التاريخ: 2014-04-04

لا تشبعوا من شراب حب الله تعالى

حضرة مرزا مسرور أحمد (أيده الله)

حضرة مرزا مسرور أحمد (أيده الله)

الخليفة الخامس للمسيح الموعود (عليه السلام)
  • معيار الحب الحقيقي لله عز وجل
  • المواساة العامة لخلق الله
  • العدل والإحسان وأنوا ع الطاعات
  • درجة الحب الذاتي لله
  • حقيقة الاستغفار
  • استيلاء الذنب على العبد وسبل النجاة
  • وسيلة التقرب إلى الله ولقاءه
  • غاية الحب ذاته وليست نتيجته
  • شهادة الحب الصادق والدين الحق

أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك لـه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد فأعوذ بالله من الشيطان الرجيم. بسْم الله الرَّحْمَن الرَّحيم * الْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمينَ * الرَّحْمَن الرَّحيم * مَالك يَوْم الدِّين* إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإيَّاكَ نَسْتَعينُ * اهْدنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقيمَ * صِرَاط الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْر الْمَغْضُوب عَلَيْهمْ وَلا الضَّالِّين . (آمين)

سأقدم اليوم بعض المقتبسات من كلام المسيح الموعود المتعلقة بحب الله تعالى التي بيّن فيها حضرته حقيقة حب الله وتعريفه، وذكر أساليب نيل حبه عز وجل وسره وفلسفته العميقة، وبيّن أيضا ما كان يتوقعه منا نحن الذين نؤمن به وننتمي إلى جماعته، وكيف يجب أن نسعى للحصول على حب الله وماذا ينبغي أن يكون معيار هذا الحب. لذا فإنّ كل مقتبس مما سأقرأه عليكم جدير بالتأمل، وهو بمنـزلة سراجٍ ينير دروبنا، لذا يجب أن تسمعوها بإمعان شديد لكي نفهم مضمون الحبّ الإلهي ونزداد حبًّا لله دائما ونصلح أنفسنا.
يقول المسيح الموعود :

“اعلموا أن الحب لا ينشأ بالتصنّع والتكلّف، بل هو قوةٌ من القوى الإنسانية، وحقيقته أن ينجذب القلب إلى شيء يُعجبه، وكما أن خواص كل شيء تظهر ببداهة عند بلوغه الكمالَ، فالحال نفسه للحب أيضا، إذ تتبيّن ميزاته بجلاء عند بلوغه أتمَّ الدرجات وأكملها، فالله تعالى يقول: أُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ أي أنهم أحبوا العجل لدرجة كأنهم أُشرِبوه كالشراب. والحقيقة أن الإنسان حين يحب أحدا حبا كاملا فكأنه يشربه أو يأكله، ويصطبغ بأخلاقه وسلوكه، وبقدر ما يحبه يصبح مظهرا لحبيبه. وهذا هو السر في اكتساب مُحب الله النورَ الإلهي ظليا بحسب قدراته. أما الذين يحبون الشيطان فيكسبون الظلام الذي في الشيطان.”

إذًا، يقول المسيح الموعود بأن سر الحب هو أن ينصبغ المرء بصبغة صفات الله تعالى لأنه ما لم يعلم المرء صفات الله تعالى لا ينال المعرفة. والمعلوم أن الإنسان عندما يتقدم بعد نيل معرفة الله وينصبغ بصبغة الله عندئذ يكتمل حبه لله تعالى لأن معرفة صفاته تعالى فقط لا تكفي بل يجب الانصباغ بصبغتها أيضا، عندها فقط ينال المرء نور الله تعالى.

“الحب يقتضي بالضرورة أن يُعجَب الإنسان بشمائل حبيبه وأخلاقه وتعبُّده بصدق القلب، وأن يسعى بالروح والقلب للتفاني فيها، لينال بالتفاني في حبيبه الحياةَ التي يتمتع بها حبيبه، فالمحب الصادق يتفانى في حبيبه، ويتجلى من خلال حبيبه، ويعكس صورته في نفسه وكأنه يشربه، ويقال إنه بالتفاني فيه والاتصاف بصفاته وبالتمسك به يبرهن للناس على أنه في الحقيقة قد ذاب في حبه.”

ثم يقول موضحا معيار الحب – علما أن قسًّا يُدعى “فتح مسيح” أثار بعض الاعتراضات فقال المسيح الموعود ردّا عليه:

“ثم اعترضتَ أن المسلمين لا يحبون الله أيضا حبًّا خاليا من المصالح، ولم يعلَّموا أن الله جديرٌ بالحبِّ لمحاسنه الذاتية. أما الجواب: فليتضح أن هذا الاعتراض يرِد في الحقيقة على الإنجيل، لا على القرآن الكريم، لأن الإنجيل لم يعلِّم قط أن يحبّوا الله حبا ذاتيا، ويعبدوه بدافع الحب الذاتي، أما القرآن الكريم فزاخرٌ بهذا التعليم؛ فقد قال بصراحة فَاذْكُرُوا اللهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا (البقرة: 201) وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا للهِ أي من مزايا المؤمنين أنهم لا يحبون آباءهم ولا أمهاتهم ولا أحباءهم الآخرين ولا أنفسهم حبَّهم لله . ثم قال: حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ ثم قال إنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى . هذه الآية تتحدث عن حق الله وحق العباد، وكمال بلاغتها أن الله تعالى صرح فيها عن نوعَي الحقوق كليهما”. (نور القرآن، الخزائن الروحانية المجلد9، ص430-436)

(لقد بيّن المسيح الموعود بوضوح في كتاب نور القرآن الذي اقتبستُ منه هذا المقتبس، وذكرَ حقوق العباد أولا ووضَّح أن المراد من ذلك أن يُشفق المؤمنُ على الكفار أيضا ويواسيهم جيدا إذا اقتضت الحاجة إليها ويتعاطف معهم في أمراضهم الروحانية والجسدية. هذا هو المراد من أداء حقوق العباد. لقد رُدّ هنا أيضا على سؤال: كيف يمكن حبّ الكفار. يعترض بعض الناس ويقولون بأننا نحن (الأحمديين) نقول: “الحب للجميع ولا كراهية لأحد” ولكن كيف يمكن ذلك. فقال المسيح الموعود أن المراد من مواساته هو إصلاحه وسد حاجاته وليس المراد من مواساته تأييده في معتقداته الشركية أو اختيار معتقداته.

إن الذنب في الحقيقة سمّ ينشأ حين يكون الإنسان محرومًا من طاعة الله ومن الحب الإلهي المتدفق، وحين يكون عديمَ الحظ من ذكرِه بحب. وكما أن الشجرة التي تجتث من الأرض لا تبقى قادرة على امتصاص الماء من الأرض وتبدأ بالجفاف يوما بعد يوم وتدمَّر خضرتها كلها، كذلك هو حال الإنسان الذي يتخلى قلبه عن حب الله فيستولي عليه الذنب كالجفاف.

فإذا كان المؤمن يحب مؤمنا على الوجه الحقيقي فإنّ المراد منه أن يحب سلوكه الحسن ويختار حسناته وينصحه بترك السيئات إذا كان يرتكبها. أما المواساة العامة فيجب أن يبديها المؤمن لخلق الله كلهم. ولكن ليس المراد من الحب هنا أن يختار المرء سيئات أحد بعذر أنه يحبه كثيرا. ثم ذكر المسيح الموعود حقوق العباد بما فيها إطعام الجياع وتحرير العبيد وأداء ديون المدينين وحمل أعباء المنكوبين. ثم جاء في الكلام ذكر العدل أيضا ضمن حقوق العباد وقيل بأن بعد العدل تأتي مرحلة الإحسان أي يجب أن تحسنوا إلى الجميع بغض النظر عن الدين والملة. هذه هي حقوق العباد أي أنْ يحب المؤمن البشر بوجه عام بدافع الحب ولنيل رضا الله تعالى لأن الأولوية هي لحب الله دون غيره)
ثم قال :
وأما معنى الآية بخصوص حق الله فهو أن تطيع الله مراعيا العدلَ، لأن الذي خلقك وربّاك ولا يزال يربيك كل حين وآن يستحق أن تطيعه. ولو كانت عندك بصيرةٌ أكبر فعليك أن تطيعه ليس لمجرد مراعاة الحق بل بمراعاة الإحسان، لأنه محسنٌ، وإحساناتُه ومننه لا تعدّ ولا تحصى. وواضح أنّ فوق العدل درجةً يُراعى فيها الإحسانُ أيضا عند الطاعة، ولما كان المرء يلاحظ كل حين وآن صورةَ المحسن وشمائلَه وخصاله ويطّلع عليها وهي تظل ماثلةً أمام ناظرَيه، لهذا فإنّ مِن تعريف الإحسان أن يعبد الله كأنه يراه.
(أي أنّ الإنسان يتذكر إحسانات اللهَ تعالى عندما يراها، وعند تذكّر الإحسانات يمثل أمامه شكل المحسن. فقال أن المراد من إحسان الله أن تعبدوه كأنكم ترونه)
ثم قال : “إنّ مطيعي الله ينقسمون في الحقيقة إلى ثلاثة أقسام:
أولا: الذين لا يلاحظون الإحسان الإلهي جيدا لكونهم محجوبين وغير ناظرين إلا إلى الأسباب”.

لا تشبعوا من شراب حب الله تعالى. ما لم يدرك المرء أنه قد بلغ من حب الله تعالى بحيث يستطيع أن يسمى عاشقا له فيجب ألا يألو جهدا ولا يتأخر، بل يمضي قدما، ولا يُبعد هذه الكأس من فمه، ويكون دائم القلق والاضطراب والوله من أجلها. وما لم يبلغ هذه الدرجةَ فلا يصلح لشيء. يجب أن يحب الله تعالى بحيث لا يبالي بشيء إزاءه، فلا يطمع في شيء آخر ولا يخاف سواه.

(أي أنّ الله تعالى وراء الحجب وليس ظاهرا حتى يُرى بشكل الإنسان، أما الأسباب المادية فتكون ماثلة للعيان ويعلم الإنسان عنها أيضا ويحسّ بها. وعندما تكون الأشياء المادية أمام الإنسان فلا يشعر في كثير من الأحيان أنّ لها خالقا وهو الله لذا يبدأ الإنسان بحب الأشياء المادية أكثر من المفروض. ثم قال بأن هؤلاء الناس على ثلاثة أقسام، أولا أولئك الذين لا يقدِّرون إحسانات الله حقّ التقدير لأنه تعالى يكون وراء الحجب، أما الأسباب المادية فتكون ظاهرة أمامهم) يتابع المسيح الموعود قائلا:

“ولا يتولد فيهم الحماسُ الذي ينشأ نتيجة النظر إلى عظمة الإحسان، كما لا يتحرك فيهم الحبُّ الذي ينشأ نتيجة تصوّر المنن العظيمة للمحسن، ويسلِّمون بحقوق الخالق لمجرد النظرة الإجمالية إليه.”

أي لا يعترفون بإحسان الله إليهم حقيقة بل لكونهم مؤمنين بوجه عام ويدّعون أنهم مسلمون فيعترفون بحق الله بأنه خلقهم. يقول :

“ولا يلاحظون أبدا تفاصيل الإحسان الإلهي التي إذا ألقى المرء عليها نظرةً دقيقة يصبح ذلك المحسنُ الحقيقي ماثلا أمام عينيه. (أي يقولون بوجه عام أننا نؤمن بالله ونحبه ولكن عندما يستفيدون من الأشياء المادية عندئذ يُهملون إحسانات الله ويركّزون ويتوجهون إلى المنافع الدنيوية فقط)ذلك لأن حجاب عبادة الأسباب يمنعهم من رؤية الوجه الكامل لذلك المسبِّب الحقيقي. (أي عندما يستفيد الإنسان من المنافع الدنيوية تغشاه تلك المنافع بحيث لا يرون من ورائها وجه الله الذي هو خالق تلك الأسباب، وإن عبادتهم للأسباب تمنعهم من رؤية وجه الله المسبب الحقيقي) فلا تتوفر لهم النظرة النقية التي يمكن أن يروا بها جمال المعطي الحقيقي بالكامل. (أي من المعلوم أن المعطي الحقيقي هو الله وحده الذي يهب الناس كل شيء ولكنهم لا يرون حسنه) فمعرفتهم الناقصة تكون مشوبة بِكَدَرِ تعلّقهم بالأسباب. فبسبب ذلك وعدمِ قدرتهم على مشاهدة مِنَن الله لا يعيرون الله التفاتا تتطلبه مشاهدةُ المنن، التي بها تمثُل صورة المحسِن أمام العين بل تكون معرفتُهم باهتة. وسبب ذلك أنهم يتَّكلون على جهودهم وأسبابهم، بالإضافة إلى ذلك يؤمنون أيضا تكلُّفًا بأن حق الله واجب عليهم لكونه خالقَهم ورازقهم، ولما كان الله لا يكلِّف نفسًا إلا وُسعها من الفهم، لهذا يطالبهم بأن يشكروا حقوقه ما داموا في هذه الحالة، وإن المراد من العدل في: إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ هذه الطاعةُ بمراعاة العدل”. (لأنهم ليسوا حائزين على معرفة كاملة بخالقية الله تعالى ورازقيته، وإن كانوا يقولون ذلك بلسانهم لذا يعاملهم الله أيضا بحسب حالتهم وبقدر شكرهم لأن هذا ما يقتضيه عدله أن يعطيهم بهذا القدر، لأنهم يرون هذا القدر من العمل كافيا لهم) “لكن هناك درجة أكبر لمعرفة الإنسان، وهي كما بيّنا آنفا أن يتمكن نظر الإنسان فيها من رؤية يد فضل الله ومنته منـزَّهًا وطاهرًا كليًّا من رؤية الأسباب. وفي هذه المرتبة ينسلخ الإنسان عن حُجب الأسباب تماما، وتبدو الأسباب باطلةً تماما كبطلان الأقوال التالية: كانت مزرعتي جيدة وكان الحصاد جيدا بسبب سقايتي، أو قد حققتُ نجاحا وأرباحا بقوة ساعدي، أو بفضل فلان تحقق لي المطلبُ الفلاني، وبفضل اعتناءِ فلان نجوتُ من الهلاك. ويرى الإنسان ذاتا واحدة وقدرة وحيدة ومحسنا وحيدا ويدا وحيدة، وعندئذ يتمكن المرء من مشاهدة مِنن الله بنظرة صافية لا تشوبها أدنى شائبة من الشرك في الأسباب. وهذه المشاهدة يقينيةٌ وصافية بحيث لا يظن أن ذلك المنّانَ غائب عن عينه عند عبادته، بل يعبده يقينا منه بأنه حاضرٌ، وهذه العبادةُ سُميت في القرآن الكريم إحسانا، وهذا هو المعنى الذي بيّنه النبي نفسُه للإحسان حصرا في الصحيحين.
وبعد هذه الدرجة هناك درجة أخرى تسمى “إيتاء ذي القربى” وتفصيل ذلك أن الإنسان حين يلاحِظ لمدة من الزمن منن الله نازلةً عليه من دون أن ينسبها إلى الأسباب، ويظل يعبده إيمانا منه بأنه موجود ومحسن بلا واسطة، فهذا التصور والخيال يؤدي أخيرا إلى أن ينشأ لديه حبٌّ ذاتي لله ، لأن ملاحظة منن الله المتواترة بانتظام تؤثر في قلب الشخص الممتن تدريجيا، فيمتلئ بالحب الذاتي للذي غمرَتْه مننُه غير المحدودة، ففي هذه الحالة لا يعبده بدافع الامتنان فحسب بل يترسّخ في قلبه حبُّه الذاتي، تماما كما يحب الطفل أمَّه حبا ذاتيا، ففي هذه المرحلة لا يتمكن -عند العبادة- من رؤية اللهِ فحسب بل يتمتع بالنظر إليه كالعشاق الصادقين، وتنعدم جميعُ الأغراض النفسانية ويتولد فيه حبُّه الذاتي. وهذه المرتبة عُبِّر عنها بلفظ: “إيتاء ذي القربى”، وإلى ذلك أشار الله في آية فَاذْكُرُوا الله كَذِكْرِكُمْ آَبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا باختصار هذا هو تفسير آية إنَّ الله يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى . وقد بيَّن الله فيها المراتب الثلاثة لمعرفة الإنسان، وسمَّى المرتبة الثالثة مرتبةَ الحب الذاتي. وهذه المرتبةُ التي تحترق فيها جميعُ الأغراض النفسانية ويمتلأ القلب بالحب امتلاء الزجاجة بالعطر. وإلى هذه المرتبة أشير في آية وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ الله وَالله رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ .. أي أن الله رؤوف بمثل هؤلاء العباد. ثم قال: بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ أي سينال النجاةَ أولئك الذين يسلِّمون نفوسهم لله ويعبدونه لنعمِه وكأنهم يرونه، فهؤلاء يأخذون أجرهم من الله ولا يخافون ولا يحزنون. إن هدفهم هو الوصولُ إلى الله والفوزُ بحبه، وأجرُهم النِّعمُ عند الله. ثم يقول في آية أخرى: يُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ الله لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا . فالجدير بالتأمل هنا كم يتبين جليا من هذه الآيات أن القرآن الكريم وصف أسمى درجة لعبادة الله والأعمال الصالحة بأن يبتغي المرءُ حبَّ الله ورضوانَه بصدق القلب…. وإنما سمَّى الله هذا الدين إسلامًا لأنه يعلِّم الإنسان أن لا يعبد اللهَ لأغراض نفسانية بل ينبغي أن يعبده بحماس فطري لأن الإسلام يعني الرضا بالقضاء والتخلّي عن جميع الأغراض. ليس في العالم دينٌ غير الإسلام أفصحَ عن هذه الأهداف، صحيح أن الله قد وعد المؤمنين بأنواع النعم المختلفة تأكيدا على رحمته لهم، غير أن المؤمنين الذين يريدون أسمى الدرجات علَّمهم أن يعبدوا الله بحب ذاتي”. (نور القرآن)

ثم يقول حضرته في بيان علامة الحب الصادق:

“الحب شيء غريب، إن ناره تحرق نار الذنوب وتُخمد شعلة المعصية. لا يمكن قط أن يجتمع العذاب مع الحب الصادق والذاتي والكامل. ومن جملة علامات الحب الصادق أن يُنقَش في فطرة صاحبه الخوف الشديد من أن يقطع حبيبه علاقته به. ويعتبر نفسه هالكا نتيجة أدنى تقصير أو خطأ، ويرى معارضة حبيبه سُمًّا زعافا له، ويكون مضطربا بشدة من أجل وصال حبيبه، ويذبل بتصور البُعد عنه كأنه يكاد يموت. لذا لا يرى إثمًا تلك الأمور التي يراها إثمًا عامة الناس، مثل القتل والزنا والسرقة وشهادة الزور فحسب، بل يرى أدنى نوع من الغفلة عن الله، وأدنى التفات إلى غير الله من الكبائر. لذا فإن الدوام على الاستغفار في حضرة الله يكون وِرده الدائم. (أي لا ينقطع عن الاستغفار) ولما كانت طبيعته لا ترضى بالابتعاد عن الله تعالى في وقت من الأوقات، فإن صدرت منه غفلة مثقال ذرة بمقتضى البشرية لرآها ذنبا هائلا كالجبل. هذا هو السر الذي بسببه يظل أصحاب العلاقة الكاملة والمقدسة بالله تعالى يستغفرونه دائما لأن من مقتضى الحب أن يقلق المحب الصادق من سخط حبيبه عليه. ولأن قلبه يُجعل عطشانًا لرضى الله تعالى عنه فإذا أخبره الله تعالى أنه راض عنه فإنه لا يصبر على هذا القدر لأنه كما أن شارب الخمر يشرب في مجلس شاربي الخمر مرة ثم يعاود طلبها، كذلك عندما يهيج ينبوع الحب في الإنسان يقتضي هذا الحب بطبيعة الحال أن ينال رضا الله تعالى أكثر فأكثر. (أي حتى لو قال الله للإنسان أنا راضٍ عنك فلا ينبغي أن يجلس فارغ البال مطمئنا، بل إن إخبار الله عن رضاه يدفع الإنسان إلى الإكثار من الاستغفار ويلفته إلى النشاط في العبادة) فبسبب شدة الحب يُكثر من الاستغفار أيضا. لهذا السبب يتخذ الذين يحبون الله حبا كاملا الاستغفارَ وِردا لهم في كل لحظة وآن. وأكبر علامة للمعصوم هي أنه ينشغل في الاستغفار أكثر من غيره على الإطلاق.
المعنى الحقيقي للاستغفار هو الاستعانة بالله تعالى لدرء كل زلّة وتقصير يمكن أن يصدر من الإنسان بمقتضى بشريته ولكي لا يظهر ذلك الضعف للعيان بل يبقى مستورا ومخفيا نتيجة فضل الله. ثم وُسِّع معنى الاستغفار لعامة الناس، وضُمّ إليه مفهوم آخر أن يحميه اللهُ في الدنيا والآخرة من العواقب السيئة والتأثيرات السامة لزلّة أو قصور صدر من قبل. إذًا، فإن ينبوع النجاة الحقيقية هو حب الإنسانِ لله الذي يجذب حبَ الله تعالى بواسطة تواضع العبد وتضرعه وابتهاله واستغفاره الدائم. وحين يوصل الإنسان حبه مرتبة الكمال ويحرق أهواءه النفسانية بنار حب الله ينزل حب الله له على قلبه دفعة واحدة كشُعلة، ويُخرجه من أدران الحياة السفلية. فينصبغ بصبغة الله الحيّ القيوم بل ينال نصيبا من كافة صفات الله تعالى بصورة ظلية. عندها يصير مَظهرا لتجليات الله تعالى. ويُكشف في الدنيا بواسطته كثير من الأسرار المستورة والمكتومة في كنـز الربوبية الأزلي. لأن الله الذي خلق هذا العالم ليس بخيلا بل فيوضه دائمة، وأسماؤه وصفاته لا تتعطل ولا تبطل أبدا”. (ينبوع المسيحية)

ثم يقول حضرته موضحا أن التخلص من الذنوب وإحراز الأعمال الصالحة مستحيل من دون إحراز حب الله :

“إن الذنب في الحقيقة سمّ ينشأ حين يكون الإنسان محرومًا من طاعة الله ومن الحب الإلهي المتدفق، وحين يكون عديمَ الحظ من ذكرِه بحب. وكما أن الشجرة التي تجتث من الأرض لا تبقى قادرة على امتصاص الماء من الأرض وتبدأ بالجفاف يوما بعد يوم وتدمَّر خضرتها كلها، كذلك هو حال الإنسان الذي يتخلى قلبه عن حب الله فيستولي عليه الذنب كالجفاف. وهناك ثلاث وسائل في قانون الله للقضاء على هذا الجفاف: (1) الحب (2) الاستغفار الذي يعني الرغبة في الدفن والتغطية، لأنه من المأمول أن تخضر الشجرة ما دام أصلها متجذرا في التراب (3) التوبة: أي العودة إلى الله بتذلل وضراعة لامتصاص ماء الحياة والتقرب إليه والخروج من وراء حجاب المعصية بالأعمال الصالحة، (أي أن إزاحة حجاب الذنوب المنسدل على أعين الإنسان تتطلّب الأعمال الصالحة، ولإحراز الأعمال الحسنة ثمة حاجة ماسة كما بينت في الخطب قبل أشهر أو بضعة أسابيع إلى قوة العمل والإرادة والعلم، عندها تزول هذه الحجب، ويوفق الإنسان للأعمال الصالحة، ويتخلص من هذه السيئات.) وليتضح أن التوبة لا تكون باللسان فقط بل إن كمال التوبة منوط بالأعمال الصالحة”. (أي أن مجرد ترديد كلمة التوبة باللسان لا يفيد وإنما تعد التوبة صادقة حين تقترن بالأعمال الصالحة) وإن جميع الحسنات تُحرَز تكميلا للتوبة لأن الهدف منها كلها التقرب إلى الله. إن الدعاء هو الآخر توبة لأننا بذلك نبحث عن القرب الإلهي، ولهذا قد سمى الله الإنسان روحا، لأن راحته الحقيقية تكمن في الإقرار بالله وحبه وطاعته، كما سماها نفسا لأنه سيحقق الاندماج مع الله.
(أي قد سمي روحا لأنه يرتاح لحب الله، كما سمي النفس لكونه قادرا على الارتباط بالله. فقد بين حضرته هذه النقطة أنه قد خلق الإنسان وسمى حياته روحا لأن راحته الحقيقية تكمن في الإقرار بالله وحبه وطاعته، فراحة الروح أن تتفانى في الله حبا وتلتزم بالاستجابة لأوامره ، كما سماه نفسا لقدرته على الارتباط بالله)
إن إنشاء العلاقة بالله بحب كمَثل شجرة ثابتة الأصول في أرض البستان، فهذه هي جنة الإنسان، وكما تمتص الشجرة ماء الأرض وتجذبه إليها وتطرد به موادها السامة كذلك ينال قلب الإنسان القدرة على طرد المواد السامة من داخله بامتصاص ماء الحب الإلهي فيتمكن من القضاء عليها بسهولة، ويتربى تربية طاهرة بالاتصال بالله وينمو كثيرا ويخضرّ ويزدهر ويُثمر. أما الذي لا يتمسك بالله فهو لا يقدر على امتصاصِ الماء الذي يُنمّي، فسرعان ما يجف تدريجيا، فتسقط الأوراق أخيرا وتظهر الأغصان قبيحة المنظر. فلما كان جفاف الذنب ناتجا عن انقطاع العلاقة فإن الوسيلة البسيطة لدفع هذا الجفاف إنشاء العلاقة الوثيقة.
أي أنشئوا العلاقة القوية بالله وعندها سيـزول هذا الجفاف وإلا سوف يفنى الإنسان نهائيا روحانيا مثل الشجرة اليابسة) وهذا ما تشهد عليه سنن الكون أيضا، وإلى ذلك أشار الله في قوله

يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي .

فالوسيلة للتخلص من الذنب تكمن في حب الله وعشقه، فجميع الأعمال الصالحة التي تصدر بدافع الحب الإلهي وعشقه تطفئ نار الذنب، لأن الإنسان بإحراز الحسنات لوجه الله فقط يؤكد حبه له ، فإن إيمان المرء بالله بحيث يقدِّمه على كل شيء حتى على حياته، يمثِّل الدرجة الأولى للحب، وهي تشبه حالة الشجرة حين تغرس في الأرض. والدرجة الثانية الاستغفار الذي يعني حرص الإنسان على ألا يُفتضح نتيجة ابتعاده عن الله، وهذه الدرجة تشبه حالة الشجرة حين تتأصل جذورها في الأرض جيدا، أما الدرجة الثالثة – وهي التوبة – فتشبه حالة اقتراب جذور الشجرة من الماء فتمصه كالطفل. ففلسفة الذنب تتلخص في نشوئه نتيجة الانفصال عن الله وإن التخلص منه منوط بإنشاء العلاقة بالله، فما أكبر غباء أولئك الذين يصفون انتحار أحد بأنه وسيلة للتخلص من الذنب”. (الرد على أسئلة سراج الدين المسيحي الأربعة)

ثم يقول حضرته في بيان الوسيلة لنيل قرب الله :

“إن القرآن الكريم يقدم تعليما يمكن للإنسان أن يحظى بسببه وبسبب العمل به برؤية الله في هذه الدنيا، فيقول: فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا . أي أنّ مَن سرّه أن يحظى في هذه الدنيا برؤية الله الإله الحق والخالق الحقيقي، عليه أن يكسب أعمالا صالحة لا يشوبها فساد، أي يجب ألا تكون تلك الأعمال رياءً للناس ولا تخلق الكبر في قلب صاحبها فيقول إني كذا وإني كذا، وألا تكون تلك الأعمال ناقصة غير كاملة، وألا تفوح منها رائحة تنافي الحب الخالص، بل يجب أن تكون مفعمةً بالصدق والوفاء. وبالإضافة إلى ذلك يجب أن يجتنب صاحبها الشرك بكل أنواعه، فلا يشرك بالله الشمسَ أو القمر أو نجوم السماء أو الهواء أو النار أو الماء أو أيّ شيء آخر في الأرض، وألا يُعلِّق آمالا على الأسباب الدنيوية ولا يعتمد عليها وكأنها شركاء لله. وألا يعوِّل على قواه ومساعيه الشخصية؛ لأن ذلك أيضا نوع من أنواع الشرك. بل يجب عليه أن يعتبر – بعد القيام بكل الأعمال – كأنه لم يفعل شيئا. فلا تزهوا لعلمكم ولا تستكبروا لعمل من أعمالكم، بل ينبغي أن تعتبروا أنفسكم جاهلين وغير فاعلين في الحقيقة. ولتكن الروح خاضعة على عتبات الله دائما، وينبغي جذب فيوض الله بالأدعية. وأن تكونوا كالعطشان الظامئ الفاقد اليدين والقدمين، الذي تتفجر أمامه عين ماء زلال مَعين، فيصل إليها بصعوبة بالغة، حيث ينهض حينا ويسقط أحيانا حتى يضع شفتيه على الينبوع، ولا ينفصل عنه ما لم يرتوِ.” (محاضرة لاهور)

ثم يذكر المسيح الموعود المستوى المطلوب منا في حب الله تعالى فقال:

“لو علمتم أنكم تحبون الله تعالى كالعاشق الصادق، فعليكم أن تتفانوا في حبه تعالى بحيث لا يبقى لكم وجود، شأن العاشق الصادق الذي يموت جوعا وعطشا على فراق حبيبه ولا يفكر في الأكل والشرب بل لا يعير لوجوده أدنى اهتمام، ثم لو مات المرء في سبيل هذا الحب فما أسعدَه حظًّا. إنما نهتمّ بحب الله الذاتي، وليست الكشوف والإلهامات غايتنا”.

وأقول هنا: يشتكي البعض من عدم تشرفهم بكشف أو إلهام من الله تعالى، ولكن المسيح الموعود يبين هنا أن حب الله الذاتي هو الأساس، وليس كم كشفًا رأى وكم إلهاما نزل عليه. ثم يقول :

“انظروا إلى مدمن الخمر كيف يشرب كأسا بعد كأس ويستمتع بها، كذلك عليكم أن تشربوا من شراب حب الله الذاتي كأسا دهاقا بعد كأس دهاق، وكما أن مدمن الخمر لا يشبع بل يريد أن يشرب نهرا من الخمر، كذلك لا تشبعوا من شراب حب الله تعالى. ما لم يدرك المرء أنه قد بلغ من حب الله تعالى بحيث يستطيع أن يسمى عاشقا له فيجب ألا يألو جهدا ولا يتأخر، بل يمضي قدما، ولا يُبعد هذه الكأس من فمه، ويكون دائم القلق والاضطراب والوله من أجلها. وما لم يبلغ هذه الدرجةَ فلا يصلح لشيء. يجب أن يحب الله تعالى بحيث لا يبالي بشيء إزاءه، فلا يطمع في شيء آخر ولا يخاف سواه. “

ثم يقول المسيح الموعود :

“حين يرضى المرء بالله تعالى تمام الرضا ولا يبقى عنده أية شكوى عندها يحظى بحب الله الذاتي، ويأمن هجمات الشيطان. يجب على المرء الفوز بهذا الحب الذاتي من خلال الدعاء، وما لم يتولد فيه هذا الحب يظل منقادًا للنفس الأمارة وفي قبضتها، والذين يكونون تحت النفس الأمارة يقولون بالبنجابية ما معناه: هذا العالم حلو، أما العالم الآخر فمن رآه؟ وما يدرينا أنه سيكون هناك عالم آخر أم لا. ومثل هؤلاء في خطر شديد. أما أصحاب النفس اللوامة فيكونوا أولياء الله في لحظة، وشياطين في لحظة أخرى. (أي تتقلب حالتهم دوما) ولا يكونون بحال واحد، ذلك أنهم في صراع مع أنفسهم، فيَغلِبون تارة ويُغلَبون أخرى. غير أن هؤلاء يستحقون المدح، لأنهم يعملون الصالحات أيضا، وتخشى قلوبهم ربهم. أما أصحاب النفس المطمئنة فيكونون من المنتصرين كل الانتصار، ويخرجون من كل خطر وخوف، ويصلون إلى مقام السلام، ويكونون في دار الأمان التي لا يقدر الشيطان على الوصول إليها.”

ومن جملة علامات الحب الصادق أن يُنقَش في فطرة صاحبه الخوف الشديد من أن يقطع حبيبه علاقته به. ويعتبر نفسه هالكا نتيجة أدنى تقصير أو خطأ، ويرى معارضة حبيبه سُمًّا زعافا له، ويكون مضطربا بشدة من أجل وصال حبيبه، ويذبل بتصور البُعد عنه كأنه يكاد يموت.

ثم يبين المسيح الموعود مستوى عشق المؤمن لربه فقال:

“المؤمن يتصبغ بصبغة العاشق، ويكون صادقا في عشقه، ويتمتع بإخلاص كامل وحب كامل لربه وينعَم بحماس يجعله جاهزا لفداء نفسه في سبيله تعالى، ويظل عنده بتضرع وابتهال وثبات، ولا تعجبه أية لذة دنيوية، وتنمو روحه في هذا العشق، ولا يصيبه القلق برؤية الاستغناء من قبل معشوقه، ولا تفتر همته برؤية صمت حبيبه وعدم التفاته له، بل يمضي قدمًا على الدوام، ويزداد قلبه التياعا وشوقا. لا بد من أمرين وهما أن يكون المؤمن العاشق مستغرقا في حب الله تعالى استغراقا كاملا، وأن يكون عشقه كاملا، ويكون صادق الحماس في حبه، ويكون شديد الثبات والرسوخ في عهد عشقه بحيث لا تزعزعه أية صدمة، حتى ولو لاقى من المعشوق صمتًا وصدودا في بعض الأحيان. يجب أن يتحلى بنوعين من الألم: أولهما أن يلتاع بحب الله تعالى، وثانيهما أن يتألم قلبه برؤية غيره في كرب ومصيبة، ويضطرب لخيره وإعانته ومساعدته. إن إخلاص المرء والتياعه في حب الله تعالى وثباته عليه يجعله ينسلخ عن بشريته ويلقيه في ظل ألوهية الله تعالى. ولكن المرء يظل عرضة للخطر ما لم يبلغ في عشقه لربه والتياعه له مبلغا بحيث ينقطع عما سوى الله كلية. والقضاء على هذه الأخطار صعب إلا أن يصبح لله تعالى بكامله منقطعا عن غير الله كل الانقطاع، ويتألم لمخلوق الله بحماس وبصدق كما يتحمس قلب الأم الرءوم لوليدها الحبيب الضعيف حماسًا صادقا.”

أي أن صفة المؤمن الصادق العاشق لله تعالى أنه أولاً ينقطع عما سوى الله كلية، وثانيا أن قلبه يتألم لمخلوق الله تعالى أيضا. ثم يقول :

“لا تتيسر للمرء الصلة القوية مع الله تعالى ولا محبته الصافية ما لم تتيسر له معرفة بوجوده تعالى. لقد فسدت الدنيا لمثل هذه الشبهات، فكثير من أهلها أصبحوا ملحدين علانية، بعضهم ليسوا بملحدين ولكنهم يسيرون سيرتهم، ولذلك يتكاسلون في أمور الدين، وليس علاجهم إلا أن يدعوا الله تعالى ليزيدهم معرفة، وأن يعيشوا في صحبة الصادقين لكي يروا الآيات المتجددة من قدرة الله وعجائبه، ولو فعلوا ذلك فسوف يزيدهم الله تعالى معرفة وبصيرة كيفما شاء، ويثلج صدورهم. الحق والحق أقول إن المرء كلما ازداد إيمانًا بوجود الله وعظمته ازداد حبًا وخشية له، وإلا فإنه يتجاسر على الجرائم في أيام الغفلة. إن محبة الله وهيبته وخوفَ عظمته وجبروته هما الأمران اللذان يسببان في حرق الآثام. فمن المسلم به أن الإنسان يتجنب الأشياء التي يخافها، فمثلا إن النار تحرق فلا يضع فيها يده، أو لو علم مثلا أن في الطريق حيةً فلا يمر به، كذلك لو أيقن المرء أن سم الإثم يهلكه ولو خاف عظمة الله وأيقن أنه تعالى يكره الإثم ويعاقب عليه عقابا شديدا، لما تجرأ ولا تجاسر على ارتكابه، بل يمشي بعدها على الأرض كأنه ميت، وتكون روحه مع الله كل حين”.

ثم قال :

“حين يحرق المرء وجوده كله بدخوله في نار حب الله تعالى، فإن موت المحبة هذا يهبه حياة جديدة. ألا تدركون أن الحب نار، والإثم نار أيضا، فنار حب الله تعالى تقضي على نار الإثم. هذا هو أصل النجاة.”

ثم قال حضرته ناصحا أبناء جماعته بصفة خاصة:

“فالله لا يحمي المتقيَّ الكاملَ من البلاء حمايةً عادية، بل حمايةً إعجازية. كلّ محتالٍ أو غبيّ يدَّعي الاتّقاء، لكن ليس التقيّ إلا مَن ثبتت تقواه بآية من الله تعالى. وكل إنسان يمكن أن يقول إني أحبُّ الله، ولكن لا يحبّ اللهَ إلا الذي ثبتتْ محبّتُه بشهادة سماوية. والجميع يدَّعي أن دينه حقٌّ، ولكن ليس على الدين الحق إلا الذي يوهب له النور في هذه الدنيا. وكلٌّ يزعم أنه سينال النجاة، ولكن ليس الصادق في هذا القول إلا من يرى أنوار النجاة في هذه الدنيا. لذا فاسعوا جاهدين لتكونوا من أحبّاء الله، لتُعصَموا من كل آفة”. (سفينة نوح)

ثم أقدم لكم مثالا كيف نصحنا حضرته لإنشاء الحب الإلهي في قلوبنا، فقد قال :

“إنّ فردوسنا إلهنا، وإنّ أعظمَ ملذّاتِنا في ربّنا، لأننا رأيناه ووجَدْنا فيه الحسنَ كله. هذا الكنـز لجديرٌ بالاقتناء ولو افتدى الإنسانُ به حياتَه، وهذه الجوهرة لحَرِيّةٌ بالشراء ولو ضحّى الإنسان في طلبها كلَّ وجوده. أيها المحرومون، هلُمّوا سِراعًا إلى هذا الينبوع ليروي عطشكم. إنه ينبوع الحياة الذي ينقذكم. ماذا أفعل وكيف أُقِرُّ هذه البشارة في القلوب؟ وبأيّ دفٍّ أنادي في الأسواق بأنّ هذا هو إلهكم حتى يسمع الناس؟ وبأيّ دواء أعالج حتى تنفتح للسمع آذانُ الناس؟
إنْ كنتم لله فاعلموا يقينًا أن الله لكم. ستكونون نيامًا والله يسهر لكم. وستكونون في غفلة من العدو، ويكون الله له بالمرصاد، ويدمّر مكيدته تدميرًا. إنكم لا تعلمون حتى الآن ما يملكه إلهكم من قدراتٍ! ولو كنتم تعلمون لما طلع عليكم يوم تصابون فيه بقلق شديد من أجل دنياكم. فهل يبكي مالكُ كنـزٍ كبير ويصرخ ويشارف على الموت لضياع ملّيم واحد؟ فلو كنتم مطّلعين على ذلك الكنـز، أعني لو علمتم أن إلهكم سيغنيكم عند كل حاجة، لما أخذكم الهمّ لهذه الدرجة من أجل دنياكم؟ إنّ الله لكنـز عظيم فاقدروه، فإنه ناصرُكم عند كل خطوة، ولستم بشيء مِن دونه، لا أنتم ولا أسبابكم ولا تدابيركم. لا تقلّدوا غيركم من الأمم التي تهافتت على الأسباب كلّيّةً، ولَحَسَتْ ثرى الأسباب السفلية كما تلحس الأفاعي الترابَ، وعضّت على الجيفة بنواجذها كما تنهش الحِدْآنُ والكلابُ الجيفةَ. لقد بَعُدَ هؤلاء عن الله تعالى بُعدًا كبيرًا، وعبدوا البشرَ، وأكلوا لحم الخنزير، وشربوا الخمر كالماء، وهلكوا لتمايُلهم على الأسباب أكثر من اللازم، وماتوا بسبب عدم استعانتهم بالله تعالى، وطارت منهم الروح السماويّة طيرانَ الحمام من العشّ. إن في باطنهم جُذامَ التكالُب على الدنيا الذي جذّم أعضاءهم الباطنة كلها، فاحذروا أنتم ذلك الجذام”! (سفينة نوح)

ثم يقول حضرته :

“ينبغي أن تسعَوا بكل ما في وسعكم لمعرفة الله فالتمسك به عين النجاة، والوصول إليه هو الاستقلال بعينه. إن ذلك الإله يتجلى على الذي يبحث عنه بصدق القلب والحب. إنه يتجلى على الذي يصبح له كله. إن القلوب الطاهرة هي عرشه عز وجل، الألسن النـزيهة من الكذب والشتائم والهذيان هي محل وحيه. وكل مَن يفنى في رضاه يصبح مظهرا لقدرته الإعجازية”. (كشف الغطاء)

وفقنا الله لنيل هذه المعايير التي كان يتطلع سيدنا المسيح الموعود إلى أن تنشأ فينا، ووفقنا الله أن نكون منيبين إليه مخلصين له وأن نحبه ونجعل حبه جزءا لا يتجزأ من حياتنا، وندخل جنات رضوانه.