• خص إبراهيم بالذكر هنا لأن أهل مكة كانوا يعتبرونه أبا لهم.
  • السبت هنا بمعى القطع.
  • نظائر كثيرة في القرآن الكريم لحذف المضاف.
  • يأمر الله اليهود أن يدخلوا في عهد عن طريق الإسلام.

إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (121)

شرح الكلمات:
أُمّة: الأُمة: الإمامُ؛ الرجلُ الذي لا نظيرَ له؛ معلِّم للخير؛ الجامعُ للخير (التاج).
قانتًا: قَنَتَ يقنُت قُنوتًا: أطاعَ، يقال: قنَت اللهَ وقنَت لله. وقنَت له: ذلَّ. وقنَت: دعا؛ قام في الصلاة؛ أمسَكَ عن الكلام. القانت: القائمُ بالطاعة الدائمُ عليها؛ المصلّي (الأقرب).
حنيفًا: الحنيف: الصحيحُ الميل إلى الإسلام الثابتُ عليه؛ المائلُ عن دين إلى دين؛ المسلمُ، جمعُه الحنفاءُ (الأقرب).

التفسير:
لقد ذكر الله هنا عدة صفات لإبراهيم . فسمّاه أولاً أُمّةً، وله ثلاثة معان:
1- أنه كان معلّمًا للخير.
2- أنه كان جامعًا للخير إذ كان متحليًّا بسائر الأخلاق الفاضلة.
3- أنه كان ذا فطرة عالية مزودة بالقوى والكفاءات التي تُنشئ الأممَ، وكأنه كان بمثابة النواة لشجرة الأمة.
ومن صفاته الأخرى:
4- أنه كان قانتًا لله.. أي مطيعًا له، كثير الدعاء.
5- أنه كان حنيفًا.. أي كان عنده مقاومة شديدة ضد الباطل، فما كان ينثني عن الحق أبدًا.
6- أنه لم يكن من المشركين.. بمعنى أنه كان موحِّدًا كاملاً. ومفهوم التوحيد الكامل مستفاد من كون هذه الجملة جاءت بعد الصفــــــتين: قانتًا لله حنيفًا ، مما يوضح أن قوله تعالى ولم يَكُ من المشركين لا يراد به موحِّدًا عاديًّا. الحق أن المرء ذا المزايا والكفاءات بشكل ملحوظ يصاب عمومًا بالزهو والعُجب والأنانية والاعتداد بالنفس، وهذا أيضًا نوع من الشرك. فالله تعالى يخبرنا أن إبراهيم – بالرغم من كونه متحليًّا بهذه المحاسن والكفاءات – لم يزل عبدًا لربه، ولم يقع في الشرك قط بعَزْوِ أيٍّ من هذه المزايا إلى ذكائه ومهارته.

شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (122)

شرح الكلمات:
اِجْتَباه: اختاره واصطفاه (الأقرب).

التفسير:
أي أن إبراهيم كان يرى أن كل ما فيه من محاسن ومزايا إنما هو عطية ربانية، وأن كل هذه الكفاءات إنما هي هبة من الله تعالى، ولذلك كلما تألقت محاسنه ازداد شكرًا لله وإنابةً إليه سبحانه وتعالى.
من سنة الله أن الإنسان حين يتحلى بهذه الصفات الحسنة فإنه تعالى يصطفيه ليشمله بفضل خاص من عنده، ولأجل ذلك قال الله تعالى عقبَ ذلك اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم .. أي من أجل هذه المحاسن في إبراهيم أحببناه واصطفيناه لأنفسنا.
لقد قال الله في صفة هذا الصراط إنه مستقيم ليشير إلى أنه كان طريقًا مؤدّيًا إلى الله تعالى، لأن الخط المستقيم إنما هو ذلك الذي يكون بين نقطتين، وفي المصطلح الديني يكون اللهُ تعالى والعبد بمثابة هاتين النقطتين؛ فالصراط الذي يوصل العبد إلى الله تعالى هو المستقيم، أما الذي لا يوصل إليه تعالى فلا يمكن أن يوصف بالاستقامة لأنه ينحرف عن جهة النقطة التي هي الغاية.
هذا، وعلاقة هذه الآية بما قبلها هي أن الله تعالى قد نبّه المسلمين من قبل أنه سوف يمتّعهم بنعمه، فعليهم أن لا يكونوا مثل أهل مكة الذين رفضوا الشريعة السماوية أصلاً، مكتفين بما اخترعوه من عند أنفسهم من قوانين وعادات؛ كما على المسلمين أن لا يكونوا مثل اليهود أيضًا الذين اختلفوا في شريعة الله وخالفوها؛ أما الآن فيخبر الله المسلمين بما يريده منهم، فيقول: عليكم أن تكونوا كعبدنا إبراهيم، وتتصفوا بمثل صفاته، لكي نعاملكم كمعاملتنا إياه. أما كيف عامَلَ الله إبراهيم فهو مذكور في الآية التالية.

ولكن الله قد خصّ إبراهيم بالذكر هنا لأن أهل مكة كانوا يعتبرونه أبًا لهم (محاضرات تاريخ الأمم الإسلامية ج 1 ص 56). وأي شك في أن استثارة مشاعر الغيرة لدى الناس بذكر آبائهم خير سبيل لنصحهم وإصلاحهم.

وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (123)

التفسير:
يخبر الله تعالى أنه بسبب هذه المزايا وفّقنا إبراهيمَ لإحراز رقيّ عظيم في الدنيا والآخرة؛ فمنحناه حياة رخاء وراحة، وجعلناه في الآخرة من الصالحين.
واعلم أن كون إبراهيم في الآخرة من الصالحين يعني أنه سيُبعَث في الآخرة بكفاءات ملائمة تمامًا مع الترقيات العليا التي تكون في الآخرة.. بمعنى أنه سيُبعث جاهزًا لأن يفوز بأسمى النعم وينتفع بها.
وقال الله تعالى وآتيناه في الدنيا حسنةً ليؤكد أننا نحن الذين وهبنا له هذه النعم. كما بين بذلك أنه لا يمكن لأحد أن يقول بأن إبراهيم لم يحرز أي رقي مادي لذلك فلم يكن أمامه أية فرصة ليفسد! كلا، بل أعطيناه الرقي المادي أيضًا. والتوراة أيضًا تؤكد أنه بالرغم من أن إبراهيم هاجر من وطنه ولكن الله تعالى أصلح وضعه المادي، كما منحه الحُكم (تكوين 13: 2 و14 – 16)، ومع ذلك لم يبرح عاكفًا على عتبة الله .
فكأن الله ينصح المسلمين: إذا نلتم الحكم والمُلك فاعتبروا كل تقدم وانتصارٍ نعمةً إلهية وأمانةً ربانية، كما فعَل إبراهيم، ولا تكوننّ من المتكبرين.

ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (124)

شرح الكلمات:
ملة: الملة: الشريعةُ أو الدِّينُ. وقيل: الملةُ والطريقةُ سواء، وهي اسمٌ من أمليتُ الكتابَ، ثم نُقِلتْ إلى أصول الشرائع باعتبار أنها يمليها النبي، وقد تُطلَق على الباطل كـ «الكفرُ ملةٌ واحدةٌ»، ولا تضاف إلى الله ولا إلى آحاد الأمة (الأقرب).

التفسير:
لقد أوضح الله هنا نفس المعنى الذي أشرتُ إليه آنفًا، حيث نبّه المسلمين إلى ضرورة اتباع سنة إبراهيم، مؤكدًا أنه ما كان من المشركين .. أي لا تتغافلوا، أيها المسلمون، عن الإيمان بالله تعالى والتوكل عليه إبّانَ الانتصارات والترقيات.
لقد قام بعض النصارى باستنتاج خاطئ من هذا حيث قالوا إن محمدًا كان مجرد تابع لدين إبراهيم (تفسير القرآن لـِ «ويري»، وحياة محمد للسير وليم ميور ج 2ص 156).
الحق أن الآية لا تقصد هذا أبدًا، وإنما يأمر الله نبيه أن يكون كامل الشكر لله وكامل التوكل عليه كما كان إبراهيم. إنه تعالى لم يأمره أبدًا باتباع إبراهيم في الأحكام التفصيلية، وإنما فيما ذُكر أعلاه فقط. وأي شك في أن كل إنسان بحاجة إلى اتباع إبراهيم في هذا المجال، ولا غنى لأحد – بدايةً من آدم إلى آخر شخص في الدنيا – عن التحلي بهذه الصفات. والحق أن جميع أهل الله قبل إبراهيم كانوا متصفين بهذه المحاسن مثله، ولكن الله قد خصّ إبراهيم بالذكر هنا لأن أهل مكة كانوا يعتبرونه أبًا لهم (محاضرات تاريخ الأمم الإسلامية ج 1 ص 56). وأي شك في أن استثارة مشاعر الغيرة لدى الناس بذكر آبائهم خير سبيل لنصحهم وإصلاحهم.
لم يملك السير وليم ميور إلا أن يعلّق على هذه الآية قائلاً: لقد انكشف على محمد في زمن تلك الجاهلية أن الله تعالى لم يزل يرسل أنبياءه إلى جميع الأمم على مر العصور.
كذلك يُجري اللهُ الحق َّ على لسان العدو أحيانًا!

إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (125)

شرح الكلمات:
السبتُ: سبَت الرجلُ سَبْتًا: استراح. السبتُ: يومٌ من أيام الأسبوع بين الجمعة والأحد (الأقرب).

التفسير:
لقد احتار المفسرون حيرة كبيرة بسبب ذكر القرآن السبتَ هنا في سورة النحل مع أنها مكية!
وقد أجاب عليه المستشرقون بجواب غريب فقالوا: يبدو من ذلك أنه كان هناك حديث عن اليهود في هذه السورة قبل هذه الآية، ولكن الآيات التي كانت تشتمل على ذكر اليهود ضاعت من القرآن، ولذلك لا نجد في العبارة القرآنية هنا ترابطًا.
أما المفسرون فقد علل بعضهم ذلك بقوله: بما أن الله تعالى يأمر المسلمين هنا بفعل الصالحات، فأشار هنا إلى واحد من تعليماته لليهود الذين خالفوا أمر الله فعوقبوا؛ لكي يأخذ المسلمون الحيطة والحذر فيما يتعلق بأحكام الله تعالى.
أما قوله تعالى جُعل السبت فقال البعض إن تقديره: «جُعل وبال مخالفة السبت»، والمعنى: إنما نزل عقاب مخالفة السبت على الذين اختلفوا في أمره (الكشاف).
بينما قال أحد المفسرين المعاصرين أن السبت هنا بمعنى القطع (انظر بيان القرآن). ولكن هذا ليس بصحيح، لأن العرب لا يستعملون السبت بهذا المعنى في مثل هذه المناسبة ألبتة.
وعندي أن السبت هنا يعني وبال السبت. وهناك نظائر كثيرة في القرآن الكريم والأدب العربي لحذف المضاف كما حصل هنا. فالمعنى إنما وقع وبال السبت على الذين اختلفوا فيه. ولقد أكد القرآن في سورة البقرة أيضًا أن اليهود عوقبوا بسبب مخالفة السبت (الآيتان: 66و 67).
أما السؤال: ما علاقة السبت بالآيات السابقة فجوابه كالآتي: كان عند اليهود- قبل نزول القرآن بل حتى اليوم – اعتقاد بأن كل ما لاقَوه من هلاك ودمار إنما سببه مخالفتهم للسبت، وأنه لن يُكتب لهم العز والغلبة ما لم يقيموا حرمة السبت مرة أخرى. ففي قرننا هذا العشرين الذي نجد فيه المسلمين ينتهكون حرمة يوم الجمعة والمسيحيين ينتهكون حرمة يوم الأحد.. نجد لدى اليهود جمعيات دينية تدعو إلى توطيد حرمة السبت. وقد حدث أن حاول أصحابها إكراهَ الناس على احترام السبت في بعض القرى بفلسطين مما أدى إلى نشوب الفتن والفساد في أماكن عديدة.
لقد قيل لليهود في الآيات السابقة إن رقيكم منوط الآن بقبول الإسلام، لذا كان من الممكن أن يفكّروا في أنفسهم أنهم لو أسلموا فلن يستطيعوا احترام السبت الذي هو مدار رقيهم في الواقع، لأن المسلمين يحترمون الجمعة لا السبت، فكان لزامًا على القرآن أن يرد على هذه المخاوف اليهودية، وجاء الرد عليها هنا في هذه الآية، حيث يحذر الله اليهود بقوله إنما تهلك الأمم بسبب مخالفة أوامر الله تعالى، وأن اليهود لم يهلكوا من قبل إلا جراء مخالفتهم أوامرَ الله تعالى عن حرمة السبت؛ وما دام الله يأمرهم الآن أن يدخلوا معه في عهد جديد عن طريق الإسلام، فعليهم أن يدركوا أن من يخالف هذا الأمر الإلهي الجديد سيجلب على نفسه الدمار، وبالتالي لن ينال اليهود العزة مرة أخرى وإن أقاموا حرمة السبت الآن، وإنما ينالونه الآن بقبول الإسلام والعمل بتعاليمه لا غير.