سجود الملائكة لآدم..
التاريخ: 2010-05-28

سجود الملائكة لآدم..

حضرة مرزا مسرور أحمد (أيده الله)

حضرة مرزا مسرور أحمد (أيده الله)

الخليفة الخامس للمسيح الموعود (عليه السلام)

__

الطاعة الكاملة لكل نبي في إنجاز مهامه

أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك لـه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد فأعوذ بالله من الشيطان الرجيم. بسْم الله الرَّحْمَن الرَّحيم * الْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمينَ * الرَّحْمَن الرَّحيم * مَالك يَوْم الدِّين* إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإيَّاكَ نَسْتَعينُ * اهْدنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقيمَ * صِرَاط الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْر الْمَغْضُوب عَلَيْهمْ وَلا الضَّالِّين . (آمين)

إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ *  فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ * فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُـونَ * إِلا إِبْلِـيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (ص: 72-75)

الحرب دائرة بين الشيطان والإنسان دائرة منذ بدء الخليقة. وعندما ندرس تاريخ الأديان نجد أن الشيطان أعلن الحرب منذ أن نظر الله نظرة الحبّ على آدم ، وأعلن حربًا شعواء ضد البشر أجمعين. ثم أُعيد هذا التاريخ في زمن كل نبي، ولا يزال يعاد إلى يومنا هذا. عندما يُبعث الأنبياء يُرشدون الناس إلى الطرق التي تؤدي إلى الله ، ومن ناحية ثانية يحاول الشيطان دائما أن يعيث الفساد، ظل يحاول ذلك وسيظل في ذلك مستقبلا أيضا. فهو يختار لفعل ذلك أساليب مختلفة، أحيانا بالإطماع وأحيانا أخرى بالتخويف فيقودهم إلى الضلال. لقد ذكر الله مرارًا في القرآن الكريم أن الشيطان بدأ بتنفيذ مكائده منذ خلق آدم. وقد حذّر الله تعالى في القرآن الكريم بدءا من سورة الفاتحة إلى سورة الناس من هجمات الشيطان، وأمر المؤمنين باجتنابها. وعلّمنا أيضا أن ندعوه تعالى دائما أن ينقذنا من هجمات الشيطان اللعين، ويحمينا في ظل حمايته دائما.

لقد أعلن الله تعالى في الآيات التي تلوتها عليكم في مستهل الخطبة أن الإنسان محبوب عنده سبحانه منذ يوم خلقه، وأمر الملائكة بطاعته طاعة كاملة والانقياد التام له. ولكن الشيطان قال برعونة شديدة واستكبار مفرط: أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا؟ هل أسجد له وأنا أملك صفات نارية؟ هذا ما ذُكر في الآية التالية.

فعندما ينال البشر مقام قرب الله تعالى ويحوز مقام النبوة ويصبح «آدم» عصره فتحالفه تأييدات الله تعالى التي لا يسع الإنسان تصورها.

إذن، فحين خلق الله تعالى الإنسان وأودعه قدرات تؤهِّله للاصطباغ بصبغة الله والوصول إلى أعلى مدارج قربه ، أمر الملائكة أيضا بخدمته.

حين يرسل الله تعالى أنبياءه الذين يحوزون أعلى مراتب القرب إلى الله وينالون لأجل ذلك نصيبا من الوحي والإلهام الإلهي وروح القدس، فيقوم نظام الملائكة كله لتأييدهم.. أي لتحقيق أهدافهم، فتظهر لأعمالهم نتائج تدفع إلى الأمام الأهدافَ التي يُبعث النبي لإنجازها، ويجري قدر الله الخاص بهذا الصدد.

لقد بيّن الله تعالى هذه الحقيقة أحيانا مستخدما كلمة “بشر” وأحيانا أخرى بكلمة “آدم”، وقال بأنه قد خلق الإنسان أشرف المخلوقات وسخّر العالَم كله والمخلوقات الأخرى لخدمته.

فعندما ينال البشر مقام قرب الله تعالى ويحوز مقام النبوة ويصبح “آدم” عصره فتحالفه تأييدات الله تعالى التي لا يسع الإنسان تصورها. فكما نرى أنه لما بلغ ظلم معاندي النبيّ والمؤمنين ذروته، وقام الكفار بغزو المدينة وهاجموها لقتل المسلمين نشبت المعركة في ميدان بدر، ثم نرى كيف قلب الله تعالى كفة الحرب لصالح المؤمنين بواسطة الملائكة. ونشاهد هذه المشاهد في الجماعة أيضا على كافة الأصعدة. كذلك نرى هذه المشاهد في تأييد الأنبياء على صعيد الأمة والأفراد أيضا. ثم شوهد المشهد نفسه في غزوة حنين أيضا. فإن الله تعالى قد أيّد النبي والمؤمنين بالملائكة دائما. وهناك أحداث كثيرة من هذا القبيل في تاريخ الإسلام توحي بأن جيش الملائكة كان دائما مع النبي منذ فجر الإسلام.

لما خلق الله الإنسان وأمر الملائكة بالسجود له لم يكن المراد من السجدة هو السجود الظاهري، إذ لا يجوز السجود الظاهري إلا لله وحده. بل المراد من ذلك أن عليكم أن تطيعوا الذي بعثه الله تعالى لنشر الدين في الدنيا طاعةً كاملة وتساعدوه في إنجاز مهمته

صحيح أن المسلمين تعرضوا لخسائر في الأرواح والأموال أيضا ولكن حزب إبليس لم يتمكن من نيل مبتغاه. لقد ظل إبليس وأشياع الشيطان يبذلون كل ما كان في وسعهم، وسَعَوْا دائما لخلق الوساوس والشكوك في قلوب عباد الله، وخوَّفوهم بالقتل والخسائر في الأموال، والهجمات السرية والعلنية. الحق أن منشأ عدم إيمان المعارضين بالأنبياء ووقوعَهم فريسة للشيطان هو الكبرُ وحدَه دائما، الأمر الذي يمنعهم من التقدم على سبل الحسنات. فإنهم يقولون دائما بأن مدعي النبوة وأتباعه كلهم فقراء وأراذل، بينما نحن كبار القوم وأصحاب العلم والمعرفة، نحن نفهم الدين أكثر، فأنّى لنا أن ننضم إلى هذه الجماعة وأنّى لنا أن نبايعه؟

والذين يرفضون الإيمان بإمام الزمان في هذا العصر إنما يفعلون ذلك نتيجة كبرهم.

لما خلق الله الإنسان وأمر الملائكة بالسجود له لم يكن المراد من السجدة هو السجود الظاهري، إذ لا يجوز السجود الظاهري إلا لله وحده. بل المراد من ذلك أن عليكم أن تطيعوا الذي بعثه الله تعالى لنشر الدين في الدنيا طاعةً كاملة وتساعدوه في إنجاز مهمته، ولا تسمحوا للشيطان أن ينجح في خطته، فلا تسمحوا له لينال تلك الأهداف. بل عليكم أن تنصروا نبي الله وتؤيِّدوه لإفشال خطط الشيطان كلها، واخلقوا في قلوب طيبي القلوب وسليمي الفطرة معرفة دعوة النبي ومعاملة الله تعالى معه ليعرفوا الحق وينضموا إلى جماعته. ففي هذه الحالة سوف يشاهد هؤلاء الناس مشاهد معاملة الله معهم ونفخ الروح فيهم أيضا، وبذلك يُصلحون دنياهم وعقباهم ويرثون الجنة. فحين يأمر الله الملائكة والناس أيضا أن يؤيدوا النبي وينصروه في مهمة نشر الدعوة تنشط لهذا الغرض قلوب سليمي الفطرة. ففي هذا المقام يعلن الملائكة كلهم في تأييد النبي قائلين:

  فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (الحجر: 31)

عندها تُباَرك أعمال النبي بركاتٍ غير عادية وخارقة للعادة. فتتراءى مشاهد هذه السجدة من خلال أناس ذوي صفات ملائكية التي هي سجدة الانقياد وسجدة الطاعة وسجدة توظيف جميع القدرات والمواهب من أجل مواصلة أعمال النبي حيث يكون كل واحد منهم سلطانا نصيرا للنبي ويشاركه في إنجاز المهام المعهودة إليه. ونحن نرى أن الله في هذا العصر أيضا يتعامل بهذه المعاملة مع المحب المخلص للنبي الذي لقَّبه الله بآدم في وحيه، يقول حضرته : “تذكروا أن إهانة المبعوث من الله هي في الحقيقة إهانةٌ لله ، إذا أردتم فيمكن أن تشتموني فلكم في ذلك خيار، لأن الملكوت السماوي في نظركم حقير”. فالذين يعارضون اليوم أيضا هم يعارضون الله ولا يعارضون سيدنا المسيح الموعود أو جماعتَه، ثم قال حضرته مبينا المثال: “إن الخلافة الحقيقية لي أي أنا خليفة الله”. ثم ذكر أحد إلهاماته “أردتُ أن أستخلِف فخلَقتُ آدمَ خليفةَ الله السلطان”. ثم يقول حضرته: “إن خلافتَنا روحانية وسماوية غير أرضية”.

فقد وهب الله له مقام آدم هذا لكونه تابعا وغلاما للنبي ، وحين أعطى له هذا المقام فقد أمر الملائكة حسب سنته السارية أن يسجدوا لآدم.. لهذا الإنسان الخصوصي الذي اصطفيته لنشر ديني. فبدأتْ سلسلة التأييد الإلهي غير العادي له حيث تحوَّل شخص واحد إلى عشرات الملايين. فقد طمْأنه الله في الوحي أني معك وأن ملائكتي هم الآخرون مستعدون كل حين وآن لإعانتك، فقد أوحى الله إليه قائلا: “فإني مع الرسول أقوم وينصره الملائكة”. ونصرة الله لعباده ليست أساطير الأولين، بل إننا لا نزال نشاهد  مشاهد نصرة الله تعالى إلى الآن تحقيقا لوعده، فالشيطان مشغول في نسج المكائد كما أن الملائكة هي الأخرى تعمل أعمالها المعهودة إليها. فحين يشرح الله الصدور بواسطة ملائكته فإن العقبات والعوائق كلها ترتفع، وإذا كان أعداء الجماعة يحاولون قمع الجماعة في مكان بظلم ففي أماكن أخرى ينضم الناس إلى الجماعة فتظهر فروع أخرى للجماعة. لقد قرأت مؤخرا.. في صفحة العرب التي يكتبها الأستاذ محمد طاهر نديم  في جريدة الفضل.. تفاصيل بيعة الأستاذ المرحوم حلمي الشافعي وكيف قاده الله إلى الأحمدية، فقد اجتمع مع الأستاذ مصطفى ثابت الذي كان أحمديا قبله وكان زميله في العمل في شركة في صحراء سيناء. يقول الأستاذ حلمي عنه: كنت ألاحظ أن هذا الشاب يختلف عن الآخرين وينفرد منفصلا عنهم وهو يداوم على الصلوات، فخيِّل إليَّ أولا أنه بهائي أو من فرقة أخرى، ثم حين رأيته يصلي بانتظام قلت في نفسي لا يمكن أن يكون بهائيا، ففكرت في الفرق الأخرى أنه قد ينتمي إليها فبدأت أنشئ الصلات به تدريجا، فوجدت الأفكار والنظريات والبراهين التي يقدمها غير قابلة للنقض، فكنت أتوجه إلى العلماء لأستفسر منهم عن آرائه غير أنني لم أكن أقتنع بجوابهم، ثم فرضتْ الظروف عليَّ الانتقال من هناك، فحين ذهبت إليه لأودِّعه سلَّم لي صندوق كتبه لأحمله إلى القاهرة، فقلت له: سآخذه بشرط أن تسمح لي بقراءة هذه الكتب، فقرأت منها تفسير القرآن الكريم باللغة الإنكليزية في خمس مجلدات بالإضافة إلى كتب أخرى منها فلسفة تعاليم الإسلام، فبدأت أبحث عن الاعتراضات على كتب المسيح الموعود بعد قراءة كل كتاب كعادة المشايخ والمثقفين من غير الأحمديين.

وعادةُ إثارة الاعتراض هذه قد بلغت ذروتها في باكستان، حيث يعترض المشايخ على النصوص من كتب سيدنا المسيح الموعود . ويتبين جليا من الاعتراضات السخيفة التي يقدمها المعترضون أنها ناتجة عن قلة علمهم، وأنهم يتبعون الشيطان ولا يعملون حسب الفطرة الصحيحة. باختصار يقول الأستاذ حلمي: كنت حريصا على أن أجد في الكتب ما أعترض عليه، وعندما كنت أعرض ردود الأحمديين على العلماء لم أكن أقتنع بردودهم، ثم حين قرأتُ كتاب “فلسفة تعاليم الإسلام” قد خلق الهياج في قلبي، فقرأتُه على والدي المحترم أيضا وسألتُه: ما رأيك عن المؤلف، فقال: من المؤكد أن مؤلف هذا الكتاب وليٌّ من أولياء الله. فسألته كيف يكون رأيه إذا أعلن المؤلف أنه هو المسيح الموعود، ففكّر مليًّا وقال: لا يسعني الاعتراض على هذا الكتاب، لأن تأليف هذا الكتاب الرائع لا يتأتى إلا من مقرَّب إلى الله، ومع ذلك لا أستطيع أن أغيّر معتقداتي في هذه السن المتأخرة. وبعد ذلك بدأ التغييرات تحدث في قلب الأستاذ حلمي؛ ففطرتُه السليمة مكَّنتْه من قبول الحق رغم اعتراضاته فبايعَ. فالأحداث من هذا القبيل لا تُعَدُّ ولا تحصى وهي تظهر في العصر الراهن أيضا، حيث يكشف الله الحق على بعض الناس عن طريق الرؤى، فالرسالة التي تصل في الرؤى لا دخل فيها للإنسان،

فهذه الأمور كلها تحدث نتيجةَ تحرُّك الملائكة في النظام كله الذي يخلقه الله تأييدا لمبعوثه. وهكذا ينجرّ السعداء إلى الحق باستمرار. لكن في الطرف الآخر يتمادى أتباع الشيطان في المعارضة، فهم مشغولون في عملهم حيث يضعون العقبات والعراقيل، وإن ما يدفعهم إلى ذلك هو تكبـُّرُهم الذي أشار الله إليه، وهذا التكبر يُخرجهم من زمرة الملائكة ويبعثهم على التمرد ويُجبرهم على الاقتفاء بأثر الشيطان. فعباد الله يكونون مظاهر صفات الله وتتقوى علاقتهم مع الله بانتظام ويتقدمون في الروحانية أيضا، ومثل ذلك يتقدمون في الشؤون الدنيوية المادية ابتغاء مرضات الله. أقدم لكم تفسير سيدنا المسيح الموعود لهذا الموضوع: يقول حضرته: إن التكبر بلاء لا يكاد الإنسان يتخلص منه، تذكَّروا أن التكبر يأتي من الشيطان ويجعل المتكبرَ شيطانًا، ولا يسَع الإنسان الفوزُ بفيوض إلهية وقبولُ الحق أبدا ما لم يبتعد عن هذا الطريق كلية.

أي لا يقبل أبدا رسالةَ الله للحق ومن ثم لا ينتفع من فيوض الله ، وكل ذلك نتيجة لعداوة الأنبياء، فمهما عبَد الإنسان وأكثرَ السجدات فلا تجديه شيئا، فقد قال سيدنا المسيح الموعود في موضع آخر: مهما أكثرتم الدعاء ضدي وخررتم في السجود لدرجة تهترئ أنوفكم مع ذلك لن تستطيعوا إلحاق أي ضرر بي لأن هذا التكبر يحول دون ذلك، فينبغي ألا يصدر منكم أي نوع من التكبر، فلا تغتروا بسبب علمكم أو ثروتكم أو مكانتكم المرموقة في المجتمع أو نسبكم السامي أو عائلاتكم العريقة لأن هذه هي دوافع التكبر عادة، وما لم يطهِّر الإنسان نفسه من بواعث الغرور والتكبر هذه فلا يمكن أن يعدّ عند الله من الأجلة المختارين المحبوبين، ولا توهب له المعرفة الإلهية التي من شأنها أن تحرق المواد الرديئة لأهواء النفس. فهذه العلوم الجوفاء تبقى علوما جوفاء ولا يفوز هؤلاء بالمعرفة، بما أن الغرور نصيب الشيطان فلا يحبه الله ، فقد تكبر الشيطان أيضا إذ اعتبر نفسه خيرا من آدم.

هذا ما تكبر به الشيطان أيضا حيث عَدَّ نفسه أكبر من آدم قائلا:

  أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (الأعراف13)،

 إلا أنه صار مردودًا في حضرة الله تعالى نتيجة لهذا التكبر، لذلك يجب على الجميع تجنبه. إن الإنسان يزلّ ويتعثر ولا ينتبه إلى ذلك ما لم يحرز المعرفة الإلهية الكاملة. ولكن من نال المعرفة الإلهية فإن الله تعالى يحفظه حتى ولو تعرض لشيء من الزلة والعثار.”

إن معارضي المسيح الموعود عليه الصلاة والسلام هم معارضو الأنبياء أنفسهم، وإن الكبر يسيطر عليهم فلا يمكن أن يبقوا في حفظ الله تعالى بل يقعون في أحضان الشيطان.

قال حضرته :

لقد اعترف آدم بضعفه عند الزلة التي تعرض لها وأيقن أنه لن يتم شيء إلا بفضل الله تعالى، لذلك فقد نال فضل الله عندما دعا الله تعالى بهذا الدعاء:

رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (الأعراف 24)

ليت هؤلاء الذين ينسبون أنفسهم إلى الأمة المسلمة يفهمون هذا الأمر فيتركون معارضة المسيح الموعود ويؤمنون بالذي بشر به النبي فبُعث بالآيات المؤيِّدة من الله تعالى، وينتبهوا إلى الإيمان بإمام الزمان بدلا من اتباعهم من يحملون أفكار التمرد والطغيان ومحاولاتهم للإضرار بهذا الإمام. لقد قال المسيح الموعود عليه الصلاة والسلام مرارًا: لو لم تكن هذه الجماعة من الله تعالى لكان قد قضي عليها منذ أمد بعيد. فيجب أن تفكروا في دعاء آدم بدلا من معارضة المسيح الموعود .

إن معارضي المسيح الموعود عليه الصلاة والسلام هم معارضو الأنبياء أنفسهم، وإن الكبر يسيطر عليهم فلا يمكن أن يبقوا في حفظ الله تعالى بل يقعون في أحضان الشيطان.

لعل الكثيرين منكم قد سمعوا ما حدث اليوم ولا زالت التلفزة تعرض أخباره، وتصلني المعلومات تباعًا أنه قد شُنَّ هجوم عنيف واسع النطاق على مسجدين للجماعة في لاهور أحدهما مسجدنا في “مادل تاون” والآخر في مسجد “دار الذكر”، كما خرج الناس في التظاهرة ضد الجماعة في منطقة “كنري”. وهكذا تتلقى الجماعة معارضة في أماكن أخرى من العالم أيضا على يد أتباع بعض المشايخ المزعومين. ولكن هل لهذه المعارضة أن تقضي على الجماعة الإسلامية الأحمدية؟ هل نجحت في الماضي هذه المعارضة في القضاء على الجماعة؟ كلا، لم ولن يحدث ذلك. أما هؤلاء فسوف يبطش بهم الله تعالى، وإنَّ بطْشَ الله تعالى يجعلهم عرضة للعذاب الإلهي. يقول المسيح الموعود ناصحا لنا: إن الدعاء أمر عظيم، عند الحرب بين آدم والشيطان لم تُفِد أية حربة أخرى سوى الدعاء، وبواسطة الدعاء فحسب انتصر آدم على الشيطان في آخر المطاف.

ثم يقول حضرته:

نعتقد أنه كما تغلب آدم على الشيطان في البداية بواسطة الدعاء، كذلك في الزمن الأخير أيضا يهب الله تعالى الغلبة والانتصار بواسطة الدعاء لا بالسيف. لقد انتصر آدم الأول على الشيطان بفضل الدعاء حيث قال:

  رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (الأعراف 24)

قال حضرته: وسوف ينيل الله تعالى المسيح الموعود – الذي سماه آدم الثاني والذي سيخوض حربا أخيرة مع الشيطان في الزمن الأخير – غلبة وفتحا بواسطة الدعاء أيضا.

فما دامت هذه المعارضة تشتد بل تزداد في كثير من الأماكن أضعافا مضاعفة، فلا بد لنا أن نركز على الدعوات. إن الجماعة تزداد وتزدهر بفضل الله تعالى رغم هذه المعارضة والعقبات كلها ورغم أن الشيطان يجلس بالمرصاد في كل الطرق. ولكن في جانب آخر إن ملائكة الله تعالى أيضا تنـزل على الطبائع السعيدة من الناس فلا يزالون يدخلون الجماعة.  لقد علمنا الله تعالى في سورة الأعراف دعاء رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا ، لذلك علينا أن نهتم اهتمامًا بالغا بالتقرب إلى الله تعالى أكثر فأكثر وبنَيْل بركاته وبالدعاء لتجنب هجمات الشيطان وبإصلاح أنفسنا بشكل فردي وعلى مستوى الجماعة أيضا.

يقول المسيح الموعود :

لقد خلقت الحكمة الإلهية في فطرة آدم علاقتين اثنتين في البداية؛ إحداهما علاقة مع الله تعالى لقوله تعالى:

  فَذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (الحجر 30)

حيث يتبين من هذه الآية أن الله تعالى بعد خلْقِه آدم ونفْخِه فيه روحَه قد أنشأ علاقة بينه بين فطرة آدم منذ البداية، وذلك لكي ترتبط فطرة الإنسان بالعلاقة مع الله تعالى؛ ومن ناحية أخرى كان ضروريا أن يرتبط بالعلاقة الفطرية مع بني نوع الإنسان أيضا لأنهم إذا كانوا من لحم آدم ودمه فلا بد أن يأخذوا نصيبا من تلك الروح التي نفخت في آدم.

فهذا هو واجبنا الآن أن نزداد علاقة مع الله تعالى، فإذا كانت هذه العلاقة صحيحة اصطبغت فطرتنا بفطرة آدم، وبالتالي ركزنا أكثر على أداء حقوق العباد. فعليكم مواصلة المهمة التي بُعث المسيح الموعود لأجلها، وتذكروا أن الله تعالى قد وعد بأن يملأ جهنم بأتباع الشيطان.

إن عواصف المعارضة تهب بشدة حاليا. لم يظهر بشكل كامل حجم الخسائر الناتجة عن الهجوم على مسجديْنا في لاهور، ولكن هناك كثير من الشهداء والجرحى وحالةُ كثير منهم خطيرة. لم تتضح بعدُ الصورةُ في مسجد “دار الذكر” فلا نعرف العدد الحقيقي للشهداء الذين كانوا قد اجتمعوا لصلاة الجمعة هناك. على أية حال، سنعرف العدد الحقيقي عندما تصلنا التفاصيل ولكن هناك عشرات الشهداء في هذا الحادث. ندعو الله تعالى أن يرفع درجات جميع الشهداء، وادعوا للجرحى أيضا أن يشفيهم الله تعالى لأن حالة الكثيرين منهم خطيرة.

كما تغلب آدم على الشيطان في البداية بواسطة الدعاء، كذلك في الزمن الأخير أيضا يهب الله تعالى الغلبة والانتصار بواسطة الدعاء لا بالسيف.

إن الله تعالى قادر على أن ينتقم من هؤلاء المعارضين الذين حاولوا إلحاق الضرر على مستوى الجماعة، وهو أعلم كيف سيري يد قدرته، وكيف يبطش بهؤلاء المفسدين الظالمين. ندعو الله تعالى أن يجعل عبرةً هؤلاء الذين يتحَدَّوْن غيرته مرة بعد أخرى ويزدادون ظلما وجورًا. وسيحدث هذا بإذن الله تعالى.

يجب على الأحمديين أن يدعوا الله تعالى بكل حرقة والتياع ليري قدراته وقوته فيحطم كبرهم وطغيانهم وعجرفتهم وقوتهم المزعومة، وزاد الأحمديين إيمانًا ويقينًا، وألا يُضعف هذا الابتلاء إيماننا أبدا. أطلب من جميع الأحمديين في العالم كله أن يدعوا كثيرا في هذه الأيام لأحمديي باكستان لأنهم يمرون من ظروف صعبة للغاية. كذلك ادعوا كثيرا للأسرى في مصر ليهيئ الله تعالى أسبابا للإفراج الفوري عنهم.

إضافة إلى ذلك قد تم في الفترة الأخيرة اعتقال أحمديَين أو ثلاثة في منطقة “كيراله” بالهند أيضا بتهمة كاذبة، فاذكروهم أيضا في دعواتكم. لن تذهب تضحيات هؤلاء الأسرى والجرحى والشهداء هدرًا، ولن ينجح الشيطان وأتباعه في مرامهم. رحمنا الله تعالى وحفظنا جميعا من كل ابتلاء، آمين.

Share via
تابعونا على الفايس بوك