• المراد من فسادهم هو إيذاؤهم عيسى عليه السلام.
  • والعقوبة هي ذلك الدمار الذي حل بهم على أيدي الرومان.
  • الفرصة للازدهار هي العمل بشرع الإسلام.

ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (7)

شرح الكلمات:

الكَرّة: كرَّ الفارسُ كَرًّا: فرَّ للجَوَلان ثم عادَ للقتال. الكَرّة: المَرّةُ؛ الحَمْلةُ في الحرب (الأقرب). فالمراد من قوله تعالى ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ أننا أعطيناكم من جديد قوةَ الهجوم عليهم.
نفيرًا: النفيرُ النَّفَرُ لما دون العشرة من الرجال؛ القومُ يَنفِرون معك ويتنافرون في القتال؛ وقيل: هم الجماعة يتقدمون في الأمر (انظُر الأقرب، واللسان).

التفسير:

يقول الله تعالى إننا بعد ذلك الدمار نجّيناكم من قبضة العدو، وآتيناكم القوة مرة أخرى.
وقد حصل حين زحف مَلِك فارس وميديا على بابل، فناصره بنو إسرائيل بأمر من نبي لهم، فحرّرهم الملك الفارسي من أسر البابليين. (وقد سبق أن سجّلتُ هذا الحادث مفصَّلا في تفسير سورة البقرة لدى ذكر سليمان وهاروت وماروت).

تشير هذه الآية إلى فساد اليهود للمرة الثانية وإلى العقوبة التي حلت بهم حينذاك. والمراد من فسادهم هو إيذاؤهم عيسى ، وأما العـقوبة فهي ذلك الدمار الذى حل بهم على أيدى الرومان بعد حادث الصليب بسبعين سنة. مما يعني أنهم قد دُمِّروا في حياة عيسى ، إذ يتضح من الأحاديث الشريفة أنه عاش 120 عامًا…

وقد سبق أن نبّأ موسى عن غلبة اليهود مرة أخرى بالكلمات التالية:
«ومتى أتت عليك كلُّ هذه الأمور.. البركةُ واللعنةُ اللتان جعلتُهما قُدّامَك.. فإنْ ردَدتَ في قلبك بين جميع الأمم الذين طردك الربُّ إلهُك إليهم، ورجعتَ إلى الرب إلهِك، وسمعتَ لصوته حسب كل ما أنا أوصيك به اليوم.. أنت وبنوك بكل قلبك وبكل نفسك.. يردُّ الربُّ إلـهُك سَبْيَك ويرحمك، ويعود فيجمعك من جميع الشعوب الذين بدّدك إليهم الربُّ إلهُك. إنْ يكن قد بدّدك إلى أقصاء السماوات فمِن هناك يجمعك الرب إلهك، ومِن هناك يأخذك ويأتي بك الرب إلهُك إلى الأرض التي امتلكَها آباؤك فتمتلكها، ويحسن إليك، ويكثّرك أكثرَ من آبائك.» (تثنية 30: 1-5)
يتضح من ذلك أن موسى قد نبّأ بعودة الأمور ثانيةً إلى مجراها بعد الدمار الأول لبني إسرائيل، كما تؤكد ذلك هذه الآيةُ القرآنية التي نحن بصدد تفسيرها.
وتفصيل هذه العودة أن الملك الفارسي- واسمه كورش، ويسمى بالإنجليزية(Cyrus)- بعد أن قام بغزو بابل سمح لليهود عام 445 ق م بالعودة من منفاهم إلى القدس جزاءً على مساعدتهم له ضد الملك البابلي. وليس هذا فحسب، بل أرسل معهم نبيهم نحميا لتعمير القدس وغيرها من الأماكن المقدسة اليهودية من جديد. كما أعطاهم ممتلكاتهم التي سلبها وأخذها نبوخذنصر البابلي معه حين غزا القدس. (عزرا 1: 1-8)
وعزرا هذا هو نفس النبي الذي ذكره القرآن باسم عُزير، والذي قال عنه اليهود عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ .

إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآَخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (8)

شرح الكلمات:

ليَسُوءُوا: ساءَه يسوءه سَوءًا: فعَل به ما يَكرهه أو أحزَنَه (الأقرب).
وجوهَكم: الوجوه جمعُ الوجه وهو: نفسُ الشيء؛ سيدُ القوم؛ الجاهُ (الأقرب).
ليتبِّروا: تبَّره أهلكَه ودمّره. تبّر كلَّ شيء كسَره وفتّته. التبارُ الهلاكُ (الأقرب).

التفسير:

تشير هذه الآية إلى فساد اليهود للمرة الثانية وإلى العقوبة التي حلت بهم حينذاك. والمراد من فسادهم هو إيذاؤهم عيسى ، وأما العـقوبة فهي ذلك الدمار الذي حل بهم على أيدي الرومان بعد حادث الصليب بسبعين سنة. مما يعني أنهم قد دُمِّروا في حياة عيسى ، إذ يتضح من الأحاديث الشريفة أنه عاش 120 عامًا، (1) وأما حادث الصلب فوقع حين كان في الـ 33 من عمره. ((A New Testament Commentary, P. 62-64
وتفصيل هذا الخراب أن الملك الرومي بعَث أحد قواده «فسباسين»(Vespasian) لقمع اليهود عقابًا على تمردهم. وبينما «فسباسين» منهمك في عملياته القمعية رأى رؤيا قرّر بناءً على ما فهم منها العودةَ إلى روما، لأن الأخبار القادمة من هنالك لا تبشر بالخير، وإنما تنذر باندلاع الفتن. ولدى عودته إلى الوطن حصلت أمور دفعت الناسَ ليختاروه ملِكًا. فعيّن ابنَه «تيطس» (Titus) أميرًا على الجيش الذي خرج لغزو فلسطين. فقام «تيطس» بغزو القدس في 70م، وأمَر بهدمها. فهدِّمت أسوار المدينة ودُمِّر معبدها، وتم القضاء على الحكومة اليهودية المتمردة. غير أن اليهود قاموا بثورة فاشلة أخرى في 135م لم تكن إلا بمثابة اضطراب الشعلة الأخيرة في الشمعة قبيل الفجر. (الموسوعة البريطانية: كلمة Jews، وتاريخ المؤرخين للعالم).
وكانت التوراة قد تنبأت عن هذا الخراب الثاني بالكلمات التالية:
«أغاروه بالأجانب وأغاظوه بالأرجاس. ذبَحوا لأوثانٍ ليستِ اللهَ.. لآلهةٍ لم يعرِفوها، أحداثٍ قد جاءت من قريب لم يرهَبها آباؤكم. الصخرُ الذي وَلَدَك تركتَه، ونسيتَ اللهَ الذي أبدَأَك. فرأى الربُّ ورَذَلَ من الغيظ بَنِيه وبَناتِه، وقال: أَحجُبُ وجهي عنهم، وأنظُرُ ماذا تكون آخرتُهم. إنهم جيل متقلبٌ.. أولادٌ لا أمانة فيهم. هم أغاروني بما ليس إلهًا. أغاظوني بأباطيلهم. فأنا أُغِيرهم بما ليس شعبًا.. بأُمةٍ غبيّةٍ أُغِيظُهم. إنه قد اشتعلت نارٌ بغضبي، فتتّقدُ إلى الهاوية السفلى، وتأكل الأرضَ وغلّتَها، وتُحرِق أُسسَ الجبال. أجمعُ عليهم شرورًا، وأُنفِذُ سهامي فيهم، إذ هم خاوُون من جوع ومنهوكون من حُمّى وداءٍ سامٍّ. أُرسلُ فيهم أنيابَ الوحوش مع حُمَةِ زواحفِ الأرض. مِن خارجٍ السيفُ يُثكِلُ، ومِن داخلِ الخدورِ الرَّعْبةُ.. الفتى مع الفتاة، والرضيعُ مع الأَشْيَب.» (تثنية 32: 16- 25)
لقد ورد هذا النبأ في التوراة بعد النبأ عن الفساد اليهودي الأول، بل بعد الوعد الذي قطع الله تعالى معهم بأنه سيأتي بهم إلى القدس بعد الفساد الأول، مما يدل على أنه نبأ عن عذاب ثان غير العذاب الأول، وقد أشار القرآن إليه في قوله تعالى لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ .

عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا (9)

شرح الكلمات:

حصيرًا: الحصيرُ: السجنُ (الأقرب).

التفسير:

بعد أن أخبر القرآن الكريم اليهودَ عما سيحلّ بهم من دمار يُريهم الآن بارقةَ أمل، حيث يقول لهم: بالنسبة للتوراة فقد شملكم الدمار الأبدي، ولكن ما زالت أمامكم فرصة للازدهار خارج الشريعة الموسوية، حيث أفسح الله لكم مجال الرقي والازدهار مرة أخرى وذلك إذا عملتم بشرع الإسلام. فانتهِزوا هذه الفرصة الذهبية، لترِثوا أفضال الله ثانيةً. أما إذا لم تغتنموها فسوف تحيط بكم العقوبات الإلهية من جديد، وستدمَّرون نهائيًا.
ما أروعَ الأسلوبَ الذي اختاره الله تعالى لنصح اليهود. فقد ذكّرهم أولاً بما ورد في كتبهم من أنباء عن هلاكهم، مبينًا لهم أن كتبهم نفسها تؤكد أن لا مستقبل لهم الآن؛ وما دامت كتبهم نفسها تقضي بهلاكهم، فالخير في أن لا يتلمّسوا الأعذار للتخلي عن الطريق المهجور الذي قد أمر الله تعالى بتركه، وإنما ينبغي لـهم أن يقبلوا الإسلام، ليرِثوا البركات الروحانية والمادية تارة أخرى.
وهناك نبأٌ في التوراة أيضًا عن هذا الطريق الجديد حيث تقول:
«وهذه هي البركة التي بارك بها موسى رجلُ الله بني إسرائيل قبل موته، فقال: جاء الربُّ من سِيناء، وأَشرقَ لهم مِن سَعيرَ، وتلألأَ من جبل فاران،(2) وأتى مع عشرة آلاف قُدّوسي، وعن يمينه نارُ شريعة لهم. فأَحَبَّ الشعبَ. جميعُ قِِدِّيسيه في يدك، وهم جالسون عند قدمك.. يتقبلون من أقوالك» (تثنية 33: 1-3). أي بواسطة النبي الذي يظهر من جبال فاران سيهيئ الله لليهود أسباب البركة من جديد. فإن شاءوا ازدهروا مرة أخرى بقبول ما جاء به من الهدى. علمًا أن هذه النبوءة وردت في التوراة بعد نبأ الدمار اليهودي مباشرةً وفي الباب التالي.

ما أروعَ الأسلوبَ الذى اختاره الله تعالى لنصح اليهود. فقد ذكّرهم أولاً بما ورد في كتبهم من أنباء عن هلاكهم…. فالخير في أن لا يتلمّسوا الأعذار للتخلي عن الطريق المهجور الذى قد أمر الله تعالى بتركه، وإنما ينبغي لـهم أن يقبلوا الإسلام، ليرِثوا البركات الروحانية والمادية تارة أخري.

ولنتذكر أن هذه الآيات كما تخبر اليهودَ أن مستقبلهم مظلم وفقًا لأنباء كتبهم، فإنها تحذر المسلمين كذلك أنه سيحلّ بهم أيضًا العذاب مرتين لسوء أعمالهم كما حصل باليهود. وقد حل أول هذين العذابين بالمسلمين حين تم القضاء على خلافة العباسيين. وكان سبب ذلك الدمار الأول هو نفس السبب الذي كان وراء الدمار اليهودي بحسب التوراة، وهو أن المسلمين عندما فتحوا فرغانة تزوجوا بفتياتها الجميلات بكثرة، وكان أهل هذه المنطقة مشركين جدًّا، فأخذت العقائد الوثنية تتسرب إلى المسلمين عبر هؤلاء النسوة، وأخذت غيرتهم الإسلامية في الضعف شيئًا فشيئًا، إلى أن زحف على بغداد شعب همجي. والغريب أن هؤلاء القوم كانوا، بسبب همجيتهم وأجنبيتهم، غرباء بالنسبة للبلاد والحضارة الإسلامية مثلما كان البابليون أجانب بالنسبة لأهل فلسطين. وقد أُزهقت في هذه المجزرة، التي نُفّـذت في بغـداد وضواحيـها، أرواحُ مليون وثمانـمائة ألف (1800000) مسلم. لقد أعد هؤلاء الغزاة قوائمَ تضم أسماء أفراد الأسرة الملكية العباسية كلهم، وبحثوا عن كل فرد منها وقتلوه (الخلافة العباسية لعبد الفتاح السرنجاوي ص 296- 297). ويقال إنه لم ينج من الأسرة الملكية إلا شخص واحد، ومن نسله كان حكام ولاية بهاولبور الهندية. ولا يوجد اليوم سواهم عائلة واحدة تنتسب إلى العباسيين. (3)
والدمار الآخر للمسلمين كان مقدرًا في الزمن الأخير، وقد بدأت آثاره تلوح في الأفق الآن. عسى ربكم أن يرحمكم وإن عدتم عدنا وجعلنا جهنم للكافرين حصيرًا – والعياذ بالله.

(1) انظْرْ كنـز العمال، فضائل أهل البيت، فصل في فضلهم، فاطمة رضي الله عنها، رقم الحديث 37732)
(2) علمًا أن فاران هي جبال مكة، التي جاء النبي لفتحها بعشرة آلاف قدوسي من صحابته. ولقد حرّفوا الآن الكلمات التي تحتها الخط في بعض الطبعات الحديثة خاصة العربية منها، ولكنها لا تزال كما هي في بعض الطبعات القديمة باللغتين الأردية والإنجليزية. انظُرْ صورة لها في آخر هذا الكتاب. (المترجم)
(3) بعد تسجيل هذه الملاحظة علِمتُ أن بعض فروع العائلة الملكية العباسية تقيم في ولاية «أُتَّر بَرْديش» الهندية أيضًا، فبعضهم أرسلوا إليّ شجرة نسبهم أيضًا. (المفسر)