التقوى جذر الإيمان وأصله
التاريخ: 2010-03-12

التقوى جذر الإيمان وأصله

حضرة مرزا مسرور أحمد (أيده الله)

حضرة مرزا مسرور أحمد (أيده الله)

الخليفة الخامس للمسيح الموعود (عليه السلام)
  • الإيمان المجرد من التقوى لايمكن ان يقرب الإنسان إلى الله تعالى .
  • القرآن الكريم رزق وثروة علمية وروحانية.
  • المتقي الحقيقي هو الذي يؤدي حقوق الله وحقوق العباد.
  • إن صحابة النبي جعلوا الأعلون وملوك الأرض لتضحياتهم في سبيل الاسلام.
  • أصبحت بعض البلاد الإسلامية الغنية محكومة لدرجة كانهم مقرنين بأصفاد العبودية، لأنهم نسوا الله فنساهم.

__

أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك لـه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد فأعوذ بالله من الشيطان الرجيم. بسْم الله الرَّحْمَن الرَّحيم * الْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمينَ * الرَّحْمَن الرَّحيم * مَالك يَوْم الدِّين* إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإيَّاكَ نَسْتَعينُ * اهْدنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقيمَ * صِرَاط الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْر الْمَغْضُوب عَلَيْهمْ وَلا الضَّالِّين . (آمين)

لقد تناولت في الخطبة الماضية بيان صفة الله الحسيب وانطلاقا منه ذكرت حالةَ المؤمنين أنهم كلما تعرضوا لابتلاء أو أصابتهم أذية من المعارضين قالوا لِقوة إيمانهم حَسْبُنَا اللهُ . ولا تُضعِّف إيمانَهم أي مصيبةٍ تصيبهم من أهل الدنيا أو ضغطٍ يمارَس عليهم أو أيُّ تصرُّف غاشم أو اعتداء.

وبينتُ ثانيا أن الله كافٍ لمحاسبة أعداء الأنبياء والمؤمنين بهم ومؤذيهم، فهو سريع الحساب مما يعني أنه عندما يتخذ القرار بشأن تعامل المعارضين المتمادين في الاعتداء فهو يبطش بكل متغطرس ومتكبر في هذه الدنيا أو الآخرة ويحاسبه على مظالمه. إن الظالم إذا نجا من بطش الله في هذه الدنيا بشكل عام فيحسب أن كل ما يقوم به هو الصواب، وهذا ما يزيده ظلما واعتداءً. فهو يذكر الله تعالى في الظاهر غير أن الله عليم بأسرار الصدور وهو أعلم بما في قلبه. فعندما يقرر الله تعالى أن يحاسَب أمثال هؤلاء، فإن عاقبتهم تكون مخيفة ووخيمة جدا، نجد تفصيل ذلك في الحديث التالي وهو يتضمن إنذارا شديدا:

 عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللهِ مَنْ حُوسِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عُذِّبَ. فَقُلْتُ: أَلَيْسَ قَدْ قَالَ اللهُ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا ؟ فَقَالَ لَيْسَ ذَاكِ الْحِسَابُ؛ إِنَّمَا ذَاكِ الْعَرْضُ؛ مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عُذِّبَ. (مسلم كِتَاب الْجَنَّةِ وَصِفَةِ نَعِيمِهَا وَأَهْلِهَا باب إِثْبَاتِ الْحِسَابِ)

ففيه إنذار مخيف، ونسأل الله تعالى أن يرحم الجميع. إن من مزايا المؤمن أنه يسير على دروب التقوى، وإن من يتحلى بالتقوى فإنه ينال نصيبا من إنعامات الله تعالى. ألا إنما المتقون هم أولئك الذين يخشون الله تعالى، ويسعون أن يفحصوا أعمالهم ويراقبوها، ويجتهدون لأداء حقوق الله وحقوق العباد، وعندما يصدر منهم هذا السعي والجهد فكيف تتجلى لهم صفة الله الحسيب؟ ففي هذا الصدد ذكر الله تعالى كونه حسيبا في القرآن الكريم حيث قال:

  وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (الطلاق:4)

وقبل هذه الآية يقول الله :

  وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا

فإن الذي يتمسك بالتقوى فإن الله يرزقه ويكشف له طرقا ما كانت لتخطر على باله. فلاكتساب الرزق يتوكل المتقي على الله وحده ، وإذا كان التوكل حقيقيا فإن الله يُري مشاهد كونه حسيبا كافيا. لا يغيبن عن البال هنا أن كلمة الرزق لا تطلق على الرزق المادي فقط، بل لها معان ومفاهيم واسعة جدا فمن معاني الرزق الواردة في القواميس الرزق المادي الذي تتوقف عليه الحياة من الأقوات والأغذية ولوازم أخرى للعيش كالنقود. ومن معانيها الرزق الروحاني أيضا أي أن يكون الإنسان روحانيا، كما أن من معانيها ثروة العلم أيضا، بل إنها تشمل جميع القوى الإنسانية. فحاجة المتقي المتوكل على الله لا تقتصر على الرزق الدنيوي المادي فقط بل إنه يرجو من الله كل أنواع الرزق. فنظرا للمعاني الواسعة لكلمة الرزق، قد فسر لنا سيدنا المسيح الموعود هذا الموضوع بأسلوب رائع جدا.

ومن عادة سيدنا المسيح الموعود أنه كلما أراد أن يقدم أسمى مثال على أي حسنة أو خصلة حميدة فلا يخطر بباله غيرُ سيده ومطاعه النبي محمد فكيف يُتوقَّع من هذا المحب المخلص لحضرته عند تقديمه الأمثلة على مَن نالوا الرزق الروحاني في أثناء بيان هذا الموضوع ألا يذكر المثال من حياة النبي وسيرته؟ فقد قال: إن من بركات التقوى أن الله ينقذ المتقي من المصائب التي تشكل عائقا في أداء المهمات الدينية (أي المشكلات التي تمنع من أداء الأمور الدينية فإن الله تعالى ينجي المتقي منها) كذلك يرزق الله المتقي بشكل خاص، هنا سوف أذكر رزق المعارف، فكان النبي قد قُدِّر له التصدي للعالم كله – رغم كونه أميا – بما فيهم أهلُ الكتاب والفلاسفة وأصحاب الذوق العلمي الرفيع والعلماء والفضلاء غير أنه قد وُهب له من الرزق الروحاني ما جعله فوق الجميع، فخطَّأ الجميعَ. فهذا هو الرزق الروحاني الذي لا يوجد له مثيل. (تقرير الجلسة السنوية 1897 ص 34-35)

فالمائدة التي نزلت على النبي في صورة القرآن الكريم لا يوجد لها نظير في العالم، هذا ما تحدى به القرآن الكريم أنه لا يقدر أحد على الإتيان بسورة من مثله حتى لو كانت صغيرة، فهذا رزق وثروة علمية وروحانية وُهبت للنبي لم تُفحم العالم في حياة حضرته فقط، بل إن هذا الكتاب الحي الخالد إلى يوم القيامة يتضمن الأنباء عن كل ابتكار حديث. وتنفتح طُرقُ كلِّ أنواع العلم والمعرفة باستمرار على من يقرأه ويتدبره، بشرط أن يقرأ بتمعن وتفكّر فيه. فالعلم الذي وهب للنبي لم يكن الصحابة ليدركوا منه بعض الأمور التي قد وردت في القرآن الكريم، لهذا قد قال الله تعالى حول بعض الأمور، الآن لا تدركون ولا تستوعبون ما هي الكنوز العلمية التي وهبت للنبي . فلم يكن كبار الصحابة – ناهيك عن عامة الصحابة – يدركون ما هي الذرة لكن الله تعالى كان قد كشف على النبي الدمار الشامل الذي تسببه الذرة، وسماه القرآن الكريم “الحطمة” وقال:

  وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ (الهمزة:6)

فالخطاب موجه هنا في الآية إلى الصحابة، ثم قال شرحا له

  نَارُ اللهِ الْمُوقَدَةُ * الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الأَفْئِدَةِ (الهمزة 7-8)

أي تتأثر بها القلوب أولا، ثم يتأثر سائر أعضاء الجسم. لقد بنوا في مدينة ناغاساكي اليابانية – التي أسقطت عليها القنبلة الذرية – متحفا تُعرَض فيه مشاهدُ مأساة الناس وبأسِهم عند سقوط القنبلة الذرية، حيث تجمد الإنسان جالسا إذا كان جالسا لسكتة قلبية ولم يستطع حتى التحرك البسيط وتجمد حيثما كان، ثم بعد توقف القلب عن العمل قاعدا أو مستلقيا أو واقفا ذاب الجلد وانسدل. باختصار هذا مثال واحد وهناك أمثلة كثيرة بيَّنها الله تعالى عن الابتكارات والاختراعات الحديثة التي تُثبت تفوُّقَ القرآن الكريم، فهذه الأمور تثبت سمو مكانة النبي وتفوقه العلمي والروحاني. وإن الصحابة الذين اكتسبوا منه هذا الفيض الروحاني وحصلوا منه على كنوز العلم والمعرفة حسب قواهم وكفاءاتهم، كان تفكيرهم يتمحور حول البحث عن الرزق المادي والروحاني، وكان بعضهم قد أوكلوا توفير الرزق المادي الدنيوي إلى الله وحده وكانوا يسعون جاهدين لتُسنح لهم فرصة للاستماع إلى كنور العلم والمعرفة من لسان النبي المبارك، ليغتنوا بهذا الرزق المبارك، ومنهم مثلا حضرة أبي هريرة الذي كان يلازم النبي كل حين وآن ولم يكن يبرح مجلسه والمسجد، ولم يكن يفكر في أمر آخر وكاد يغمى عليه من شدة العطش والجوع لكن الرزق العلمي الروحاني الذي اكتسبه من النبي فهو يوزَّع على الناس إلى هذا اليوم عن طريق رواياته الكثيرة وهذا الفيض يستمر إلى يوم القيامة. فهؤلاء هم الذين نالوا الفيض ثم أكسبوا الآخرين فيضَ ما نالوا من الرزق العلمي. لا شك أن أغلبية الصحابة كانوا يشتغلون بالتجارة والأعمال الدنيوية أيضا، غير أن أولى أولوياتهم وأكبرها أن يتقدموا في الروحانية وهم سائرون على دروب التقوى ويستجيبوا كل أمرٍ للنبي وينالوا الفيض من المائدة الروحانية التي كانت تنـزل على النبي يوميا بانتظام في ذلك العصر، ثم كان منهم من كانوا إذا عملوا قليلا بارك الله في عمله بركة وأعطاه ربحا دون عدِّ وحساب. يقول أحد الصحابة أنه طلب من النبي الدعاء للبركة في تجارته فدعا له . ثم يقول الصحابي أن تجارتي بوركت بعد دعاء النبي حتى إذا وقعت يدي على تراب صار ذهبا.

“فكان النبي قد قُدِّر له التصدي للعالم كله – رغم كونه أميا – بما فيهم أهلُ الكتاب والفلاسفة وأصحاب الذوق العلمي الرفيع والعلماء والفضلاء غير أنه قد وُهب له من الرزق الروحاني ما جعله فوق الجميع، فخطَّأ الجميعَ. فهذا هو الرزق الروحاني الذي لا يوجد له مثيل.”

باختصار، حين سلك الصحابة مسالك التقوى وقدموا الدين على الدنيا صارت الدنيا أيضا مملوكة لهم. كان مِن الصحابة مَن كانوا يشتغلون في تجارات دنيوية أيضا ولكنهم لم يكونوا ديدان الأرض. ولما ماتوا ترك بعضهم خلفه ذهبا يُقدّر ثمنه بالملايين في بعض الحالات بالإضافة إلى عقارات أخرى. فهؤلاء الناس نالوا رزقا ماديا أيضا لا يُعدُّ ولا يُحصَى بالإضافة إلى الرزق الروحاني. يقول المسيح الموعود :

“إن من يكون تقيا ويحاول أن يصبح تقيا حقيقيا في نظر الله يخرجه من كل ضيق ويرزقه من حيث لا يحتسب. إن وعد الله حقٌ، ونحن نؤمن بأن الله يفي بوعوده وهو رحيم وكريم. الذي يصبح لله ينجّيه من كل خزي ويكون له معينا ونصيرا. أما الذين يدَّعون التُّقى من ناحية، ومن ناحية أخرى يشْكون أننا لا نتلقّى البركات، فأيًّا من الفريقين نكذِّبه ومن منهما نصدِّقه؟ لا يمكن أن نتَّهم الله تعالى بالإخلاف في الوعد بحال من الأحوال، إن الله لا يخلف الميعاد . فلا بد أن نكذِّب هذا المدَّعي. والحق أن تقواهم وصلاحهم لا يكون قد وصل إلى درجة حتى يكون ذا أهمية في نظر الله، أو لا يتقون الله بل يتقون الناس ويُراءون، لذا تنـزل عليهم اللعنة بدلا من الرحمة والبركة فيهيمون مأخوذين في مصاعب الدنيا ومصائبها. إن الله لا يضيع متقيا أبدا، إنه صادق ومخلص في وعوده…..

يقول داود في الزبور ما مفاده: كنت صبيا فشَبَبْتُ، وقد شختُ الآن ولكني لم أر متقيا وورعا يتسول، بل لم أر أولاده أيضا مدفوعين بالأبواب يطلبون لفاظات الموائد.

صحيح وحق تماما أن الله تعالى لا يضيع عباده بل يحميهم من مدّ اليد أمام الآخرين. لقد خلا كثير من الأنبياء والأولياء، لكن هل يسع أحدا القول إنهم اضطروا للتسول يوما؟ أو حلت مصيبة بأولادهم واضطروا للتسول مدفوعين بالأبواب برؤوس مغبَرَّة؟ كلا، بل إنني أعتقد أنه إذا صار الإنسان لله وكان متقيا صادقا وضع الله تعالى عليه يد الرحمة والبركة إلى ستة من أجياله وحماهم. (جريدة “الحكم” ج 7 رقم 12 عدد 31 آذار/مارس 1903م ص 5)

إذن، الشرط الأساس في ذلك هو أن يصير الإنسان لله ويتقيه. لذا على كل مؤمن يعلن الإيمان أن يحاول التقدم في مجال التقوى. والأصل الثاني إلى جانب التقوى هو التوكل على الله تعالى.

فكما قال المسيح الموعود إن المؤمن بكونه تقيا ومتوكلا لا ينال الرزق وحده بل تناله أجياله أيضا. وليكن واضحا أيضا أنه إذا قام أولاد المتقي بالظلم والتمرد فيعمل قانون آخر من قوانين الله عمله فيرفع عنهم الحماية والبركة. فإن أولاد المتقين الحقيقيين يحاولون بأنفسهم أيضا – نتيجة التربية الحسنة والأدعية التي يدعو بها المتقي لهم – أن يسلكوا على طرق التقوى. فبسبب تلك الحسنات تحظى أجيالهم التالية أيضا بالبركات والحماية. فإن كلام المسيح الموعود المذكور أعلاه لا يتنافى مع قوانين القدرة ولا يعارض الأحدات الواقعة. قد يقال هنا: لماذا غرق ابن نوح إذن؟ الحق أن ابن نوح لم يحاول أن يأخذ نصيبا من التقوى بل تمرد فلقي مصيره. أما إذا أبدى أولاد شخص ورع تقي ضعفًا، من أيِّ نوع كان، أو تعرضوا لخسارة ما في التجارة أو ما إلى ذلك، فإن الله تعالى لا يسمح أن تسوء ظروفهم إلى حد الجوع، بل يتداركهم سريعا. ولو ظلوا قائمين على التقوى لشاهدوا مشاهد أفضال الله دائما.

إنني أعتقد أنه إذا صار الإنسان لله وكان متقيا صادقا وضع الله تعالى عليه يد الرحمة والبركة إلى ستة من أجياله وحماهم.

ويقول بعض الناس أحيانا بأننا نصلي ونكسب الحسنات أيضا ولكن ظروفنا لا تزال تسوء وتزداد سوءا يوما إثر يوم. فهنا يجدر التذكُّر كما بينه المسيح الموعود في البداية أنه يجب على الإنسان أن يكون تقيا في نظر الله تعالى. وهذا الأمر بحاجة إلى جهود كبيرة. إذن، فإن هؤلاء الناس بحاجة إلى تفكير رصين وتوجه إلى الاستغفار كثيرا. إن وعد الله تعالى لا يمكن أن يكون كاذبا، وإذا كان هناك نقص ما فهو فينا نحن وفي مساعينا. المراد من التقوى هو كسب أدق أنواع الحسنات والاهتمام بها بدقة متناهية. فإذا كانت الظروف تزداد سوءا يوما فيوما في حالة ما على الرغم من كل المحاولات فلا بد أن نحاسب أنفسنا أولا.

يقول سيدنا المسيح الموعود فيما يتعلق بالتجارة وما شابه ذلك بأنه لو كذب الإنسان فيها مهما كان بسيطا فهذا يُبعده عن التقوى. وهذا يتنافى مع التوكل على الله أيضا. فمن أجل الاستفادة من إنعامات الله تعالى علينا أن نحاسب أنفسنا محاسبة بنظرة دقيقة حتى لا تكون في كلامنا شائبة من الكذب، أو سوء النية، ولننتبه أيضا أن كل ما قمنا به من الأعمال كان صحيحا خالصا وبالقول السديد. ليس المراد من القول السديد أن يصدق الإنسانُ القولَ بل المراد هو الصدق الذي يفهمه الآخرون بكل وضوح.

ثم هناك حقوق للعبادة، فحتى يكون الإنسان متقيا لا بد له من أداء حقوق العبادة أيضا. المتقي الحقيقي هو الذي يؤدي حقوق الله وحقوق العباد كذلك. ولهذا الغرض لا بد من أن نحاسب أنفسنا بدقة وعمق. إن بعض الناس – بل كثير منهم – يكسبون الأموال بالخديعة ويصبحون أغنياء كبارا ويملكون سعة مالية ظاهريا، ولكن هذه الثروة بمنـزلة نار لهم في نظر الله. فمن ناحية إنهم يحترقون في النيران في هذه الدنيا، سواء كان ذلك بصورة أمراض أو قضايا في المحاكم أو مصائب وبلايا أخرى، لأن هذه الثروة تتسبب في القلاقل والاضطراب لهم. ومن ناحية ثانية هناك نار في الآخرة قد حذّر الله منها أيضا. فثروتهم هذه ليست مما يُحسَد عليه أو يمكن أن يرنو إليه المؤمن بحسرة، بل تشكِّل أمرا مخيفا ومرعبا. ولكن حين يذكر الله تعالى الرزق بصدد المؤمن فيذكر رزقا مباركا. فغاية المؤمن المنشودة هي الرزق الروحاني وهو المقدَّم على كل شيء، الأمر الذي يهب المؤمن الطمأنينة القلبية في الدنيا. وبالإضافة إلى ذلك وعده الله تعالى بإكرامه بجنات رضوانه في الآخرة التي هي دار القرار الأبدي. إذن، فإن معايير المؤمن والإنسان المادي تختلف كثيرا. فمَن كان يبتغي رضوان الله لا يسعى وراء الدنيا بل يحاول أن يجعل من الرزق المادي أيضا مدعاة لنيل رضاه . ففي القرآن الكريم يعِد الله تعالى المؤمن بالرزق الوفير دون حساب ثم يذكر غرق الكفار والناس الماديين في ملذات الدنيا ويقول:

زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (البقرة: 213)

فهذه الآية تتحدث من ناحية أن الكفار يَعُدُّون الثروة الدنيوية كل شيء، ومن ناحية ثانية تصور الماديين بوجه عام وتقول بأنهم يحتقرون الآخرين معتزين بثروتهم. كذلك يظلم الأقوياءُ المؤمنينَ الضعفاء غارقين في نشوة قوتهم مستغلين اسم الله في الظاهر. ولكن يجب أن يتذكروا أن القيامة أيضا موعد محدد لهم، وسيتضح في ذلك اليوم أأفلح الظالمون والمعتدون والمغترون بحكومتهم والمتباهون بقوة حزبهم، أم أولئك المساكين الذين يتحملون كل نوع من الاعتداء ابتغاء مرضاة الله. نبّه الله تعالى هنا بقوله وَالَّذِينَ اتَّقَوْا إلى أن الإيمان المجرد لا يكفي بل التقوى هو جذر الإيمان وأصله فلا بد من التحلي به. ينبغي للمؤمنين الانتباه إلى هذا الأمر الهام؛ إذ الإيمان المجرد عن التقوى لا يمكن أن يقرب الإنسان إلى الله تعالى. واليوم عندما نُلقي نظرة عامة على العالم الإسلامي نرى حالة المسلمين غير الأحمديين يرثى لها رغم وعد الله تعالى أنه ينصر المؤمنين في حروبهم ضد الكافرين وهذه الحالة تدل على أن هناك نقصًا في تقواهم وإلا فإن الله تعالى يعِد بأن يفتح للمؤمنين طرقا ومسالك لا يحتسبونها. ولقد قال في الآية السالفة أيضا إنني أرْزُقُ بِغَيْرِ حِسَابٍ. ونرى مشهد رزقه للمسلمين بغير حساب في القرون الأولى حيث رزقهم الله تعالى أكثر بكثير من تضحياتهم، وبقيت الحكومات الإسلامية تتمتع بالرعب والقوة ما بقي فيهم شيء من التقوى. أما في زمننا الحاضر فرغم أن الله تعالى قد أغدق على بعض الدول الإسلامية بثروة النفظ إلا أن القوى الغربية قد جعلت طوق العبودية الاقتصادية في رقابهم، الأمر الذي أدى إلى تعذّرهم عن استخدام هذه الثروة لدعم الاقتصاد المتعثر في البلاد الإسلامية الفقيرة. فإما أنهم لا ينوون دعم البلاد الإسلامية الفقيرة أو يخافون. على أية حال، لا يساعد المسلم اليوم أخاه كما يجب، أيًّا كان السبب. وإذا أرادت هذه الحكومات الإسلامية الغنية مساعدة بعض الفقراء فإنها -قبل اتخاذ أية خطوة- تنظر إلى الحكومات الغربية. ولقد مرّ على المسلمين حين من الدهر جابهوا دولة الفرس العملاقة والدول القوية الأخرى وانتصروا عليها رغم ضعفهم وقلة عددهم وعُدّتهم وعتادهم وأموالهم. لم يفعلوا ذلك لمجرد فتح تلك الحكومات والبلاد وإنما لوضع حد لظلمها، وبالتالي نجح الإيمان المفيض بالتقوى في كفّ يد الظلم، ثم رزق الله تعالى أصحاب هذا الإيمان بغير حساب. أما الآن فإن البلاد الإسلامية الفقيرة تنظر مستجدية إلى البلاد الغربية، أما العدد القليل من البلاد الإسلامية الغنية في الظاهر فهي أيضا أعرضت عن ربها الحقيقي وخالقها ومالكها ومعبودها وتوجهت إلى أربابها الدنيوية ومالكيها ومعبوديها، مما يدل على أن هناك نقصًا في تقواهم مما أدى بهؤلاء – الذين كان من المفروض أن يكونوا قادة العالم كله – أن يصبحوا محكومين لدرجة وكأنهم مقرّنين بأصفاد العبودية، الأمر الذي ينافي منافاة تامة مع قدر الله الأخير الذي يقول تعالى عنه: إن اللهَ بَالِغُ أَمْرِهِ أي أن الله تعالى ينفذ قراره ويتمّ أمره. وهذا هو قراره بأنه ليغلبَنَّ هو ورسله. إن نجاة العالم الآن منوطة بالإسلام، ولكن كيف سيتم ذلك؟ والرد على ذلك أنه سيتم الآن كما تمّ سابقا حيث استفاض الصحابةُ بالنبي وجعلوا الدنيا تحت أقدامهم، وآثروا الدين على الدنيا، وتحرّوا سبلا دقيقة للتقوى وسلكوها، وكانوا مستعدين في كل حين وآن للتضحية بأنفسهم وأموالهم وأوقاتهم ومكانتهم من أجل الإسلام. ولما ضاقت عليهم الأرض بسبب هجوم الأعداء عليهم واعتداءاتهم هاجروا منقادين لأمر الله تعالى، ثم فتح الله تعالى لنصرهم أبوابا لا تُعَدّ ولا تحصى. لقد ذكر الله تعالى في الآية التالية حالة المسلمين المزرية في بداية الإسلام ثم إنعام الله عليهم برزق بغير حساب حيث قال:

  قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (الزمر 11).

كان المسلمون يعيشون في مكة في بداية عهد الإسلام في حالة يرثى لها. لم يكن كفار مكة يتورعون عن الهجوم على النبي أيضا ناهيك عن الفقراء من المسلمين الذين كانوا يتعرضون رجالا ونساء لأشد أنواع الاضطهاد حتى كانوا يُستشهدون. يقول الله تعالى إن التقوى هي الشرط الأساسي الذي يجب توافره مع الإيمان لأن الذين يسلكون سبل التقوى ويحاولون العمل بالصالحات سينالون أجرهم في هذه الدنيا أيضا علاوة على الآخرة. ثم قال في الآية السالفة: نظرًا إلى بلوغ اضطهاد الظالمين منتهاه في مكة فمن خير لكم أن تهاجروا لتنجوا من ظلمهم لأن هذه الهجرة سوف تهيئ لكم أسبابًا كثيرة للوسعة. لا تظنوا أن ما تحملتموه من الظلم والاضطهاد سيذهب هدرًا، بل الله تعالى سوف ينعم عليكم بأفضال وأجور لا تستطيعون أن تحصوها، وهذا هو جزاء الصابرين الذين قد جعلهم الله تعالى فيما بعد قادةً لبلاد كثيرة وعُهِدت إليهم زمام الحكومات الكثيرة. إن التحلي بالتقوى والالتزام بأوامر الله تعالى قد جعل من العُزَّل والضعفاء حُكّاما لبلاد كثيرة. وإنه من شِقاء المسلمين اليوم أنهم صاروا محكومين رغم تملّكهم زمام الحكومات الكثيرة، ولكن الله تعالى يعِد وعدَ الحقّ، وهو قد أرى النبيَّ كل هذه المظاهر مسبقًا، وأخبره أن ثمار التقوى والصبر لا تقتصر على زمن من الأزمان، بل كما أظهر المسلمون في القرون الأولى نماذج التقوى والصبر فأكلوا ثمارهما، كذلك بعد انقضاء عهد مظلم سوف يأكلها المؤمنون مرة ثانية، وبشر الله النبي أن غلبة الإسلام سوف تتمّ على يد خادمك الصادق وجماعته، وسيمر هذا الخادم الصادق وجماعته من نفس هذه الظروف التي مر بها المسلمون في القرون الأولى. فكما حصل في بداية عهد الإسلام أنه لما ضُيّقت الأرض على المسلمين فتح الله تعالى أمامهم أبواب نشر الإسلام، كذلك كان مقدّرًا أن تضيق الأرض على أتباع المسيح الموعود ثم تُفتَح لهم تلك الأبواب. لقد أوصى النبي أمته أن لا تكونوا من المعارضين للمسيح المحمدي بل يجب أن تكونوا من أنصاره واقرؤوا عليه مني السلام. واليوم يشهد كل أحمدي على أنه قد ضُيّقت علينا الأرض في باكستان حيث فُرضت علينا أنواع من التضييق، ولكن الله تعالى اليوم قد غرس غرسة الأحمدية في 195 بلدا من بلاد العالم. يجب أن تتذكروا دوما أن رقي الأفراد منوط برقي الجماعة، ولا يتعثر ازدهار الجماعة بالخسائر الفردية. لقد فتَحَت أحداثُ استشهاد المسلمين في الأزمنة الأولى أبوابَ بلاد جديدة، واليوم أيضا ستؤدي تضحيات المسلمين الأحمديين إلى رقي الأحمدية وازدهارها. تصل اليوم دعوة المسيح الموعود إلى العالم كله عبر القناة الفضائية الإسلامية الأحمدية وليس ثمة بلد في العالم اليوم لا تصله هذه الدعوة أو يخلو من الذين يصلّون على النبي ، بل عندما تُبَثّ الصلاة على النبي عبر MTA فإنها تنتشر في أجواء كل هذه البلاد حتى لو لم يكن فيها من يردد ذلك. فكما ذكرت إن بث MTA اليوم يصل ويُشاهَد في 195 بلدا من بلاد العالم، ولا يوجد في العالم كله قناة فضائية تضمن أن بثها يُشاهد في وقت من الأوقات في 195 بلدا من جميع قارات العالم.

القليل من البلاد الإسلامية الغنية في الظاهر فهي أيضا أعرضت عن ربها الحقيقي وخالقها ومالكها ومعبودها وتوجهت إلى أربابها الدنيوية ومالكيها ومعبوديها…… كان من المفروض أن يكونوا قادة العالم كله … أصبحوا محكومين لدرجة وكأنهم مقرّنين بأصفاد العبودية، الأمر الذي ينافي منافاة تامة مع قدر الله …..

إن قناتنا يشاهدها غير الأحمديين أيضا؛ بعضهم بهدف التعلّم وبعضهم بحثا عن نقاط الاعتراضات، فإنهم يشاهدونها في جميع الأحوال أيا كان الهدف من مشاهدتهم. على أية حال، إن القصد من ذكر هذه الأمور هو أنه كلما ضُيّقت الأرض على الجماعات الإلهية فإن الله تعالى يهيئ لهم – في أماكن أخرى وبطرق أخرى – أسبابًا كثيرة للوسعة. وكان من المقدر أن تكون معاملة الله تعالى مع جماعة المسيح المحمدي على هذا النحو، لأن الغلبة الأخيرة للإسلام منوطة بالمسيح الموعود حسبما جاء في وعود الله تعالى وفي النبوءات الواردة عن النبي .

ندعو الله تعالى أن يوقفنا لندرك أهمية هذه المسؤولية بشكل فردي أيضا ونلتزم بطرق التقوى حتى نحقق الهدف الذي بُعث المسيح الموعود لأجله ونرى بأم أعيننا مشاهد رزق الله بغير حساب، آمين.

Share via
تابعونا على الفايس بوك