- ما الأصل اللغوي للفظ جهنم؟
- كيف انفرد التفسير الأحمدي بمنهجية خاصة في تفسير الألفاظ المُشْكِلَة، كلفظ “جهنم” على سبيل المثال؟
____
شرح الكلمات:
جِثِيًّا: جثا الرجلُ يجثو: جلَس على رُكبتيه، أو قام على أطراف أصابعه، فهو جاثٍ، وجمعه الجثيُّ (الأقرب).
أما صاحب المفردات فقال: قد يكون ]جثيًّا[ مصدرًا لـ جثا يجثو.
التفسير:
يتضح من هذه الآية أيضًا أن المقصود هنا الإنسان المذكور من قبل، وليس كل الناس. إذ لو كان المراد من الإنسان هنا المؤمنون من الطراز الأول والصديقون والشهداء والأنبياء، فلا داعي لذكر الشياطين الذين يوسوسون. فكلمة ]الشياطين[ تدل بجلاء على أن الإنسان هنا يعني قومًا لا يؤمنون بالحياة بعد الموت إيمانًا كاملاً… يقول الله تعالى إننا لا بد وأن نجمع هؤلاء مع الشياطين أي مع الفلاسفة الذين يوسوسون في قلوبهم حول الحياة بعد الممات، ]ثم لنُحضِرنّهم حول جهنمَ جِثِيًّا[.
يقول المفسرون بالإجماع أن «جهنم» كلمة أعجمية، وليس لها اشتقاق في العربية (الإتقان). ويرى علماء اللغات الأعجمية أنها كلمة آرامية وتعني «مكان العقاب بعد الموت». وفي اللغة العبرية تُستعمل كلمة «جِهَنَّهْ» (Gehenna) التي أصلـها الآرامي هـو «هِنُّـوم» (Hinnom)، ثم حُوّلت فيما بعد إلى «جِـهِنُّـوم» (Ge- Hinnom).
كما يرى هؤلاء العلماء أن «هنوم» جزء من كلمة كبيرة، ومعناه «وادي إراقة الدماء» أو «وادي القتل العام» (الموسوعة التوراتية مجلد 2: Hinnom).
وعندي أن «جهنوم» كلمة عربية مشوهة. حيث يعني الهَنَمُ في العربية النمر، ولفظ «ذو هنم» يعني المكان الذي يوجد فيه النمور. وأرى أن أصل هذه الكلمة هو «ذُو هنم» أي المكان الذي تكثر فيه النمور التي تفترس الناس وتجرحهم. وبما أن العجم يبدلون الذال جيمًا بشكل عام، فجعل الآراميون من «ذي هنم» جهنوم، ثم أخذها العرب وحوّلوها جهنم. وهناك أمثلة كثيرة حيث انتقلت كلمة من لغة إلى أخرى، ثم صارت مشوهة، ثم رجعت إلى اللغة الأصلية بصورتها المشوهة، ثم صيغت بقالب جديد.
كما أرى أن لفظ «جهنم» ربما تكون مركبة من كلمتين من الثلاثي المجرد وهما «جهن» و»جهم»، حيث يعني الجهن الاقتراب، بينما يعني الجهم اللقاء بوجه عبوس (المنجد). فأصل جهنم هو جهنجهم» ومعناه شيء يذهب إليه المرء شوقًا، وعندما يقترب منه يعبس خوفًا واستياء. والحق أن هذا الاسم يرسم صورة جهنم رسمًا تامًّا، حيث يدل على أن المرء يستحسن الأفعال الفاسدة التي تؤدي به إلى جهنم، ولكنه حين يقترب من جهنم جراء تلك الأعمال يستاء ويعبس قائلاً إنه مكان بشع مخيف. وكأن جهنم سُمّيت بهذا الاسم تدليلاً على الحالة التي يكون فيها الإنسان عند رؤيته لها وكذلك على الأعمال التي يستحسنها المرء نظرًا إلى ظاهرها ولكنها هي التي تقرّبه من جهنم.
إن سيدنا المسيح الموعود أيضًا قد قام بتفسير كلمة قرآنية على هذا الغرار نفسه. فقال حضرته في كتابه «فلسفة تعاليم الإسلام» إن لفظ «الخنـزير» مركب من كلمتين هما «الخَنـز» أي الفاسد جدًّا، و»أَرَى»؛ فيكون معنى الخنـزير: «أراه فاسدًا جدًّا».. أي أن في هذا الحيوان خصالاً تدل على ما فيه من سوء وفساد (فلسفة تعاليم الإسلام ص 338).
وكما سبق في شرح الكلمات أن الجثيّ هو الجلوس على الرُكبتين كما نجلس في الصلاة عند التشهد، أو القيام على أصابع القدمين مثل من يقوم على أصابعه رافعًا كعبه، مادًّا عنقه إلى فوق لينظر إلى شيء. وكلا المعنيين ينطبق هنا. ذلك أن الحديث هنا عن جهنم، ومن فطرة الإنسان أنه إذا أحاط به خطبٌ حاول أولاً أن يصوب إليه نظره مطلا إليه واقفًا على أصابع قدميه ليعرف ما هي المصيبة القادمة. ولكنه حين يراها تخور قواه ويخر على ركبتيه.
شرح الكلمات:
شيعة: الشيعة: الفِرقة (الأقرب).
ثُمَّ: حرفُ عطفٍ يدل على الترتيب والتراخي (الأقرب).
صِلِيًّا: صَلِيَ النارَ وبها يصلَى صِلِيًّا: قاسى حرَّها واحترق بها ودخل فيها (الأقرب).
إن سيدنا المسيح الموعود أيضًا قد قام بتفسير كلمة قرآنية على هذا الغرار نفسه. فقال حضرته في كتابه «فلسفة تعاليم الإسلام» إن لفظ «الخنـزير» مركب من كلمتين هما «الخَنـز» أي الفاسد جدًّا، و»أَرَى»؛ فيكون معنى الخنـزير: «أراه فاسدًا جدًّا».. أي أن في هذا الحيوان خصالاً تدل على ما فيه من سوء وفساد
التفسير:
لقد بين الله تعالى هنا أنه قبل أن يُدخل الكفار في النار سيؤخذ من كل فرقة منهم رؤساؤهم الذين كانوا أكثر عصيانًا وتمردًا على الله الرحمن ليعذبهم عذابًا أشد.
علمًا أن «ثُمَّ» في قوله تعالى ]ثم لَنَنـزعنّ مِن كلِّ شيعةٍ أيُّهم أشدُّ على الرحمن عِتِيًّا[ هو لبيان ترتيب الأحداث، أما «ثم» الوارد في قوله ]ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا[ فليس للترتيب بل للعطف فقط، أي شرحًا لما سبق ذكره وبيانًا لدرجة كفرهم، لأن «ثم» يفيد أيضًا بيان الزمان والمكان والوضع، والمراد أننا أدرى بمدارج كفرهم، وبأماكن عذابهم، وليس معناه أن الله تعالى سيعلم درجة كفرهم ومكان عذابهم بعد أن ينـزع منهم مَن هو أشد على الرحمن عتيًّا. ذلك أن علم الله تعالى أسبق زمنًا من فعله. والحق أن العلم أسبق زمنًا من الفعل بشكل عام، فإن الإنسان يفكر أولاً في الذهاب إلى مكان ما ثم يذهب إليها. فمثلاً تفكر أولاً في الذهاب إلى المدرسة ثم تذهب إليها عمليًّا. أو تفكر أولاً في الأكل ثم تأكل شيئًا. ولكن قد جاء «ثم» هنا قبل العلم، رغم أن العلم يكون قبل الفعل، فثبت من ذلك أن «ثم» يفيد هنا بيان الدرجة، أي أننا أعلم بدرجة العذاب الذي يستحق كل واحد منهم.
لقد قال المفسرون هنا إنه كان المفروض أن يقال (أيَّهم[ بدلاً من ]أيُّهم[. وقال الخليل إنه مرفوع لكونه حكاية، إذ التقدير: «ثم لننـزعنّ الذين يقال لهم أيُّهم أشدُّ على الرحمن عتيًّا». بينما قال الآخرون إن قوله تعالى ]مِن كل شيعة[، مفعول به لفعل ]لنَنـزعَنّ[، وأما قوله تعالى ]أيهم أشد على الرحمن عتيًّا[ فهو كلام جديد، فإن السائل حين قال مَن هؤلاء الذين ينـزعهم الله من كل شيعة، قيل له ]أيُّهم أشد على الرحمن عتيًّا[.
بينما قال البعض أنه قد ورد في قراءةٍ ]أيَّهم[ أيضًا. (فتح البيان، والقرطبي)
أما قوله تعالى ]ثم لنحن أعلَمُ بالذين هم أَولى بها صِليًّا[ فليكن معلومًا عن لفظ «صِلِيًّا» أنه لا يعني الاحتراق بالنار فقط، بل يعني أيضًا مقاساة حرِّها، كما هو مذكور في شرح كلمات هذه الآية.
وقوله تعالى ]بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا [يمكن أن يفسر بمفهومين: أولهما: الذين هم أولى الناس بالنار صليًّا، والثاني: الذين هم أولى بالنار صليًّا من بين أنواع العذاب الأخرى.
وهنا ينشأ سؤال وهو: من هم أولئك الناس الذين يكون هؤلاء أولى منهم بالنار صليًّا، أو ما هي أنواع العذاب الأخرى التي يكون هؤلاء أولى بالنار صليًّا منها؟
والجواب أن الحديث يدور هنا عن أصحاب عقيدة الثالوث، ويتضح من القرآن الكريم أن رقي أصحاب عقيدة الثالوث سيكون منوطًا بأجهزة نارية بشكل عام، وأنهم سيخوّفون أعداءهم على العموم بالأسلحة النارية. فالبنادق والمدافع والقنابل، سواء العادية منها أو الذرية، كلها أسلحة نارية. بينما كانت أسلحة الناس من قبل السيوف والرماح والمقامع والمقاليع والأحجار. ولكن لما جاء زمن يأجوج ومأجوج استخدموا النار، فإن اسمهم نفسه يدل على النار، حيث إنه مشتق من الأجّ الذي يعني النار (الأقرب: كلمة «أجّ»). فكأن اسمهم هذا كان ينطوي على نبأ بأنهم سيستخدمون النار بكثرة، وسيتغلبون على العالم باستخدام الأسلحة النارية. وبالفعل فإن المسدس والبندقية والرشاش والقنبلة، بما فيها القنبلة النووية، كلها وثيقة الصلة بالنار، وهذه هي الوسيلة التي يتغلب بها هؤلاء على الأعداء. لقد هزموا المسلمين بهذه الأسلحة نفسها. إن المسلمين، لسوء حظهم، لم يستخدموا هذه الأسلحة لأن مشايخهم قاموا بتضليلهم، حيث أفتوا أنه لا يحق لأحد سوى الله تعالى أن يعاقِب بالنار، أو قالوا إنه سحر يقتلون به أناسًا كثيرين في لمح البصر، مع أن السلاح لا يقتل إلا شخصًا؛ وإذا تعلم أحد السحر صار قرينًا للشيطان. فاستعمال هذه المخترعات حرام. إذًا فالدمار الذي حل بالمسلمين إنما حل بسبب فتاوى المشايخ أو الأسلحة النارية التي استخدمها الشعوب الغربية ضدهم.
ومن أجل ذلك يقول الله تعالى إنه يوم يأتي عذابنا يكون هؤلاء القوم أَولى الناس بالنار صليًّا لكونهم أكثر الناس استخدامًا للنار. وعندي أنه لو جُمعت كل الأسلحة التي توجد عند الشعوب الأخرى مجتمعة لما بلغت مقدار الأسلحة التي تملكها أصغر حكومة من هذه الحكومات الغربية. فمثلاً إن ما تملكه كل من الهند وباكستان والصين من أسلحة لا تساوي كلها ما عند فرنسا وحدها من أسلحة. ولذلك يقول الله تعالى إن بلاد الغرب هذه لما كانت أسبق شعوب العالم لعبًا بالنار فسنذيقهم عذاب النار أكثر من أي شعب آخر، ويومئذ يدرك هؤلاء مَن كان أولى بالنار، هم أم غيرهم؟
والمفهوم الثاني هو أنهم أولى بالنار صليًّا من أي عذاب آخر. ذلك أن العذاب صنوف وألوان، فمثلاً يمكن أن يكون العذاب بالماء أو المرض أو البرد القارس أو المشاهد المخيفة. ولكن بما أن هؤلاء القوم قد صبّوا على الشعوب الأخرى عذاب النار صبًّا فسيكون عذاب النار هو الأولى بهم من أي عقاب آخر؛ بمعنى أنهم سيعذَّبون بعذاب فيه الحرقة واللوعة والنار. وهذا يكشف أن العذاب المقدر لهم هو عذاب اللوعة والحرقة. (يُتبع)