليك يدُه بإبرة؟

علامات الجهل بالله

إنه من علامات الجهل بالله أن نقول أنه يتوجب عليه العدل، ويتوجَّب عليه الخير، ولا ينبغي له أن يصدر عنه إلا الخير، ولا يليق به أن يُقدِّر على عباده الشر، وإن تقدير الشر من قبيل الظلم للعباد، ووضع العراقيل في طرقهم، وفي واقع الأمر أن الله لم يقدِّر شراً أبداً، إنما نشوء الشر من غياب الخير، كما أن نشوء الظُّلمة من غياب النور، وهذا من عمل الإنسان وليس من قبيل فرض الله عليه، وإن العمى ليس إلا فقدان البصر، وإن الليل ما يكون إلا من غياب النهار، والنار ليست إلا الحرمان من الجنة، ومنشأ تلك الأفكار من اعتبار الله كأحد حُكام البشر، الذين يبسطون لشعوبهم مساحة من الحرية وانتقاد السياسات بالآراء والنقابات والأحزاب، فنصبوا من أنفسهم شركاء له في سلطانه، وأن لهم أن أفعالَه كما ينتقدون أفعال حُكامهم، ولعل الأصل في ذلك ما ورد في التوراة في سفر التكوين 32 نقلاً عن كتاب البراهين الأحمدية ما مفاده:( أن الإله ظل يصارع يعقوب طوال الليل ومع ذلك لم يقدر عليه) لكن هؤلاء قد أثبتوا بذلك جهلهم بمقام الألوهية السامي الذي ليس كمثله مقام، وأظهروا تنكُّراً وجحوداً وفساد طبع وخُبث نفس وجهالة إن المتأمل في العلاقة بين المخلوقين يجد لها قانوناً قديماً له من الأهمية ما له، وهو أننا نسأل من كنا قد أعطيناهم من قبل، ونوجب الخير على من سبق وقد أفضنا عليه من خيرنا، أو أفاض عليه من هو أعلى منه منزلةً، وأسمى منه قدراً، فنوجب الخير على الأبناء تجاه الآباء، لأن آباءهم قد أفاضوا عليهم من خيرهم من قبل، ونوجب الخير على الأباء تجاه أبنائهم لما وهبهم الله من خيرٍ لهم فيه رزق ونصيب، ولكن ماذا أنعمْنا على الله أو أنعم عليه غيره حتى نوجب عليه الإنعام علينا، وما الخير الذي قدمناه إليه حتى نطالبه بإعادة الكَرَّة، ومعاملتنا بالمثل، إن ذلك تفكير معكوس، ومنطق فاسد، وهرم مقلوب، سرعان ما يخر ـ مُهدَّماً ـ على رأس من قلَبه إن الله لم يكتب على نفسه إفاضة الخير على عباده بمعنى أنه حقٌ لهم، ولهم أن يطالبوه به، كما جعل حقاً للفقير في مال الغنيّ له أن يطالبه به، وهو حق له عليه، ومن كان يظن هذا الظن فقد وصم نفسه بحقارة النفس، وغباوة الفهم، فإن كُلاً من الغنيّ والفقير يغمره فضلُه سبحانه، وهم جميعاً يندرجون تحت خلقه الغارقين في إحسانه وتفضلاته، وإنما كتب على نفسه أن يرحمهم، وقد رحمهم رحمتين، رحمانية ورحيمية، وليس لأحد من عباده أيّ حق عليه، إنما حبه لهم أساس فرض الرحمة على نفسه لهم، فقد كتب على نفسه الرحمة لهم لأنه كان قد سبق أن كتب في نفسه محبتهم ، أما هم، فلم يقابلوا محبته إلا بجحود ونكرانٍ واستكبار وجهالة من تداعيات المعاصي وطول الغفلة.

وهذا سوء ظن آخر

هناك فئة أخرى من الناس يرون العدل الإلهيّ يجب أن تتساوى جميع الخلائق في العطاءات، فما ذنب الحمير والبغال والخيل والديدان والحشرات أن تكون كذلك، وما فضيلة الإنسان عليها أن يكون سيدها، وتكون هي مسخَّرةً له، ويرون هذا التفاوت في الخلق منافيا لمعنى العدل، فضلاً عن التفاوت في محيط المجتمع البشري ذاته، فلماذا كان بعض الناس أغنياء وبعضهم فقراء، ولماذا كان بعضهم وسيما والبعض الآخر دميماً، وما ذنب المعوَّقين وذوي المرض والعمى والعرج والمتخلفين ذهنياً؟ والحق أن هؤلاء ليسوا إلا دجالين يتدخلون في الشؤون الإلهية، وكأنهم يقولون: (لو كنا آلهةً لقسمنا الأرزاق والمقادير خيراً من ذلك)، فلم يعترض أصحاب تلك الآفات، إنما اعترض أولئك المتحذلقون ذوو الخلق التام، وفي ذلك جواب اعتراضاتهم، فإن الله تعالى قد أعاض أولئك المعاقين بما لا يعلمه الأصحاء، فباتوا في رضا وسلام مع النفس ومع الخالق لا يتذمرون، ولا يتأففون، ولا يشتكون، وفي خلقهم على هذا النحو نفع كبير، ليعرف الأصحاء فضل الله عليهم ونعمته، فيشكرون، ويكونون لهؤلاء المصابين مواسين معينين، ويتحقق قوله تعالى

وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (6)،

فيكسب الشاكرون جزاء الشاكرين، ويكسب الصابرون أجر ما أعده الله للصابرين، فلا شكر إلا لنعمة، ولا صبر إلا على حرمان، ولو كان الناس في الإنعامات سواءً، فمن أين يعرفون معنى الشكر ومعنى الصبر، وكيف يتأتَّى للواحد منا أن يكون شكوراً كمثل الله (الشكور)، أو يكون صبوراً كمثل الله (الصبور)؟ فإن الأصل في الخلق أن يتشبهوا بأخلاق الله وصفاته، كما أخبر المسيح الموعود عليه السلام في مؤلفاته، ولن يكون ذلك إلا بالتفاوت في العطاءات، وإن من صفات الله ما يستوجب الشكر على نعمة، كما أن من صفاته ما يستوجب الصبر على نقمة.

(1. الأنعام: 165) (2. الإسراء: 45) (3. الرعد: 16) (4. الإسراء: 71) (5. الرعد: 18) (6. البقرة: 251)