العَالَمُ يَتَقَدَّمُ إِلَى الوَرَاءِ!!!

التحرير

  • التقدم حاصل، ولكن نتائجه عكسية، كيف؟!
  • لماذا لا تهنأ الإنسانية ببركات التقدم المرجوة؟!
  • ما علاقة بعث النبيين بجني ثمار التقدم؟!
  • ماذا عن دواعي بعثة المسيح الموعود عليه السلام؟!

الحياة الإنسانية على الصعيد الفردي أو الاجتماعي هي صراع مستمر بين تَرَعْرُعٍ واضْمِحْلالٍ، وكما قالت العرب: «الدهر يومان، يوم لك، ويوم عليك»، فكذلك أعمار الناس مقسومة بين يوم سلامة وعنفوان ويوم اعتلال ووهن، ليس على المستوى الجسماني فحسب، بل لقد اتسعت مظلة هذا الوصف لتشمل أيضا كافة الصُّعُد النفسية والروحية، كذلك الاقتصادية والسياسية والعسكرية، بل والدينية أيضا، فبتنا نسمع مصطلحات من قبيل الاقتصاد المريض، الثقافة الهزيلة، القوة العسكرية الواهنة، الأديان واللغات الميتة، إلى آخر تلك التعابير التي يعج بها قاموس الحياة العصرية بكافة ألسنة العالم في هذا العصر.وعالم اليوم على الرغم من بلوغه درجة لم يبلغها من قبل من التقدم المادي، إلا أنه يمر بتلك الفترة الحرجة التي لا يختلف عليها اثنان، والموصوفة بالتدني الذي طال كافة السبل على الرغم من ذلك التقدم الملحوظ. فبالتزامن مع التقدم الإنساني في المجال الطبي مثلا، انخفضت كذلك مؤشرات الصحة العامة، وعانت البشرية من أمراض لم يعرفها أسلافها. ومع ازدياد سبل الرفاهية والراحة والطمأنينة بما يُفترَض أن يقلل من دواعي الاقتتال بين الناس، اتسعت في المقابل رقعة الحروب ونتائجها من خراب ودمار وتشريد ومجاعات. ومع توافر مصادر العلم ووسائل التعلم، نرى جيل هذا العصر أجهل الأجيال مقارنة بالأجيال الماضية. فبم يمكن تفسير هذه الجدلية؟! لماذا لا يتحقق لنا التقدم على أي صعيد حتى بعد توافر مسوغاته؟! يبدو أن هناك حلقة مفقودة في معادلة التقدم تلك، فما هي يا ترى؟! فلننظر في سجلات التاريخ، لعلنا نجد حلا لتلك الجدلية المذكورة، فمن حسن حظ الراغبين في التعلم والساعين إلى تدارك أخطائهم أن الله العليم الحكيم أتاح لهم فرصة ذهبية دائمة من أجل تدارك أخطائهم ما داموا أحياء، وذلك بالنظر في تجارب الأمم الخالية واستلهام العبرة منها. وظنت أن بحيازتها على القوة والعمران، والكثرة في المال والعتاد قد ضممنت لنفسها سبب بقائها. ولم تنتبه أنها في الحقيقة زرعت بذرة خرابها وفنائها. وما من كتاب موحى من الله الخلاق العليم إلا ويطلعنا على أمثلة من هذا القبيل، والسنة الربانية التي رسا عليها الكون تقول:

حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ .

لماذا لا يتحقق لنا التقدم على أي صعيد حتى بعد توافر مسوغاته؟! يبدو أن هناك حلقة مفقودة في معادلة التقدم تلك، فما هي يا ترى؟! فلننظر في سجلات التاريخ، لعلنا نجد حلا لتلك الجدلية المذكورة، فمن حسن حظ الراغبين في التعلم والساعين إلى تدارك أخطائهم أن الله العليم الحكيم أتاح لهم فرصة ذهبية دائمة من أجل تدارك أخطائهم ما داموا أحياء…

وعصرنا الراهن وإن كان موسوما بعصر الحداثة على الصعيد المادي، إلا أنه العصر الأكثر تراجعا على المستوى الأخلاقي والروحاني، بحيث باتت الإنسانية أشبه بمن يخطو بساق واحدة أو يبصر بعين واحدة، فأية بركة يمكن اجتناؤها من السير بهكذا ساق أو الإبصار بهكذا عين؟! قطعا ستكون تلك الساق وتلك العين مدعاة شقاء صاحبها أكثر من كونها سبب راحة له وسهولة.أفلا تنبهنا تلك الظواهر إلى ضرورة وجود علاج شاف لنقائص العصر على اعتبار أن الله تعالى ما خلق داء إلا وجعل له دواء؟! بلى، وإن الدواء وحامله لمتاحان منذ مطلع القرن الرابع عشر الهجري ومنتصف القرن التاسع عشر الميلادي. لقد أشار المسيح الموعود الذي جعل الله تعالى الشفاء التام مرهونا باتباعه، إلى دليل ضرورة العصر تأكيدا على حقية دعوته، معلنا بهذا الدليل أنه الرجل المناسب في المكان المناسب والوقت المناسب. فمجرد الظن أن إحراز التقدم ممكن دون سلوك الطريق المرسوم سلفا بيد الحكمة والقدرة الربانية، لهو ضرب من ضروب الأوهام الصبيانية، ذلك لأن الإنسانية جمعاء منذ مبعث نبيها الخاتم سيدنا محمد ثم بمبعث خادمه الأخلص ومسيحه الموعود باتت جميع وقائعها وأحداثها تدور حول محور واحد، على اعتبار أن كل نبي هو مدار أحداث قومه وشعبه

وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ ،

والعينة بينة، أكان بنو إسرائيل يُشتتون في الأرض مع إيمانهم بمسيحهم الناصري؟ أوكانت فلسطين تضيع من أيدي المسلمين ويُشتت أهلها مع إيمانهم بالمسيح المحمدي الموعود؟! أوكانت الحربان العالميتان الأوليان تنشبان مع إصغاء الأطراف المتناحرة لصوت ذلك المسيح الموعود في مؤتمر الأديان الأعظم في لاهور بالهند عام 1896م، وصوت خليفته الثاني في مؤتمر الأديان الحية في ويمبلي، لندن 1924م؟! قُتِلَ الْإِنْسَانُ، مَا أَكْفَرَهُ! إنه يتوق إلى الشفاء، مع عزوفه عن تناول الدواء، والدواء جاء بمجيء المسيح الموعود الذي قال عن نفسه:وَقَدْ اِقْتَضَتْ زَفْرَاتُ مَرْضَى مَقْدَمِي فَحَضَرْتُ حَمَّالاً كُؤُوسَ شِفَاءِفهذا العدد عزيزي القارئ، مسلما أحمديًّا كنت أو لم تكن، هو تذكير جديد بمبعث المسيح الذي انتظره البؤساء جالبا لهم الشفاء من الله الشافي ، بل وليحييهم من موت طال أمده قرونا، فأحيا الله المحيي بيدي مسيحه دين الإسلام، ولغة القرآن، واستخرج بيديه معارف ما كان لفقيه أو مفسر أو محدِّث أن يبلغها ولو بشق الأنفس، وكيف لا وقد نزل بمتاع الإيمان المفقود من الثريا إلى الثرى تارة أخرى؟! وفي خطبة أمير المؤمنين أيده الله تعالى بنصره العزيز التي ننتقيها من أرشيف خطب حضرته نطلع على العديد والعديد من دواعي بعثة المسيح الموعود في عصر الحداثة هذا المثقل بمصائب الفقر والجهل والمرض والجوع والنكبات التي كان أَجَلّهَا نكبة الناس في دينهم وعلاقتهم بباريهم عز وجل. كذلك ثمة باقة من المواضيع ذات الصلة بهذا الصدد، وكأسرة تحرير، ندعو الله تعالى أن يجعل كل كلمة في هذا العدد في محلها المناسب، راجين إياه تعالى ينفع بها ويثيب عليها، آمين.