• يجوز قتل بعض الناس لبعض الأسباب مثلًا الذي يهاجم الآخر بنية القتل
  • حمى بقول الله “فلا يسرفْ” حقوقَ القاتل حتى لا يُقتل بطريق مؤلم
  • يأمر القرآن بحماية أموال اليتامى

وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا (الإسراء: 34)

شرح الكلمات:
سلطانًا: السلطان: الحجةُ؛ التسلطُ؛ قدرةُ الملك (الأقرب).
فلا يُسرِفْ: أسرفَ في كذا: جاوَزَ الحدَّ فيه وأفرطَ (الأقرب).

التفسير:
كان الحديث في الآيتين السالفتين عن اثنين من أساليب القتل الخفي، أما الآن فقد أصدر الله تعالى حكمَه في القتل العلني، فقال: يجب ألا تُقتَل النفسُ التي حرّم الله تعالى قتلَها إلا بالحق.
لقد قال إلا بالحق ، لأن النفس تطلق على كل كائن متنفس، فتندرج تحتها أيضًا الحيوانات بكافة أنواعها، بل تؤكد البحوث العلمية المعاصرة أن النباتات أيضًا تتنفس (The Plant World, Vol. 5 P. 19). فجيء بهذا الاستثناء لأن قتل الأشياء الأخرى ليس محظورًا في حد ذاته، إلا في الحالات الخاصة؛ فمثلا يحرُم قتلُ أي حيوان في الحرم الشريف، كذلك يحرُم قتلُ حيوان هو مِلكٌ لأحد، كما يحرُم قتلُ الحيوانات التي هي حلال بأي طريق غير طريق الذبح. فقوله تعالى إلا بالحق حقق هدفين؛ أولهما تخصيص هذا الحكم بالناس دون غيرهم من الحيوانات، وثانيهما استثناء أولئك الذين يجوز قتلهم لبعض الأسباب، كالذي يقتل غيره، أو الذي يهاجم الآخرَ بنية القتل.
كما أُشير بلفظ إلا بالحق إلى أن قتل مثل هذا الشخص جائز فقط إذا مُنح الحق لقتله من عند الله تعالى. وكأنه يقول: كما أن النهي عن القتل صادر من عندي كذلك يجب أيضًا أن يؤخذ مني أنا الإذن لقتل أحد. وهذا الشرط الإلهي قد قلل فُرصَ الحروب، كما ضيق نطاق خيار الحكومة في إصدار عقوبة الإعدام. وعلى سبيل المثال لو قتلت القابلةُ الوليدَ بحجة أن أمه قد أمرتْها بقتله، أو لو أمَر الحاكم بقتل بريء ظلمًا، فلن يُعَدّ الحاكم أو القابلة بريئًا من الجريمة، وذلك بفضلِ شرطِ إلا بالحق ، لأن قتل نفس من النفوس إنما يجوز لأحد إذا مُنح حقَّ قتلها من قِبل خالقها فقط.
أما قول الله تعالى ومَن قُتل مظلومًا فقد جعلنا لوليِّه سلطانًا فلا يُسرِفْ في القتل ، فاعلم أن ولي المرء هو كل مَن يرثه. وكذلك الولي مَن يعيّنه المرء لتولي أموره، كما رُوي أن الأعداء حينما كانوا يتآمرون لاغتيال سيدنا عثمان عرَض عليه معاويةُ أن يجعله وليًّا له ليعرف الثوار أن هناك من يأخذ ثأره، فيرتدعوا عن قتله، ولكنه رفض عرضه قائلاً: إنني أخاف أن تقسو على المسلمين. ويُستنبط من هذا أن تعيين ولي كهذا جائز.
وأما السلطان فيعني الغلبة والحجة، فالمراد من قوله تعالى فقد جعلنا لوليه سلطانًا أننا قد منحنا وليَّ القتيلِ الخيارَ أن يشتكي إلى الحاكم فيأخذ منه حقه، ثم إذا قضى الحاكم في صالحه فله الخيار أن يقتل القاتل أو يعفو عنه. ولكن إذا أدرك الحاكم أن ولي القتيل سيعفو عن القاتل بنية شريرة فللحاكم أيضًا الحق أن يرفض العفو وينفذ الإعدام. ذلك لأن ولي القتيل إذا فشل في أداء واجبه لشرٍّ في نفسه أو لخوف من أحد فإن حق ولاية القتيل يرجع إلى الحاكم.
هذا الحكم يبقى ساريَ المفعول في قضايا القصاص كلها، ونجد خير مثال له في قرار اتخذه سيدنا علي . فلقد رأى ذاتَ مرة شخصًا يضرِب غيره، فنهاه علي عن ذلك، ثم أمَر المضروبَ أن ينتقم من المعتدي، فقال: لا، لقد عفوت عنه. فأدرك أنه امتنع عن ضرب المعتدي خوفًا منه لكونه شخصًا جبّارًا. فقال علي : لقد عفوتَ عنه تاركًا حقك الشخصي، ولكني أمارس الآن حقَّ الجماعة. ثم أمر بضرب المعتدي بمثل ما اعتدى على غيره.
أما قوله تعالى فلا يُسرِفْ في القتل فقد حمى به حقوقَ القاتل. ذلك لأن كثيرًا من الاعتداءات تقع عند القصاص، فمثلا يُقتل القاتل بطريق مؤلم جدًّا كأن يستخدم الجلاد سلاحًا غير حادّ مثلاً، أو أن يصرّ وليُّ القتيل على إعدام القاتل بينما يكون العفوَ عنه هو التصرف الأمثل.
كما أن في قوله تعالى فلا يُسرف في القتل إيماءةً إلى أنه بالرغم أن قتل النفس بالنفس هو القانون العام، إلا أنه يجب على أولياء القتيل ألا يصرّوا على القتل في كل حال، وألا يتمادَوا في مسلسل القتل، وإنما عليهم العفو عن القاتل إذا ما رأوا بارقة أمل ولو ضئيلة لإصلاحه.
الواقع أن الإسلام قد أرسى بهذا الحكم الأساسَ لأمن البلاد. إن سلام العالم إنما ينعدم نتيجة أحد السببين: أولهما عدمُ عقاب القاتل، وثانيهما إعدامه بطريقة عشوائية دون روية وتدبر. والحق أن العفو في بعض الحالات هو الأدعى والأنجع لتوطيد الأمن. ولكن القانون الرائج حاليًّا لا يمنح لأولياء القتيل خيارًا كهذا، بل ينصّ على قتل النفس بالنفس في كل حال، مما يقضي على أمن البلاد، ويزيد نيران العداوة لهيبًا. ولو أنهم عملوا بتعليم الإسلام لقلََّت حالات القتل بشكل ملموس، ولتلاشى التباغض إلى حد كبير.
ولا يغيبنّ عن البال أنه من المحظور شرعًا أن يتولى الإنسان بنفسه إدانةَ أحد ثم ينفذ فيه العقوبة من تلقاء نفسه. ومن يفعل ذلك اعتُبر مسرفًا في القتل. ورد في الحديث أن شخصًا قال: «يا رسول الله، إن وجدتُ مع امرأتي رجلاً أُمهِلُه حتى آتيَ بأربعة شهداء؟ قال: نعم» (مسند أحمد ج 2 ص 465).. وقوله: أُمهله يعني هل أنتظر ولا أقتُله، بل آتي بأربعة شهداء؟! وفي رواية أخرى أن النبي قال لـه: لو قتلتَه بنفسك لارتكبت جريمة القتل.

إن سلام العالم إنما ينعدم نتيجة أحد السببين: أولهما عدمُ عقاب القاتل، وثانيهما إعدامه بطريقة عشوائية دون روية وتدبر. والحق أن العفو في بعض الحالات هو الأدعى والأنجع لتوطيد الأمن. ولكن القانون الرائج حاليًّا لا يمنح لأولياء القتيل خيارًا كهذا، بل ينصّ على قتل النفس بالنفس في كل حال، مما يقضي على أمن البلاد، ويزيد نيران العداوة لهيبًا.

وهذا ما يؤكده قوله تعالى إنه كان منصورًا ، لأن معناه أن ولي القتيل سوف يتلقى النصرة من قبل الدولة؛ لذا عليه ألا يدين بنفسه أحدًا، ولا يأخذ بيده تنفيذ الإعدام، وإنما يقتصّ بوساطة الدولة.
كما أن قوله تعالى إنه كان منصورًا تأكيد لقوله تعالى فلا يُسرِفْ في القتل ، حيث ذكّر وليَّ القتيل أن من واجبه هو الآخر إقرار الأمن في المجتمع. فلا ينبغي له أن يعتدي عند الانتقام، متذكرًا بأن الله تعالى قد قام بحماية حقوقه، فمن واجبه هو أيضًا أن يراعي حقوق الآخرين، ولا يعتدي على أحد فيُخلّ بنظام الدولة التي دافعت عن حقوقه.

وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (الإسراء: 36)

شرح الكلمات:
العهد: الوصيةُ؛ الـمَوثِقُ؛ اليمينُ يحلف بها الرجل؛ الذي يكتبه ولي الأمر للولاة إيذانًا بتوليتهم (الأقرب).

التفسير:
يصير الأطفال أيتامًا على العموم نتيجة الأحداث المفاجئة بما فيها القتل والأوبئة وغيرهما، ذكّرنا الله تعالى هنا بحقوق اليتامى بعد أحكام القتل الذي يجعل الأطفالَ أيتامًا في العائلتين: عائلة القتيل وعائلة القاتل بعد تنفيذ الإعدام فيه. فيوصينا الله عز وجل: ولا تقرَبوا مالَ اليتيم إلا بالتي هي أحسنُ .. أي هناك طريق واحد فقط للتصرف في مال اليتيم، وهو أن يؤدي هذا التصرف إلى زيادة هذا المال حتى ينتفع منه اليتيم. فكأنه تعالى يقول: لا ننهاكم عن التصرف في أموال اليتامى بطريق محرم فحسب، بل نأمركم بالتصرف فيها بحيث تزدهر تلك الأموال لصالح أصحابها الأيتام.
لقد بين القرآن الكريم هنا مبدءًا آخر من مبادئ النظام الإسلامي يميز الإسلام عن الديانات الأخرى. فكل دين آخر يأمر بحسن معاملة اليتامى، ولـكن ليس ثمة دينٌ يوصي بحماية أموال اليتامى واستثمارها. فكأن هذه الآية توصينا بتشكيل لجنة عامة لحماية أموال الأيتام غير البالغين. إن البلاد الغربية تعمل بهذا المبدأ في هذه الأيام، ولكن الإسلام هو الذي وَضَعَ نواة هذه الفكرة أول مرة قبل ثلاثة عشر قرنًا.
واعلم أن قوله تعالى حتى يبلُغ أشدَّه لا يعني أن أكل أموال اليتيم جائز إذا ما شبَّ وتَرعرَعَ! ذلك لسببين: الأوّل أن البديهي أن اليتيم إذا بلغ سنَّ الرشد فلن يسمح لأحد بأكل أمواله؛ والثاني أنه لا يُعقل أن يُشرف أحد على أموال اليتيم مستثمرًا إياها ما دام اليتيم غير قادر على التصرف السليم فيها، ثم يبدأ في أكل هذه الأموال وإتلافها حين يصبح اليتيم بالغًا قادرًا على التصرف السليم! الحق أن الإسلام لا يسمح بأكل مال أحد يتيمًا كان أو غيره، إذن فهذه وصية ربانية لولي اليتيم أو للحاكم ألا يبرح محافظًا على أموال اليتيم ولا يتخلى عن أداء هذا الواجب قبل بلوغ اليتيم سن الرشد وكمال الشباب حيث يكون قادرًا بنفسه على حماية أمواله. فمثلاً لا يجوز للولي أن يقول عند بلوغ اليتيم الثانيةَ عشرة من عمره مثلاً: لقد كبر هذا بما يكفي، وليَتَوَلَّ الآن حمايةَ أمواله بنفسه.
كما أن قوله تعالى هذا يتضمن الإشارة أيضًا إلى أن اليتيم إذا ما بلغ سنَّ الرشد والعقل بحيث يصبح قادرًا على حماية أمواله بنفسه، فيجب ألا يظل وليه قابضًا على أمواله بحجة أنه ما زال صبيًا غريرًا.
إذًا فبقوله تعالى حتى يبلُغَ أَشُدَّه نهى الأقاربَ والحاكمَ من أن يسلكوا أيًّا من هذين الطريقين الضارَّين باليتيم. فكثيرًا ما نرى أن أقارب اليتيم يملّون من مساعدته بعد فترة ويتخلَّون عنه، مما يضره اقتصاديًّا؛ أو أنهم لا يعطون اليتيم حقَّه رغم بلوغه سن الرشد والشباب. وما أكثرَ ما نرى مثل هذه المشاهد في الولايات الهندية، حيث يكون الأمير اليتيم قد بلغ سن الرشد والعقل، ولكن كبار الموظفين الإداريين لا يسلّمون له السلطة بحجة أنه لا يزال غير بالغ أو غير عاقل، ولا يريدون بذلك إلا تحقيق مآربهم الشخصية.
وقوله تعالى وأَوفُوا بالعهد يبدو لأول وهلة غيرَ متناسق في سياق الحديث عن اليتامى، إذ لا نرى في الظاهر أي شيء من العهد في حق اليتيم؛ ولكن الحقيقة ليست هكذا، وذلك للأسباب الآتية:
أوّلاً: لأن العهد يعني المسؤولية أيضًا، يقال: فلان وليُّ العهد.. أي سيتولى مسؤولية الحكم؛ وعليه فالمراد من هذه الجملة: عليكم بأداء مسؤوليتكم تجاه اليتامى ورعاية أموالهم ما داموا بحاجة لذلك، ورُدُّوا إليهم أموالهم في الموعد المناسب.
كما أن قوله تعالى وأوفُوا بالعهد إيماءة إلى أن حماية أموال اليتامى ليست منّةً عليهم وإحسانًا إليهم، بل هو أمر من أوامر الله تعالى ومبدأ من مبادئ نظام الإسلام؛ فلا تظنوا أنكم تُسدون بذلك معروفًا إلى اليتامى، وإنما عليكم القيام به باعتباره فرضًا واجبًا عليكم.
وثانيًا: بما أن اليتيم لا يستطيع أن يسأل وليَّه عما يحصل في أمواله من نقصان أو زيادة، لذا اعتبر الله تعالى رعاية أموال اليتيم كعهد معه ، لكيلا يأكلها أحد ظنًّا منه أن ليس هناك من يسأله عنها. فقال : إذا أكلتموها فأنا سأحاسبكم.
وثالثًا: قد يندرج ضمن الأيتام أيضًا مَن ليس يتيمًا بالمعنى الحرفي، ولكن حاله كحال اليتامى، مثل الأقوام الضعيفة التي تضع نفسها تحت مظلة الأقوام القوية. فالله تعالى يذكّرنا هنا بحماية حقوق هؤلاء الضعفاء أيضًا، ويقول: إن بعض الأقوام يكونون بمثابة اليتامى، فإذا صارت حقوقهم في قبضتكم فمن واجبكم الإشراف عليها؛ ولكن لا تستولوا عليها للأبد بحجة الإشراف عليها، بل إذا لمستم فيهم الكفاءة لحماية حقوقهم وأموالهم فرُدُّوها إليهم.
لو أن الدنيا عملت بهذا التعليم لتلاشت كليةً هذه الكراهية والتنافر التي تتولد بين شتى الأقوام في هذه الأيام. لا شك أن الأقوام القوية تضطر في بعض الحالات لتولّي أمور الأقوام الضعيفة حفاظًا على حقوق الأخيرة، ولكن من واجب الأقوام القوية أن تردّ إلى الضعيفة أموالها وحقوقها لتتصرف فيها بحرية بمجرد أن تتولد فيهم الصلاحيةُ والكفاءة لإدارة أمورهم، ويجب أن ينتهوا عن أي تصرّف في بلاد الضعفاء وأموالهم.