معركة  اليرموك، وتجل لأخلاق الفاتحين المسلمين

معركة  اليرموك، وتجل لأخلاق الفاتحين المسلمين

حضرة مرزا مسرور أحمد (أيده الله)

حضرة مرزا مسرور أحمد (أيده الله)

الخليفة الخامس للمسيح الموعود (عليه السلام)
  • فما هو الموقف الأخلاقي الفريد الذي سجله المسلمون في إعادة الجزية لأهل حمص، وكيف كان رد فعل السكان؟
  • وكيف تجلت عبقرية خالد بن الوليد العسكرية في تنظيم الجيش لمواجهة التفوق العددي للروم؟
  • وما هو الدور البطولي والحاسم الذي لعبته النساء المسلمات في ثبات المقاتلين ومنع تقهقرهم؟
  • وكيف ضرب الصحابي الجليل عكرمة بن أبي جهل ورفاقه أروع أمثلة الفداء والإيثار حتى اللحظات الأخيرة لاستشهادهم؟

____

معركة اليرموك والفصل في اختلاف الروايات بشأنها

كنت أذكر أحداثا من عهد سيدنا عمر ، واليوم سأتناول بيان معركة اليرموك، وعن حدوثها اختلاف في الروايات ففي رواية أنها كانت في العام الخامس عشر الهجري، وعند البعض اندلعت في العام الثالث عشر قبل فتح دمشق، وروايةٌ تقول أن أول معركة وصل خبر الانتصار فيها إلى سيدنا عمر كانت اليرموك، وكان عشرون يوما قد مضت على وفاة سيدنا أبي بكر . وعند البعض وصله خبرُ فتح دمشق أولا. على كل حال أرى أن البشارة بفتح دمشق الذي كان قبل اليرموك يبدو أصح، فالشواهد تفيد أن معركة اليرموك كانت في عهد سيدنا عمر ، فقد خرج الروم من دمشق وحمص منهزمين ووصلوا إلى أنطاكية، وهي مدينة على حدود الشام، واستنصروا هرقل أن العرب قد وطأوا الشام كلها، فاستدعى هرقلُ منهم عددا من الأشراف والمحنكين وقال: إن العرب أقل منكم عددا وقوة وعتادا فكيف لا تستطيعون الصمود أمامهم؟ فطأطأ الجميع رؤوسهم ندما ولم يردّ عليه أحد بشيء. عندئذ قال عجوز محنك: إن أخلاق العرب أفضل من أخلاقنا، فهم يتعبدون ليلا ويصومون نهارا ولا يظلمون أحدا، ويتعاملون فيما بينهم بالمساواة، أما نحن فنشرب الخمر ونرتكب المعاصي ونظلم الآخرين ولا نفي بالعهود، ولهذا فإن في جميع أعمالهم حماسا وقوة بينما تخلو أعمالنا كلها من القوة والعزيمة.

حين يطالب المغلوبُ المنتصرَ بالبقاء

وقد أزمع قيصر في الحقيقة على الخروج من الشام لكن جموع النصارى كانت تسير إليه مستغيثة من كل مدينة وإقليم، فاشتعلت في صدره نار الغيرة فاستعد بحماس شديد ليوظف قوة إمبراطوريته كلها لمقاومة العرب. فأرسل الأوامر إلى رومية والقسطنطينية والجزيرة وأرمينيا وكلِّ مكان لتجتمع جميع الجيوش في أنطاكية في يوم معين. وكتب إلى قادة جميع الأقاليم أن يرسلوا إليه أكبر عدد ممكن من الجنود. وبمجرد وصول تلك الأوامر تدفقت الجيوش كالسيل وحيثما كان يقع النظر يرى الجيوش منتشرة حول أنطاكية كأسراب الجراد. كان الأمراء والحكام في البقاع التي كان قد فتحها أبو عبيدة أصبحوا مولعين بعدله وإنصافه، حتى لقد كانوا يعينون الجواسيس من جانبهم لنقل أخبار العدو رغم اختلاف الدين، وهكذا اطلع أبو عبيدة على جميع الأحداث عن طريقهم، فجمع كل القادة ووقف فخطب فيهم خطبة مؤثرة ملخصها: أيها المسلمون، قد اختبركم الله مرارا، وقد نجحتم في اختباره، فجزاكم الله بالنصر دائما، والآن زحف عدوكم للقائكم بالعدة والعتاد حتى اهتزت الأرض، فأخبروني الآن عن رأيكم. فوقف يزيد بن أبي سفيان أخو معاوية وقال: أرى أن نبقي النساء والأطفال في المدينة وننظم الجيش خارج المدينة، وإلى جانب هذا على خالد وعمرو بن العاص أن يأتونا بالمدد من دمشق وفلسطين. (ومن هنا أيضا يتبين أن فتح دمشق كان قبل هذا). قال شرحبيل بن حسنة: يجب أن يكون لكل شخص رأيٌ حرٌّ في هذه القضية، فالأمر الذي أبداه يزيد لا شك أنه أراد به النصح لكنني أخالفه، لأن جميع سكان المدينة نصارى ومن المحتمل أن يقبضوا على أولادنا وأهلنا بدافع التعصب ويسلِّموهم إلى قيصر أو يثوروا ضدهم ويقتلوهم بأنفسهم. قال أبو عبيدة نستطيع أن ندبر هذا الأمر بإخراج النصارى من المدينة. فقام شرحبيل وقال: أيها الأمير ليس لديك حق في هذا مطلقا، إذ قد وعدْنا النصارى بأمان حتى يعيشوا في المدينة آمنين مطمئنين، فأنى لنا أن ننقض العهد الذي أعطيناهم بإخراجهم من المدينة! فسلَّم أبو عبيدة بخطئه، لكنه لم يحسم القضية بما يجب فعله. رأى جميع الحاضرين أن يقيموا في حمص وينتظروا النجدة، لكن أبا عبيدة قال: الوقت لا يسمح لنا بذلك. فاستقر الرأي في النهاية على أن يتركوا حمص ويسيروا إلى دمشق، حيث يوجد خالد، ولأنها قريبة من حدود العرب، وعندما قرروا هذا الأمر استدعى أبو عبيدة صاحبَ الخزانة حبيب بن مَسلمة وقال له: إن الجزية تؤخذ من النصارى مقابل الإنفاق على مصالحهم وحمايتهم من أعدائهم، لكن وضعنا الآن حرج ولا نستطيع تحمُّل مسؤولية حمايتهم. لذا رُدَّ إليهم كل ما أخذنا منهم، وقل لهم: إن العلاقات التي كانت بيننا وبينكم لا تزال قائمة، لكننا لا نستطيع تحمل مسؤولية حمايتكم في هذا الوقت لذا نرد إليكم الجزية، التي تعد جزاء الحماية. وهكذا أعادوا مئات الألوف من الدراهم. وقد تأثر النصارى بهذا الموقف حتى إنهم كانوا يبكون ويقولون بحماس «ليُعدْكم الله»، وتأثر اليهود بالموقف أكثر وقالوا: قسما بالتوراة لن يستولي قيصر على حمص ما دمنا أحياء، ثم أغلقوا أبواب المدينة وأقاموا عليها الحراس في كل مكان.

لم يكن سلوك أبي عبيدة هذا مع أهل حمص فحسب بل قد كتب إلى كل الأقاليم المفتوحة، لإعادة أموال الجزية، التي حصلوا عليها.

باختصار سار أبو عبيدة إلى دمشق وأخبر سيدَنا عمر بجميع الأحوال، وهو تألم عندما علم أن المسلمين رحلوا عن حمص خوفا من الروم، لكنه اطمأن عندما عرف أن هذا الرأي هو رأي الجيش والقادة كلهم، وقال: لعل الله يجعل الخير في هذا الرأي الذي اتفق عليه المسلمون. ونجد في روايات أنهم كانوا قد سألوا عمر أولا عن الموقف، وهو الذي كان قد نصحهم بإعادة الجزية التي أخذوها إن لم يستطيعوا حمايتهم. وكتب إلى أبي عبيدة: إني ممدُّكم بسعيد بن عامر لكن النصر والهزيمة لا يرتبطان بقلة الجيش أو كثرته. وعندما وصل أبو عبيدة إلى دمشق جمع القادة كلهم وشاورهم في الأمر. فقدم يزيد بن أبي سفيان وشرحبيل بن حسنة ومعاذ بن جبل مقترحات وآراء شتى، وفي أثناء ذلك وصل رسول عمرو بن العاص حاملا رسالة مضمونها أن الثورة انتشرت في أقاليم الأردن كلِّها وأن خبر مجيء الروم أثار الفتن، وأن ترك حمص تسبَّب في زوال الرعب عنهم. فردَّ عليه أبو عبيدة: إننا لم نترك حمص خوفا منهم بل كان هدفنا من ذلك أن يخرج العدو من الثغور الحصينة. أما نحن فنجمع الجيوش الإسلامية المنتشرة في كل مكان بمكان واحد، وكتب في الرسالة أيضا: لا تبرح مكانك فإني قادم إليكم وسألتقي بك.

وفي اليوم التالي سار أبو عبيدة من دمشق ووصل إلى اليرموك على حدود الأردن وأقام بها. (واليرموك واد منخفض في ضواحي الشام يجري به نهر الأردن) وجاء عمرو بن العاص والتقيا هناك. وكان هذا المكان أنسب مكان لمتطلبات المعركة حيث كان أقرب مكان إلى حدود بلاد العرب المسلمين. وكان وراءه سهل ممتد حتى حدود بلاد العرب، بحيث يمكنهم أن ينسحبوا إلى الوراء عند الحاجة. ولم يكن الجيش الذي بعثه سيدنا عمر مع سعيد بن عامر قد وصل بعد، ومن ناحية أخرى كان المسلمون قلقين بسماع خبر وصول الروم إلى تلك الناحية وخبر عُدّتهم. فأرسل أبو عبيدة إلى سيدنا عمر رضي الله عنهما رسولا آخر وقال إن الروم قد احتشدوا من البر والبحر، وبلغ من حماسهم أنهم حيثما مروا خرج إليهم الرهبان الذين لم يخرجوا من أديرتهم، وانضموا إلى جنودهم. ولما وصلت عمر الرسالة جمع المهاجرين والأنصار، وقرأها عليهم، فبكى الصحابة كلهم، وصاحوا في حماس قائلين: أمير المؤمنين، بالله عليك، تأذن لنا بالذهاب لكي نفدي بأرواحنا إخواننا.

فوالله لئن أصيب إخواننا هناك فما لنا في العيش من بعدهم أَرَبٌ. وازداد حماس المهاجرين والأنصار، حتى قال عبد الرحمن بن عوف لتكن أنت القائد يا أمير المؤمنين، ونسير معك. إلا أن بقية الصحابة عارضوا هذه الفكرة، فتقرر أن يرسل إليهم المدد. وسأل عمر الرسول إلى أين وصل الأعداء. قال هم على مسافة ثلاثة أو أربعة منازل من اليرموك. فتملك عمر الحزنُ وقال: وا أسفاه، هيهات، متى يأتي هؤلاء غياثُنا. فكتب لأبي عبيدة رسالة مؤثرة وقال للرسول اذهب إلى كل صف من صفوف المسلمين واقرأها عليهم جميعا، وقل لهم إن عمر يقرئكم السلام ويقول يا أهل الإسلام اصدقوا اللقاء وشدوا عليهم شد الليوث، وشُجّوا هاماتِهم، وليكونوا أهونَ عليكم من الذرّ، فإنا قد كنا علمنا أنكم عليهم منصورون. ولا يخيفنّكم كثرتهم، ولا يحزنن الذين لم يلحقوا بكم بعد بسبب الأعداء.

من عجائب الصدف أنه في اليوم الذي جاء فيه الرسول أبا عبيده وصل سعيد بن عامر مع ألف مقاتل، فارتفعت معنويات المسلمين، وأخذوا يعدون عدتهم للحرب بهمة ونشاط. وجعل خالد بن الوليد معاذ بن جبل، وكان من كبار الصحابة، على الميمنة، وقباس بن أشيم على الميسرة، وهاشم بن عتبة على الرجالة. وقسم الخيالة أربع كتائب، وقاد كتيبة منها، وجعل على الكتائب الثلاثة الباقية: قيس بن هبيرة، وميسرة بن مسروق، وعمرو بن الطفيل. وكان هؤلاء الثلاثة من أشجع أبطال العرب، ولذلك كانوا يسمون فرسان العرب.

وخرج الروم بكامل عتادهم وكانوا أكثر من مائتي ألف، صفّوا أنفسهم في أربعة وعشرين صفا ووضعوا القساوسة أمام كل صف يحملون الصلبان في أيديهم ليبثوا في أنفسهم الحماس، وحين التقى الجيشان خرج أحد البطاركة مخترقا الصفوف (يُسمى قادة الدين في المسيحية بطاركة) وقال: أريد النـزال منفردا. فتقدم ميسرة بن مسروق بفرسه ولكن خالد منعه لأن الخصم كان شابًّا ضخمَ الجثة وأشار إلى قيس بن هبيرة فتقدم قيس مرتجزا شعرا، وانقض عليه بحيث لم يتمكن البطرك من رفع سلاحه إذ ضرب قيسٌ رأسه بالسيف فانفصلت عن رقبته وسقطت، وترنَّح البطرك ثم سقط من على الجواد، وكبّر المسلمون فقال خالد: هذا فأل حسن، فلتتقدموا فالنصر لنا إن شاء الله. وعين النصارى الجيوش المتفرقة لمواجهة القادة الذين كانوا مع خالد ولكنهم انهزموا جميعا وإلى هنا تأجلت المعركة في ذلك اليوم.

وفي الليل حين رأى الروم أنهم منهزمون جمع أميرهم فاهان القادة وقال لهم: لقد تلذَّذ العرب بخيرات الشام وثرواته فالأفضل أن نُبعدهم بترغيبهم في المال والذهب بدلا من الحرب فوافق الجميع على هذا الرأي. وفي اليوم الثاني أرسل إلى أبي عبيدة رسولا أن أرسل إلينا أحدا من كبار القادة فنحن نريد أن نتحدث معه عن الصلح، فاختار أبو عبيدة خالدا. وكان الرسول الذي جاء بالرسالة اسمه جورج كما كتب المؤرخون في الأردية ولكن ورد اسمه في الكتب العربية جرجي. وحين وصل كان وقت المساء، وبعد قليل بدأت صلاة المغرب ووقف المسلمون يكبرون بشوق ولهفة ثم أدوا الصلاة بخضوع وأدب ووقار وسكينة بحيث ظل الرسول ينظر إليهم بنظرة الحيرة والدهشة، حتى انتهت الصلاة فسأل أبا عبيدة عدة أسئلة منها هل تؤمنون بعيسى؟ فقرأ أبو عبيدة هذه الآيات:

إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (آل عمران:60)، يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلًا * لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ (النساء:172-173).

لقد ترجم المترجم هذه الآيات فقال جورج عفويا: أشهد أن هذه هي أوصاف عيسى وأشهد أن نبيكم صادق. وبعد هذا نطق بالشهادتَين وأسلم ولم يكن يريد أن يعود إلى قومه، ولكن أبا عبيدة أجبره على العودة حتى لا يظن الروم أنه خالف العهد، وقال له: أقبل مع السفير الذي سوف يذهب غدا من هنا.

وفي اليوم الثاني ذهب خالد إلى معسكر الروم، الذين كانوا قد تجهزوا سلفا ليظهروا قوتهم فأقاموا صفوف الفرسان على جانبي الطريق إلى مسافة بعيدة وكانوا يلبسون دروعا سابغة لكن خالدا لم يكترث بهذا وكان ينظر إليهم بنظرة احتقار، ومر بينهم كالأسد الذي يخترق صفوف الغنم حتى وصل إلى خيمة « فاهان»، فاستقبله باحترام شديد وأجلسه بجواره وبدأت المحادثات عن طريق المترجم، وبعد حديث عادي أخذ فاهان يخطُب، فأثنى على عيسى ثم ذكر قيصر وقال مفتخرا: إن ملكنا هو ملك الملوك ولم يكن المترجم قد ترجم هذه الكلمات ترجمة كاملة بعد فقاطع خالد باهان وقال: ربما يكون ملككم كذلك، أما الذي جعلناه زعيما لو خامرته فكرة الملك ولو لحظة لعزلناه فورا، ثم استأنف باهان الخطبة وقال بعد أن تفاخر بالجاه والثروة: أيها العرب إن أفراد قومكم الذين جاؤوا إلينا وتوطنوا في بلدنا كنا نتعامل معهم بود دائما وأخوة، وكنا نتصور أن مثل هذه التصرفات ربما تسعد العرب جميعا، لكنكم هجمتم على بلدنا على خلاف ما توقعنا وتريدون أن تخرجونا من ديارنا.

ألا تعلمون أن أمما كثيرة أرادت مثل ذلك مرارا ولكنها لم تنجح قط، أما أنتم فما من قوم أجهل منكم في العالم وأكثر وحشية وأقل عُدة وعتادا ومع ذلك تجرَّأتم على مهاجمتنا! ولكننا نعفو عنكم على ذلك، وإذا أردتم الانصراف من هنا سنعطي قائدكم عشرة آلاف دينار جائزةً، ونعطي كل ضابط ألف دينار وكل جندي مائة دينار. علما أن العدو كانوا قد جمعوا ذلك الجيش العظيم بأنفسهم ضد المسلمين للقضاء عليهم ولكن لما رأوا أن كسب المعركة ليس سهلا عليهم بدأوا بوضع الشروط. عندما أنهى فاهان كلامه قام خالد وحمد الله وأثنى عليه ثم قال: لا شك أنكم أهل الثروة والحُكم، ولا يخفى علينا ما عاملتم به جيرانكم العرب، ولكن هذه ليست منتّكم بل كانت خطة لنشر دينكم فكانت النتيجة أن هؤلاء العرب تنصروا، واليوم يحاربوننا معكم. صحيح تماما أننا كنا فقراء ومحتاجين جدا ومشرَّدين، وكنا ظالمين وجاهلين حتى كان القوي فينا يسحق الضعيف سحقا، كانت القبائل تهلك نتيجة الحروب فيما بينها. ولكن الله رحمنا وبعث فينا رسولا من قومنا، وكان أشرفنا وأجودنا وأزكانا، فعلّمنا التوحيد وأنه لا شريك لله تعالى وليس له زوج ولا ولد، وهو واحد لا ند له ولا شريك. وقد أمرنا أن نقدم معتقداتنا هذه أمام العالم، ومن قَبِلَها كان مسلما وأخونا. ومن لم يقبلها وقبِل بأداء الجزية فنحميه ونحرسه، ومن رفض الأمرين فله السيف. أي إذا لم يقبل وأبدى استعدادا للحرب فنحن مستعدون لها. فتنهد فاهان بسماعه عن الجزية وقال مشيرا إلى جيشه: لن يؤدوا الجزية ولو ماتوا في هذا السبيل. فنحن نأخذ الجزية ولا ندفعها للآخرين. وهكذا أسفرت الأمور عن عدم تسوية الأمور، وانصرف خالد. ثم بدأ الاستعداد للحرب ولم تستوِ أمور الروم بعد ذلك أبدا.

إن العلاقات التي كانت بيننا وبينكم لا تزال قائمة، لكننا لا نستطيع تحمل مسؤولية حمايتكم في هذا الوقت لذا نرد إليكم الجزية، التي تعد جزاء الحماية. وهكذا أعادوا مئات الألوف من الدراهم. وقد تأثر النصارى بهذا الموقف حتى إنهم كانوا يبكون ويقولون بحماس «ليُعدْكم الله»، وتأثر اليهود بالموقف أكثر وقالوا: قسما بالتوراة لن يستولي قيصر على حمص ما دمنا أحياء، ثم أغلقوا أبواب المدينة وأقاموا عليها الحراس في كل مكان.

تجلِّي عبقرية خالد بن الوليد في معركة اليرموك

بعد عودة خالد جمع فاهان القادة وقال: لقد سمعتم قول العرب أنكم لن تأمنوا غزوهم ما لم تصبحوا رعية لهم، فهل تقبلون هذه العبودية؟ قال القادة كلهم بحماس شديد: نفضّل الموت على هذه الذلة والخزي. وعندما أصبح الصباح خرج الروم متحمسين بالعدة والعتاد، حتى استغرب المسلمون. فلما رأى خالد خروج الروم بالعدة والعتاد على هذا النحو جعل جيشه يواجه العدو بأسلوب جديد على النقيض من أسلوب العرب العام في القتال، ووزّع الجيش الذي كان قوامه 34 أو 35 ألفا على 36 كتيبة وجعلهم يصطفون بترتيب مُحكَم. جعل أبا عبيدة وعمرو بن العاص وشرحبيل على الميمنة وعلى الميسرة يزيد بن أبي سفيان. كذلك جعل على كل صفّ من الضباط الذين كانوا معروفين بالشجاعة وبارعين في فنون الحرب. وقد عُيّن الخطباء القادرون على نفخ الحماس في قلوب الناس بواسطة خطاباتهم، على أن يبثّوا الحماس في الجيش بخطاباتهم المحرِّضة. وكان منهم أبو سفيان الذي كان ينادي أمام الجنود بما معناه: والله أنتم حماة العرب ومناصرو الإسلام، أما الفريق الثاني فهم أنصار الروم والشرك. يا الله هذا يوم من أيامك، فانصر عبادك. كان عمرو بن العاص يتجول بينهم ويقول هذا الكلام: أيها الناس غضّوا أبصاركم واشرعوا الرماح والزموا مراكزكم، فإذا حمل عدوكم فأهملوهم حتى تركبوا أطراف الأسنة فتثبتوا في وجوههم. واجثوا وسوُّوا رماحكم واثبتوا ثبات الأُسْد. والله الذي يفرح على الصدق ويجزي عليه، ويغضب على الكذب ويعاقب عليه ويجزي على الإحسان، قد وصلني أن المسلمين سيفتحون قرية بعد قرية وقصرا بعد قصر، فلا يخيفنّكم جمعهم وعددهم، فلو ثبتّم وحاربتم سينتشر هؤلاء القوم مذعورين مثل أفراخ الحجل.

مع أن عدد الجيش كان قليلا لا يزيد عن ثلاثين أو خمسة وثلاثين ألف رجل إلا أنه قد تم اختيارهم من جميع العرب ومن بينهم بصفة خاصة ألف من كبار الصحابة الذين رأوا جمال رسول الله ﷺ منهم نحو مائة صحابي ممن شهدوا غزوة بدر مع رسول الله ﷺ وكانت قبيلة الأزد من بين القبائل العربية الشهيرة التي لها أكثر من عشرة آلاف وحدها وكان فيهم قادة همدان وخولان ولخم وجذام المشهورين. وكانت إحدى خصائص هذه المعركة أن النساء قد شاركن فيها وحاربن بشجاعة فائقة. وجعلت هند، وهي أم معاوية وكانت قد أسلمت، تتقدم وتهجم وتقول: عضدوا الغُلفان بسيوفكم. وقاتلت جويرية بنت أبي سفيان وأخت معاوية مع جماعة بشجاعة نادرة أيضا مع زوجها وقُتلت في حرب شديدة.

وكان للمقداد صوت كثير العذوبة فتقدم صفوف الجيش وأخذ يتلو سورة الأنفال، وهذه السورة تحث المسلمين على الجهاد.

وفي الناحية الأخرى فقد بلغ حماس الروم إلى درجة أن ثلاثين ألف رجل وضعوا القيود في أرجلهم حتى لا تراودهم فكرة الفرار. وبدأت المعركة من جانب الروم وتقدم نحو مائتي ألف كأسراب الجراد وأمامهم آلاف من القساوسة والأساقفة يحملون الصلبان في أيديهم ويهتفون باسم عيسى . وعندما رأى رجل هذا العتاد قال بلاد تردد: الله أكبر، ما أكثر جيش الروم. فثار خالد غضبا وقال: كُف عن هذا. والله لو كانت حوافر فرسي سليمة لقلتُ: ما أقل جيش الروم. لو ضاعفوا في عدد هذا الجيش.

باختصار، هاجم الروم بشدة وظلوا يمطرون الرماح. ثبت المسلمون طويلا ولكن لما كان الهجوم شديدا انفضت ميمنة جيش المسلمين وانفصلت وتقهقرت دون أدنى نظام حتى وصلت إلى خيمة النساء. فلما رأت النساء حال المسلمين هذه غضبن غضبا شديدا وخلعن أعمدة الخيام ونادين في وجوه المتقهقرين: لو جئتم إلى هنا لكسرنا رؤوسكم بالأخشاب. تقدمت هند زوجة أبي سفيان حاملة عصا فتقدمت الأخريات أيضا معها. لما رأت هند أبا سفيان هاربا ضربت فرسه وقالت: إلى أين وِجهتك؟ عُد إلى ميدان الحرب.

وفي رواية أن هند حملت خشبة وتوجّهت إلى أبي سفيان وقالت: والله كنت شديدا في معارضة دين الحق وتكذيب رسول الله الصادق، واليوم سنحت لك الفرصة أن تضحي بروحك لإعلاء شأن الدين الحق ولنيل رضى رسول الله ﷺ وتسوي حسابك عند الله. فثارت غيرة أبي سفيان وأعاد الكرة وهجم على جيش العدو حاملا السيف.

هذا وهناك امرأة مسلمة أخرى اسمها خولة كانت تثير غيرة الجيش قائلة:

يا هاربا عن نسوة تقيات *

فعن قليل ما ترى سبيات *

ولا حصيات ولا رضيات *

فلما رأى معاذ بن جبل ذلك، وكان يقود إحدى كتائب الميمنة، نزل عن فرسه وقال سأقاتل مترجلا، وليتقدم أي بطل قادر على أداء حق هذه الفرس في القتال فأوتيه إياها. فقال ابنه: أنا أؤدي هذا الحق، لأني أقدر على القتال راكبا. فاقتحم الأب والابن كلاهما صفوف العدو وقاتلا ببسالة حتى ثبتت أقدام المسلمين بعد أن تزلزلت. وشاركه الحجاج زعيمُ زبيد الذي تقدم مع خمس مائة رجل، واعترض النصارى الذين كانوا يتعقبون المسلمين وصدَّهم.

وقد ظلت بنو الأزد صامدة في الميمنة منذ بداية القتال. لقد ألقى عليهم الروم بثقلهم كله طوال المعركة ولكنهم ظلوا راسخين في مكانهم كالجبل. وبلغت المعركة ذروة احتدامها حتى تساقطت الروؤس والأيدي والسواعد وتناثرت في كل مكان، ومع ذلك لم يتزعزع المسلمون قيد أنملة. وكان عمرو بن الطفيل زعيم الأزد يقاتل بسيفه وينادي: أيها الأزد لا يؤتَيَنَّ المسلمون مِن قبلكم. وقتلَ تسعةً من كبار قادة الروم، واستُشهد في نهاية المطاف.

أما خالد بن الوليد فكان على كتيبته في المؤخرة، فإذا به قد اخترق صف العدو مهاجما بشدة، حتى قلب صفوف الأعداء. وتقدم عكرمة بن أبي جهل بفرسه وقال: أيها المسيحيون لقد قاتلتُ رسول الله ﷺ حين كنت كافرا، فهل أفرّ اليوم من لقائكم؟! قال هذا ونظر ناحية الجيش وقال: من يبايع على الموت. فبايعه على الموت أربع مائة رجل مِن بينهم ضرار بن الأزور، فقاتلوا قتالا مستميتا حتى قُتل معظمهم. ووُجد عكرمة بين كومة القتلى وفيه رمق، فوضع خالد بن الوليد رأسه على فخذه وجعل يضع الماء في فمه ويقول: والله لقد أخطأ عمر في زعمه أننا لن نموت شهداء.

باختصار، رغم أن عكرمة ومن معه قُتلوا، إلا أنهم أردوا آلافا من الروم قتلى. وحطّم خالد بهجماته قوة الأعداء، حتى اضطروا إلى الانسحاب في نهاية المطاف. شدّ عليهم خالد باستمرار حتى وصل إلى قائد الروم درنجار، وكان درنجار وقادة الروم الآخرون يغطون أعينهم بالمناديل لكيلا يروا الهزيمة إن لم يروا النصر.

وبينما القتال محتدما في الميمنة شنَّ ابن قناطير القائدُ الرومي الهجومَ على الميسرة، ومِن سوء الحظ أن معظم المقاتلين في تلك الجهة كانوا من بني لخم وغسان اللتين كانتا مقيمتين في مناطق الشام، وكانوا يدفعون الخراج للروم لزمن طويل، وكان رعب الروم ما يزال مستوليا على قلوبهم، فتركوا مواطنهم في أول هجمة. رغم أنهم كانوا قد أسلموا ولكن هيبة الروم القديمة ظلت مستولية عليهم، فخافوا وفروا. ولكن قادة المسلمين ظلوا ثابتين ببسالة، ولولا صمودهم لانتهى القتال لصالح الروم.

وتعقب الرومُ المسلمين الهاربين حتى وصلوا إلى معسكر المسلمين. فلما رأت نساء المسلمين ذلك خرجن وتصدين للنصارى وصددنهم من التقدم بشجاعة. ورغم أن الجيش المسلم تفرق واضطرب، إلا أن قادة المسلمين مثل قباس بن أشيم، وسعيد بن زيد، ويزيد بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص وشرحبيل بن حسنة، أبلوا بلاء حسنا. كانت السيو والرماح تنكسر في يد قباس وتتساقط، ولكنه كان لا يبالي مطلقا، وكلما انكسر رمح أو سيف وسقط من يده نادى: هل مِن أحد يعطي السلاح شخصا قد عاهد الله تعالى أنه لن يزال في ساحة القتال حتى الموت. فكان القوم يناولونه على الفور سيفا أو رمحا، فكان ينقض على العدو انقضاض الليث.

وقفز أبو الأعور عن فرسه ونادى مَن معه وقال: إن الصبر والمثابرة في الدنيا عزٌّ، وفي الآخرة رحمة، فلا تفوتنّكم هذه الثروة الغالية.

وغضب سعيد بن زيد وجثا على ركبتيه، ولما تقدم الروم نحوه وثب عليهم كالأسد، وقتل قائدَ المقدمة.

وكان يزيد بن أبي سفيان (أخو معاوية) يقاتل بثبات ورباطة جأش، وبالصدفة مرَّ به أبوه أبو سفيان الذي كان يلهب حماس الجنود، فلما رأى ابنَه قال: يا بني، كل مقاتل يبلي بلاء حسنا في الموطن، وإنك قائد وأحق بالشجاعة من المقاتلين الآخرين، ولو فاق عليك الآخرون في الشجاعة لكان ذلك عارا عليك.

أما شرحبيل فكان الروم محاصرين له، ولكنه ظل واقفا بينهم كالجبل ويقرأ هذه الآية:

إنَّ اللّه اشْتّرّى مِنَ المـُؤمِنِيْنَ أنْفُسَهُمْ وَأموالَهم بِأنَّ لَهُم الجنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقتُلونَ ويُقْتَلون.

ثم كبّر وقال: أين المتاجرون مع الله تعالى، وأين الذين يحبّون جوار الله؟ وكل من سمع نداءه رجع من تلقائه، حتى استعاد الجيشُ المنهار قوته ثانية. وقاتل معهم شرحبيل ببسالة حتى صدّ تقدم الروم الزاحفين. ومن ناحية خرجت نساء المسلمين من الخيام ووقفن خلف الجيش المسلم يصرخن: لو فررتم من الميدان فلن تروا وجوهنا. وكانت المعركة سجالا بين الفريقين، بل كانت الكفة مائلة للروم.

وكان خالد قد جعل قيس بن هبيرة مع كتيبته على مؤخرة ميسرة الجيش، فخرج قيس فجأةً من مؤخرة الجيش وحمل على الروم حملة شديدة، فاضطربت صفوف الروم كلها، فحاول قادتهم تنظيمها ولكن دون جدوى، فتقهقروا مذعورين. وفي الوقت نفسه خرج سعيد بن زيد من قلب الجيش وهجم على الروم، فانسحبوا حتى وصلوا إلى مسيل ماء كانت على حافة ساحة القتال. فامتلأ المسيل بجثثهم في فترة قصيرة وخلا الميدان. وهكذا كتب الله للمسلمين فتحا عظيما في هذه المعركة الهامة الحاسمة جدا.

وهناك حادث جدير بالذكر وقع في هذه المعركة، وهو أنه بينما كان القتال الشرس جاريا كان حباش بن قيس، أحد الفرسان الأبطال، يقاتل بشجاعة، إذ ضرب أحد الأعداء رجله بالسيف ضربة بترت قدمه، فسقطت بدون أن يدري بها حباش. وبعد قليل انتبه لما حصل ووجد قدمه غائبة. فكان أهل قبيلته يفتخرون بهذه الواقعة دائما.

وهناك اختلاف في عدد قتلى الروم، فقد ذكر الطبري والأزدي أن قتلاهم زادوا عن مائة ألف. وقال البلاذري أن عدد قتلاهم بلغ سبعين ألفا. واستُشهد من المسلمين ثلاثة آلاف، منهم عكرمة، وضرار بن الأزور، وهشام بن العاص، وإبان بن سعيد وغيرهم.

وبلغ قيصر خبر الهزيمة وهو في انطاكيا، فتأهب للمسير إلى القسطنطينية فورا. عند الرحيل توجه تلقاء الشام وقال: وداعا يا شام.

وكتب أبو عبيدة بشرى النصر وبعثها إلى سيدنا عمر ، وأرسل سفارة صغيرة بينهم حذيفة بن اليمان. وكان عمر لم ينم منذ عدة أيام انتظارًا لخبر معركة اليرموك، وعندما جاءته البشرى خر ساجدا لله تعالى وشكره.

وتعقب الرومُ المسلمين الهاربين حتى وصلوا إلى معسكر المسلمين. فلما رأت نساء المسلمين ذلك خرجن وتصدين للنصارى وصددنهم من التقدم بشجاعة. ورغم أن الجيش المسلم تفرق واضطرب، إلا أن قادة المسلمين مثل قباس بن أشيم، وسعيد بن زيد، ويزيد بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص وشرحبيل بن حسنة، أبلوا بلاء حسنا

تعريجًا على موقفِ رَدِّ المسلمين جزيةَ أهلِ حمص

لقد اضطر الجيش الإسلامي المعسكِر في حمص إلى التوجه المؤقت إلى اليرموك ولذلك ردّ إلى أهلها أموال الجزية التي كانت قد أُخذت منهم. ذكر ذلك المصلح الموعود فقال:

عندما التقى المسلمون بقوات الروم وتقدّموا في الفتوحات حتى سيطروا على أورشليم.. المركز الديني للمسيحيين.. ثم مضوا قدمًا في فتح البلاد. أراد المسيحيون -لما رأوا أن مركزهم قد وقع تحت سيطرة المسلمين-  أن يقوموا بمحاولة أخيرة لإخراج المسلمين من تلك المناطق، فأعلنوا في كل حدب وصوب عن القيام بالجهاد الديني وألهبوا حماس الناس، وأعدوا جيوشًا هائلة لمهاجمة الجيش الإسلامي. وتحسبًا لهجمتهم الشديدة قرر المسلمون الانسحاب المؤقت نظرًا إلى قلة عددهم مقابل عدد العدو. وكتب قائد الجيوش الإسلامية إلى عُمَر أن العدو بأعداد كثيرة وهائلة أما نحن فبعدد ضئيل أمامه وإن مواجهته بهذا العدد القليل تعني تدميره، فاسمحْ لجيش المسلمين أن ننسحب من أجل ترتيب صفوف الحرب وتضييق جبهة الحرب، ولجمع الجيش في مكان واحد ثم محاربة العدو من هناك. وكتب أيضا بأمر الجزية التي جُبِيَت من المدن المفتوحة، وماذا يجب أن يفعلوا بها حال الانسحاب؟

ردّ عليه عمر أنّ تضييق جبهة الحرب والرجوع قهقرى من أجل جمع قوة الجيش الإسلامي ليس مما يخالف التعاليم الإسلامية، ولكن تذكر بأن الجزية قد أُخذت من أهل هذه المناطق بشرط حمايتهم. وإن خرج الجيش الإسلامي من تلك المناطق فهذا يعني أنه لن يستطيع أن يحمي أهلها، لذا من الضروري ردّ أموالهم التي أُخذت منهم. فلما بلغ أمر عمر قائدَ الجيش الإسلامي دعا زعماء المنطقة وتجارهم والرجال الآخرين وردّ عليهم أموالهم وقيل لهم بأن هذه الأموال قد أُخذت منكم على أن الجيش الإسلامي سيقوم بحمايتكم، ولكن الآن شعرنا بضعف قوتنا أمام العدو فقررنا مؤقتا الانسحاب عن هذه المناطق فلا يسعنا حمايتكم وبالتالي لا يجوز لنا إبـــــــقاء هذه الأموال عندنا.

كان هذا نموذجًا رائعًا لم يقدّم أحد الملوك مثله في تاريخ العالم، لأن الملوك إذا انسحبوا عن مناطق  أمعنوا في نهبها ، ناهيك عن إعادة الأموال لأهلها من الضرائب وغيرها، إذ يظن الملوك في هذه الحال أن هذه المناطق تخرج الآن من أيديهم وتقع في أيادي الآخرين لذلك ينبغي عليهم أن يستغلوها كما يحلو لهم، ولا يخافون من سمعتهم السيئة إذ لا يبقون في تلك المناطق. وإذا كانت هناك حكومة منظمة فأكثر ما تفعله في هذه الحالة هو أنها  تسحب جنودها  بهدوء ولا تسمح لهم بالسلب والنهب الكثير، ولكن النموذج الذي أراه الجيش الإسلامي لا يُرى مثله في تاريخ العالم منذ خلقه سوى هذا الذي حدث في عهد عمر، بل للأسف لا يوجد له مثيل بعد عصره أيضا أن أحدًا من الفاتحين ترك منطقة مفتوحة وعند انسحابه ردّ على أهلها الضرائب المجباة والجزية والأموال الأخرى.

لقد تأثر المسيحيون بهذا السلوك تأثرًا شديدًا، كانت الجيوش المسيحية تتقدم لمهاجمة المسلمين وكانت هذه الجيوش تتضمن قادة وزعماء وفرسان من قومهم والجنود من إخوانهم في الدين، ومع أنه قد تم تصوير هذه الحرب حربًا دينية، ومع أن المركز الديني للمسيحيين قد خرج عن سيطرتهم ووقع في يد المسلمين، ومع أنهم كانوا يحلمون  بتحريره واستعادته، مع كل ذلك خرج المسيحيون رجالا ونساء من بيوتهم باكين وداعين للمسلمين أن يعيدهم الله مرة ثانية.

كان للمصلح الموعود معرفة كبيرة بالتاريخ، وكان يرى أن انسحاب جيوش المسلمين من تلك المناطق قد تمّ بعد إذن من عمر كما رُدّ بأمره على أهلها الضرائب المجباة منهم.

نموذج الإيثار في عكرمة ورفقته الشهداء

في ثنايا حديث المصلح الموعود عن معركة اليرموك، تطرَّق حضرته إلى ذكر عكرمة، ففي معركة اليرموك لما كانت حياة كثيرة من صحابة الرسول ﷺ مهددة بالخطر، واستشهد المسلمون بأعداد كثيرة، قال قائد الجيوش الإسلامية أبو عبيدة بن الجراح: أريد أن يخرج بعض الشجعان -ولو كان عددهم قليلا- الذين يمكنهم أن يرعبوا جيش الرومان بتفانيهم والجود بأرواحهم. فتقدم عكرمة وطلب من أبي عبيدة أن يسمح له باختيار بعض الرجال لأنه سيشن هجومًا على قلب جيش العدو ويقتل قائدهم. وكان قائد الجيش الروماني آنذاك يحارب بحماس شديد، لأن الملك كان قد وعده بأنه إذا أحرز انتصارًا على المسلمين فإنه سيزوجه من ابنته ويسلّم إليه نصف مملكته. فكان هذا القائد قد جاء بحماس شديد طمعًا في هذا العرض ونزل في ساحة القتال بجيشه والجيش الملكي، وكان قد وعد جنوده بإعطائهم مبالغ طائلة، فكان الجيش  الرومي أيضا يقاتل بكل تفان. فلما شن الجيش الروماني هجمة على المسلمين كان هذا القائد  الرومي في قلب الجيش فشن عكرمة الهجوم مع أربعمائة جندي على قلب جيش العدو، وهاجم أحد من أصحابه قائدَ العدو فأسقطه. كان جيش العدو بمئات الألوف وكان أمامهم أربعمائة مسلم فحسب، لذلك لم تكن المواجهة سهلة. فلما أسقطوا قائدهم تفرّق جيشهم ولكن الأعداء انقضوا على هؤلاء الحفنة من الجنود فاستشهد الجميع إلا قلة قليلة منهم. وكان اثنا عشر منهم قد أصيبوا بجروح خطيرة. فلما تحقق النصر للمسلمين بدأ البحث عن الجرحى وكان عكرمة منهم. فوصل إليه جندي مسلم فوجده في وضْع يرثى له، فقال له: عندي قليل من الماء فاشربه، فنظر عكرمة إلى جانبه فوجد حضرة الفضل بن العباس جريحا، فقال عكرمة لذلك المسلم لا تقبل حميتي أن يموت عطشا أولئك الذين آزروا النبيَّ ﷺ هم وأولادُهم يوم كنت ألدَّ أعدائه، وأعيش بعد شرب هذا الماء. فاسقِه أولا فإنه أحق به مني، فجاء ذلك المسلم إلى الفضل بن العباس لكنه بدوره أشار له إلى جريح آخر أنه أحق به، فذهب إليه لكنه وجَّهه إلى جريح آخر أن يسقيه فهو أحق به منه، وهكذا كلما وصل إلى جريح وجَّهه إلى غيره دون أن يشرب، فلما وصل إلى آخِرهم وجده  قضى نحبه، فعاد إلى من قبله وكان هو الآخر قد  قضى نحبه حتى وصل إلى عكرمة فوجده قد  استُشهد أيضا.

كانت هذه نهاية هذه المعركة التي أنال الله تعالى المسلمين فتحًا فيها.

على أية حال، هذا الذكر مستمر، وسأتناوله لاحقًا أيضا إن شاء الله.

تابعونا على الفايس بوك
Share via
Share via