• عُوقب اليهود على فساد كبير  ارتكبوه.
  • ويبدو أن المسلمين أيضا سيلقوا نفس المصير.
  • العرفان الإلهي الوسيلة المثلى لنجاة الإنسان من الإثم.

لَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (117)

شرح الكلمات:
يفلحون: أفلَحَ الرجلُ: فازَ وظفِر بما طلَب. أفلَحَ زيد: نجَح في سعيه وأصاب في عمله (الأقرب).

التفسير:
اعلم أن (ما) الواردة في قولـــه تعالى لِما تصِف ألسنتُكم إما مصدرية، والمعنى: لا تقولوا بناءً على كذب لسانكم: هذا حلال وهذا حرام؛ وإما هي موصولة، والمعنى لا تقولوا عن الأشياء التي تكذب عنها ألسنتكم: هذا حلال وهذا حرام.
والمراد من ألسنتكم هنا ألسنة زعماء القوم، لأن كل القوم لا يختلقون الكذب، وإنما زعماؤهم هم الذين يكذبون فيتبعهم الجميعُ.
واللام في قوله تعالى لتفتَروا على الله الكذبَ هي للعاقبة، والمراد لا تقولوا هذا وإلا ستكون النتيجة أنكم ستصبحون في عداد المفترين على الله تعالى، لأن الله وحده يملك حق التحليل والتحريم.
ثم قال الله تعالى إن الذين يفتَرون على الله الكذبَ لا يفلحون ، وهذه حقيقة ثابتة، ولكن المسلمين لا يعيرون لها بالاً. والحق أن هذه أكبر علامة للمبعوثين من الله تعالى.

لقد نبّه الله تعالى هنا الكافرين أن اليهود قد سبق أن ارتكبوا الخطأ الذي ترتكبونه اليوم فعاقبناهم، فسوف تلقون منا نفس الجزاء الذي لقيه هؤلاء اليهود.

مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيم (118)

التفسير:
أي قد ينجو المفترون من عذاب الله لبعض الوقت، ولكنهم لا يعيشون طويلاً، بمعنى أنهم بعد إعلان وحيهم الكاذب لا يمكن أن يعيشوا مثل الفترة التي عاشها النبي بعد نشر وحيه.

وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (119)

شرح الكلمات:
قصصنا: قصَّ أثَرَه يقصُّ قَصًّا وقَصصًا: تتبَّعَه شيئًا بعد شيء، ومنه: فارتدّا على آثارهما قَصصًا أي رجعا في الطريق التي سلكاها يقصّان الأثرَ. وقصَّ عليه الخبرَ والرؤيا: حدّث بهما على وجههما، ومنه: نحن نقصّ عليك أحسنَ القصص .. أي نبيّن لك أحسنَ البيان (الأقرب).

التفسير:
لقد نبّه الله تعالى هنا الكافرين أن اليهود قد سبق أن ارتكبوا الخطأ الذي ترتكبونه اليوم فعاقبناهم، فسوف تلقون منا نفس الجزاء الذي لقيه هؤلاء اليهود.
لقد اختلف المفسرون كثيرًا في تعيين معنى قوله تعالى مِن قبلُ ، فقال بعضهم إنه إشارة إلى المحرمات المذكورة في سورة الأنعام (تفسير مجمع البيان). ولكن هذا خطأ، إذ قد ورد في سورة الأنعام: قل لا أجد فيما أُوحيَ إليّ محرَّمًا على طاعمٍ يَطعمه (الأنعام: 146)؛ فكلماتُ فيما أوحيَ إليّ تدل أنه حتى قبل نزول سورة الأنعام كانت هناك أحكام نزلت في شأن التحريم. إذن فقوله تعالى من قبل لا يمكن أن يُعتبر إشارةً إلى المحرمات المذكورة في سورة الأنعام.
وهنا نواجه مشكلة أخرى وهي أن هذه المحرمات الأربع ذُكرت في أربع سور فقط: في سورة البقرة وهي مدَنية، وفي سورة المائدة وهي أيضًا مدنية حيث نزلت في أواخر الفترة المدنية (انظر الرازي، تحت قوله تعالى: ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم…)، وهنا في سورة النحل المكية التي تقول إن هذه الأحكام قد قصصناها من قبل، وفي سورة الأنعام المكية التي أشارت إلى نزول هذه الأحكام في الوحي السابق. فلا يمكن أن تكون كلٌّ من السورتين (أي سورتَي النحل والأنعام) تشير إلى الأخرى، لأن كل واحدة منهما لا يمكن أن تكون قبل الأخرى. والمشكلة الأخرى أننا لا نجد هذا التحريم في أي سورة مكية أخرى.
والمفسرون إما لم يهتموا بحل هذا اللغز، وإما أنهم لم يأتوا بأدلة مقنعة. فمثلاً قال بعضهم أن هذا إشارة إلى سورة المائدة. وهذا خطأ، لأن المائدة مدنية (تفسير القرطبي).
أما الإمام الرازي فقال: إن سورة الأنعام هي أول السور التي نزل فيها هذا التحريم، وإن آيتها وقد فصّل لكم ما حُرّم عليكم إشارةٌ إلى آيتها الأخرى الواردة بعدها بقليل قُلْ لا أجد فيما أوحيَ إلي محرَّمًا على طاعم يطعَمه (انظر تفسير الرازي: سورة الأنعام).
ولكن جواب الرازي هذا ليس بصحيح، لأن الآية التي يعتبرها الرازي مشارًا إليها أيضًا تقول لا أجد فيما أوحي إلي ، مما يعني أنها ليست بأول آية نزل فيها التحريم، بل هناك آية أخرى هي أسبق منها نزولاً وفيها جاء هذا الحكم.
أما صاحب «فتح الباري» فقد رد عليه بجواب غريب ذي قيمة، وعندي أننا لو لم نجد حلاًّ آخر لهذه المعضلة لكان هذا الرد أنسب جواب. إنه يقول: إن هذه الآية من سورة الأنعام تشير إلى سورة المائدة. لا شك أن «الأنعام» أسبق نزولاً من «المائدة»، غير أن «المائدة» كانت في علم الله أسبقَ من «الأنعام» من حيث الترتيب النهائي للمصحف، لذلك قد أشار الله تعالى إليها وكأنها قد سبق نزولها، وهكذا برهن على أن ترتيب المصحف الحالي توقيفي أي بأمر الله تعالى.
إن هذا الجواب غاية في اللطف والشفافية ويمكن أن يساعد على حل الآيات الصعبة الأخرى، إذ مما لا شك فيه أن السورَ الأسبقَ نزولاً والآخِرَ ترتيبًا في المصحف تحلّ في أحيان كثيرةٍ غوامضَ السور التي هي آخر نزولاً وأسبق ترتيبًا في المصحف. فمثلاً إن سورة الإسراء تفصّل بعض المسائل المذكورة في سورة النحل، مع أن «الإسراء» أسبقُ من «النحل» نزولاً وآخِرُ ترتيبًا في المصحف. وهذا يشكّل برهانًا ساطعًا على الإعجاز العلمي للقرآن الكريم.
غير أننا لسنا بحاجة إلى مثل هذا الجواب هنا، إذ بوسعنا أن نحل هذه المعضلة سائرين مع الترتيب الطبيعي لنـزول آيات القرآن الكريم أيضًا. وبيان ذلك أنه ثابت من القرآن نفسه أن سورة النحل أسبق نزولاً من سورة الأنعام، حيث نجد في «الأنعام» آيتين تشيران إلى موضوع سورة النحل؛ إحداهما قوله تعالى وقد فصّل لكم ما حرّم عليكم إلا ما اضطُررتم إليه (الآية:120)، وثانيتهما قوله تعالى قُلْ لا أَجِدُ في ما أُوحِيَ إلي مُحرَّمًا على طاعمٍ يَطعَمُه إلا أن يكونَ مَيْتةً أو دَمًا مسفوحًا أو لحمَ خِنـزيرٍ فإنه رِجْـسٌ أو فِسـقًا أُهِلَّ لِغيرِ اللَّه به (الآية: 146). كما أن التاريخ أيضًا يؤكد أن سورة النحل أسبق نزولاً من سورة الأنعام حيث ورد أن أحكام التحريم والتحليل هذه نزلت بعد حادثة الإسراء التي وقعت قبل الهجرة بفترة تتراوح ما بين ستة أشهر إلى سنة (الطبقات الكبرى لابن سعد: ذكر المعراج). كما تؤكد الأحاديث أيضًا أن سورة الأنعام نزلت كلها جملةً واحدة لا على أقساط (تفسير «الإتقان» والمعجم الكبير للطبراني). فثبت أن سورة الأنعام نزلت بعد سورة النحل وأن ما ورد في آيتي «الأَنعام» المذكورتين أعلاه إنما هو إشارة إلى ما ورد في سورة النحل نفسها.
أما السؤال: ما هو المراد من قوله تعالى مِن قبل فجوابه سهل جدًّا، ولا ندري لِم لَم ينتبه إليه المفسرون. الواقع أن مِن قبل ليس إشارةً إلى أية سورة نزلت من قبل سورة النحل وإنما هي إشارة إلى آيةٍ وردت قبل قليل في سورة النحل نفسِها، حيث قال الله تعالى فيها قبل هذه الآية التي نحن بصدد تفسيرها بآيتين: إنما حرَّم عليكم المَيْتةَ والدمَ ولَحْمَ الخنـزيرِ وما أُهِلَّ لغير اللَّه به فمَنِ اضْطُرَّ غيرَ باغٍ ولا عادٍ فإن اللَّهَ غفور رحيم (الآية: 116). إذن فقوله مِن قبل إشارةٌ إلى هذه الآية السابقة، إذ ليس ضروريًّا، لاستخدام تعبير من قبل ، أن يكون الأمر المشار إليه قد وقع قبل سنة أو سنتين، بل كثيرًا ما يقول المؤلف «لقد كتبت من قبل»، ولا يريد به كتابًا آخر له، بل يقصد به أمرًا قد مرّ ذكره في الكتاب نفسه قبل بضعة أسطر.
أما قوله تعالى وما ظلَمْناهم ولكِنْ كانوا أنفسَهم يظلِمون فهو إشارة إلى ما حُرِّم على اليهود من أشياء أخرى مثل شحوم البقر والغنم، فالله تعالى يخبر أن هذا التحريم لم يكن حقيقيًّا أبديًّا، بل فُرض عليهم عقابًا على بغيهم وظلمهم. وقد ذكر الله هذا التحريم بالتفصيل في سورة الأنعام بقوله ومِنَ البقَرِ والغَنَمِ حَرَّمْنا عليهم شحومَهما إلا ما حمَلتْ ظهورُهما أَوِ الْحَوايا أو ما اخْتَلَطَ بعَظْمٍ ذلك جَزَيْناهم بِبَغْيِهم وإنّا لصادقون (الآية: 147).

والحق أن العرفان هو الذي ينجي المرء من الإثم، أما الذين يرون الكفاية في العلم الظاهر فإنهم يقعون في المعاصي في آخر المطاف. فعلى الإنسان أن يسعى دومًا ليزداد عرفانًا أي خشيةَ الله وتقواه .

ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (120)

شرح الكلمات:
السوء: ما يَغُمُّ الإنسانَ من الأمور الدنيوية والأخروية من الأحوال النفسية والبدنية والخارجة مِن فواتِ مالٍ وجاهٍ وفَقْدِ حميمٍ (المفردات).
جَهالة: جهِله جهالةً: ضدُّ علِمه. الجهالة: ضدُّ العلم والمعرفة (الأقرب).

التفسير:
لقد أخبر الله من قبل أن اليهود ارتكبوا الظلم والعصيان فحلّتْ بهم البلايا والآلام عقابًا لهم، أما هنا فينبّههم أنهم لو تابوا الآن لوجدوا الله- رغم خطيئاتهم السابقة – غفورًا رحيمًا.
والحق أن هذا القانون ليس خاصًّا باليهود بل هو عام يشمل الناس كافة. ذلك لأن الآباء يتألمون طبعًا بحلول المصائب بأولادهم كأن يمرض أحدهم مثلاً؛ فكما أنهم يتأذون من أجلهم في الدنيا فإنهم سيتألمون في الآخرة ألمًا شديدًا لو دخل أولادهم النار. فقد ورد في الحديث الشريف أن النبي سيتألم يوم القيامة حين يرى بعضَ الناس الذين كانوا أصحابًا له في الظاهر يدخلون النار حيث قال : «إنه يُجاء برجال من أمّتي فيؤخذ بهم ذاتَ الشمال، فأقول: أُصيحابي أُصيحابي» (البخاري: كتاب التفسير سورة المائدة). فلكي ينجي الله عباده المحبوبين من هذه الآلام فإنه يعامل ذريتَهم بلطف خاص، كما صرح بذلك في قوله والذين آمَنوا واتَّبعَتْهم ذُرّيّتُهم بإِيمانٍ أَلْحَقْنا بهم ذُرّيّتَهم (الطور: 22).. أي أنه تعالى سوف يُلحِق بهم في الجنة أولادَهم وإن كان أولادهم أضعفَ منهم إيمانًا. ومن أجل ذلك نجد القرآن يَعِدُ الأنبياءَ والصالحين مرارًا بأن الله تعالى سوف يعاملهم بفضل خاص من عنده، لكيلا يتأذوا بما يصيب أولادَهم من عذاب. وبما أن القرآن الكريم يعلن: وإنْ من أمةٍ إلا خلا فيها نذير ، فثبت أن كل قوم يحظون بهذا الفضل الإلهي الخاص، ولا خصوصية لليهود في ذلك.
أما قوله تعالى للذين عمِلوا السوءَ بجهالة فاعلم أن الجهالة لا تعني هنا عدم العلم بل تعني عدم العرفان، لأن الذي يرتكب الخطأ لعدم العلم لا يعاقَب. فالمراد أن الذي يعمل السوء لعدم العرفان- أي أنه يعلم أن ذلك العمل إثم، ولكنه لقلة التقوى وخشية الله لا يضبط نفسه ويقع في السوء – يستوجب العقاب إلا أن يتوب، لأن تقاعُس المرء عن كسب التقوى رغم علمه بضرورته يُعتبر إثمًا متعمَّدًا.
والحق أن العرفان هو الذي ينجي المرء من الإثم، أما الذين يرون الكفاية في العلم الظاهر فإنهم يقعون في المعاصي في آخر المطاف. فعلى الإنسان أن يسعى دومًا ليزداد عرفانًا أي خشيةَ الله وتقواه .
واعلَمْ أن الجهالة نوعان: أبدية ومؤقتة. فمن كان فريسة للجهالة الأبدية يبقى محرومًا من العرفان كليةً، إذ لا يجد اللذة إلا في الإثم. أما الجهالة المؤقتة فقد يصاب بها حتى العارفون الذين ليسوا على درجة عالية، لأن مستوى عرفانهم يهبط في بعض الأحيان فيقعون فريسة لأهواء النفس. فقد ورد في الحديث الشريف: لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، فيخرج منه الإيمانُ فيصير فوق رأسه كالظُّـلّة . أي أن حالة قلب المؤمن لا تكون حالةَ إيمان في ذلك الوقت. وقد قال بعض الشارحين في قوله : «فيصير فوق رأسه كالظُّـلّة» أن الإيمان يشفع له عند الله تعالى.
وأما قوله تعالى ثم تابوا من بعد ذلك وأصلَحوا فأخبر فيه أن على الإنسان أن لا يكتفي بأن يتوب في قلبه فحسب، بل عليه أن يهتم بإزالة العوامل التي حملته على الإثم، حتى لا يعود لمثله أبدًا.
أما إذا كانت كلمة وأصلحوا بمعنى إصلاح الآخرين فالمراد أن عليه أن يهتم بإصلاح الآخرين أيضًا كفّارةً عن ذنوبه، ليثاب على هدايتهم، حتى إذا بقي نقص في أعماله سُدّ بهذا الأجر.