المَوْعُوْدَانِ: المَسِيْحُ، وَذَاتَ رَمَضَانِ

محمد مصطفى

كاتب
  • البر الحقيقي هو الصلة بين العبد وربه.
  • تحقق نبوءة الخسوف والكسوف.
  • جاء الطبيب لعلاج جميع أمراضنا.

واقع مرير على غير المتوقع
مع حلول شهر رمضان المبارك تراودنا كثير من الأفكار، وأفكار الناس حول هذا الشهر العظيم بين متقبل له ورافض؛ سواء أكان أولئك الرافضون من غير المسلمين أو ثُلة جاحدين من أوساط المسلمين أيضًا تُشجعهم وتُثني على توجهاتهم بناء على أفكار وموجات الإلحاد المنتشرة بين أنصار مذاهب الطبيعة واللاأدريين الذين يميلون كل الميل نحو المذاهب العلمية والعقلية المحضة، أولئك الذين رأوا أن ينتهجوا منهج الجدل العقلي في الاحتجاج فظنوا أنهم بذلك يعلمون، بينما يصفهم الله خالق العلوم فيقول:

وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (1)

وما أكثرهم في هذه الأيام. يرون في حلول موسم الصيام مناسبة مثيرة ومميزة لنقض ممارسات الصيام في الإسلام مستغلين بذلك بعض المعاناة الناجمة جراء الجوع والعطش للثني من عزم المسلمين مختلقين سلبيات صحية من عند أنفسهم افتراء، ونابرين على وتر العاطفة تجاه من يصوم، فيظهرون كأنهم المحبون والمخلصون والناصحون! ذئاب خاطفة في ثياب الحملان، فذلك الدجال يتبعه من الناس من يتبعه، زين لهم الشيطان سوء أعمالهم والله لا يهدي القوم الكافرين.

تشخيص كامل
ولا غرابة فيما نراه في أيامنا هذه من تلك الفئة فيما تبثه، فهو تمامًا كحال أيام حضرة سيدنا مرزا غلام أحمد الإمام المهدي والمسيح الموعود الذي كان قد سبق وقال:

«يا طُلاب الحق ومُحبي الإسلام الصادقين، واضح لكم أن هذا الزمن الذي نعيش فيه زمن مظلم يسوده فساد كبير في الأمور الإيمانية والعملية كلها على حدٍ سواء، وإن عاصفة الضلال الشديدة تهب من كل حدبٍ وصوب. وإن ما يُسمى إيمانًا قد حل محله بضع كلمات تُلفظ باللسان فقط. والأمور التي تُسمى أعمالًا صالحة اعتُبرت مصداقها بضع التقاليد والإسراف وأعمال الرياء. وأُهمل البر الحقيقي إهمالًا تامًا. إن الفلسفة والمذهب الطبيعي في هذا العصر أيضًا يعارضان الصلاح الروحاني بشدة، وإن جذبهما يترك على أهلهما تأثيرًا سيئًا جدًا ويدفع إلى الظلام، ويُنشّط المواد السامة ويوقظ الشيطان الراقد. إن المُلمين بهذه العلوم يُسيئون الاعتقاد بالأمور الدينية في معظم الأحيان ويحتقرون ويزدرون المبادئ التي سنها الله تعالى وطرق الصوم والصلاة وغيرهما من العبادات. لا عظمة لله في قلوبهم بل معظمهم يصطبغون بصبغة الإلحاد، والدهرية مستولية عليهم، وهم أعداء الدين مع كونهم أولاد المسلمين» (2)

لقد شخّص حضرة المسيح الموعود هنا الحالة التي سيكون من شأن علاجها -أي علاج السلبيات التي ذكرها- فتحًا للإسلام، ففيما يخُص موضوع حديثنا في هذه الأيام المباركة ومع حلول شهر الصيام نجد حضرته قصد نقاط ذات أهمية يلمسها جميعنا في أوساطنا الإسلامية بشكل عام وهي سبب بعثته ومجيئه. لقد أدرج حضرته في بداية هذا التشخيص قولًا عامًا لمّا ذكر قائلًا: «هذا الزمن الذي نعيش فيه زمن مظلم يسوده فساد كبير في الأمور الإيمانية والعملية..» فلا يغيب عن البال كيف انقلب هذا الشهر الفضيل، رمضان المُعظم من فترة زمنية هيأها الله سبحانه لخلقه بغاية الزهد وحُسن التعبد والقرب والتوكل عليه، حتى نكون أقرب شبهًا إلى الطير فيرزقنا كما يرزقها تغدو خماصًا وتروح بطانًا، فأمسى الشهر بفعل الأفاعيل الشيطانية مسخًا جراء عاصفة دنيوية شوهت معالمه وتعاليمه وانجر وراءها كثير من الناس بكل أسى، فصارت الأعمال الصالحات مجرد كلمات خاوية من مضامينها أو معانيها التطبيقية على أرض الواقع. وإذا خرج رافض مُدافع ضد هذا الكلام تجد حقيقة دفاعه إنما هي منضوية على الدفاع عن الموروث التقليدي لديه وحفظًا لماء الوجه المشوه أساسًا! فلا يخلو دفاعه عن صلاح عمله هذا من رياء وإرادة مصلحة دنيوية حتمًا. غير أنه لا بد له أن يلبسها لباس الدين ليجد مسلكه بين الناس، فتجد من اعتاد على عمل موائد الإفطار الرمضانية لإطعام الناس تحركه عادته وتقليده في الأساس وانتظار مقابل دنيوي ما ماديًا كان أو معنويًا فيقع حتمًا في تصنيف المرائين إذ أن شهر رمضان بالنسبة إليه هو في الحقيقة شهر دعائي ولا يخلو عمله فيه من أعمال المسرفين.

البر الحقيقي
طالما تطرق الآذان في هذا الشهر الفضيل.. رمضان المعظم، كلمةُ «البر الحقيقي» وذلك في سياقات متعددة، ونسمعها عبر وسائل الإعلام الإسلامية عموما والعربية منها خصوصا، كما تشنف آذاننا بها خطب المشايخ على اختلافهم وخلافاتهم على المنابر..
لقد أصبح البر الحقيقي بكل أسى وأسف في هذا الشهر الكريم مدعاة للسخرية. ولا شك أن هذه الكلمة أي «البر الحقيقي» قد فقدت مضمونها الأصلي تماما، إذ لا يتحقق من فحواها ما أراده الله ونص بقوله:

وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (3)

وذلك بعد أن نفى سبحانه أن يكون البر حاصلا من مجرد إعلان لفظي بالإسلام، كلا بل يكون فقط بتحقيق ذلك أفعالًا في واقع الحياة. فركّز على الإيمان المفقود عمومًا، والإنفاق بدون الرياء في سبيل مواساة الإنسانية، والصبر… فإذا كان البر هو الصلة بين العبد وربه، وهذه الصلة تتقوى أكثر ما تتقوى في أجواء رمضان، إذ تتوفر فيه كل ما ذكرته آية البر، فلا بد من الصدق في التعبير عنها، لا أن تُتداول وتلوكها الأفواه كالعلكة في رمضان ثم تبصقها ما أن ينتهي! فأين الاتقاء من الله في ذلك؟!

العلاج، رمضان الموعود
وفي التشخيص الكامل الذي بينه حضرة المسيح الموعود لحالة الأمة والإنسانية قوله فيما قال آنفًا:

«إن الفلسفة والمذهب الطبيعي في هذا العصر أيضًا يعارضان الصلاح الروحاني بشدة، وإن جذبهما يترك على أهلهما تأثيرًا سيئًا جدًا ويدفع إلى الظلام». وفي عالمنا العربي خاصة والإسلامي عمومًا، أصبح شهر رمضان فترة زاخرة بالموبقات والسيئات بل والكبائر التي أصبحت من العادات!! نعم، حتى أنه صار كثير من الناس والمسلمين يستغربون ويتساءلون عن مدى مصداقية الحديث «هذا رمضان قد جاء تُفتح فيه أبواب الجنة وتُغلق فيه أبواب النار وتُسلسل فيه الشياطين»(4)

فلقد صار هذا الشهر داعيًا عند كثيرين إن لم يكونوا الغالبية إلى استباحة اسم الدين وحرمته بحجةٍ واهية، بل هي عذر أقبح من ذنب ألا وهو ضيق الصدر الناجم عن جوع أو عطش أو نقص المُكيفات والمُنبهات أو قلة النوم بسبب السهر على المواد التلفزية الدنيوية المُجهزة سلفًا لملْء حيز هذا الشهر على آخره تمامًا..!!
لقد حل الظلام تماما، وأصبح تأثير خُطى الشيطان -المفترض أن يكون مُقيدًا في هذا الشهر- تأثيرًا عارمًا عامًّا.. ولمّا نقول أن الإيمان قد ارتفع ولا بد للإتيان به من رجل من الله أو رجال منه يُهيئهم الله ليجلبوه من مُرتفعه ويهيئون له المكان والإنسان ليعود الحال إلى ما يُرضي الله ويُصلح الحياة.. يقول المعاندون رغم كل مفسدة تلمسها الأيدي وتراها الأعين: «أترانا كافرين؟ أم عاجزين نحتاج إلى أوصياء على الدين؟ أوَكنا على ضلال طوال تلك السنين؟!» فنقول لهم: بلى، إنّا كنا غافلين.
ونقول مؤكدين بأن ليس رمضان المجرد في حد ذاته سيأتي بالإصلاح أو الإيمان، فلن تُقيد الشياطين من تلقاء نفسها مع دخول هذا الشهر (كما تفهمون أنتم)، إنما ذلك يحدث مع رمضان الذي عينه الله بعد فترة ظلام روحاني أحاط الدنيا وعمّها، إيذانًا بقدوم من يُلجم شياطين الإنس والجن، يقول الله:

إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ* وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ* لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ* دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ (5)

إذن إن هذا هو الإيذان بتجديد قيود الشيطان ليُسلسل ويعود مقيدًا مرة أخرى بل ويُدحر.
ففي رمضان من العام 1894 ظهرت العلامة التي حددها الله تعالى لإعادة تأهيل البشرية وأمة الإسلام وعلاجها من آفاتها التي أحاطت بها صغيرة وكبيرة، وكانت علامة بهية نقية ليس فيها تدخل يد بشر فيُساء فهمها أو قبولها، وتمثلت في تحقق نبوءة الخسوف والكسوف، والمذكورة في سنن الدارقطني: إِنَّ لِمَهْدِينَا آيَتَيْنِ لَمْ تَكُونَا مُنْذُ خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ تَنْكَسِفُ الْقَمَرُ لأَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ وَتَنْكَسِفُ الشَّمْسُ فِى النِّصْفِ مِنْهُ وَلَمْ تَكُونَا مُنْذُ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ.(6) ونجد حضرة المسيح الموعود
يتحدث معلقا على تلك النبوءة الساطعة قائلا: «لم يحدث هذا في زمن أيّ رسولٍ أو نبي منذ خلق الدنيا إنما كان حدوثه مقدرًا في زمن المهدي المعهود… ولـمَّا لم يوجد في زمن الكسوف على وجه الأرض أحد يدعي أنه المسيح الموعود إلا أنا ولم ينشر أحد مئات الإعلانات إلا أنا… معتبرًا الكسوف آيةً على مهدويته، لذا فقد ثبت أن هذه الآية السماوية قد ظهرت من أجلي أنا.» (7)
إذًا؛ لقد أتى الطبيب، الذي عينه لنا الله للقيام بعلاج جميع أمراضنا وآفاتنا التي علقت بنا وثيابنا وأرواحنا.. أتى ليعيد لرمضان رونقه الروحاني، فتعود العناية في رمضان أكثر نجاعةً ونجاحًا إذا ما التزمنا وصفة الطبيب المُختص المُعين من قبل الشافي الأعلى سبحانه.
لقد أتى هذا الرجل المبعوث، وجهز لنا مائدة روحانية متجددة لنقتات عليها، وعلمنا من الله ما لم نكن نعلم..

1. (الحج: 9)

2. (فتح الإسلام)

3. (البقرة: 178)

4. (مسند أحمد)

5. (الصافات: 7-10)

6. (سنن الدارقطني)

7. (حقيقة الوحي)