دلالات روحانية رمضانية

دلالات روحانية رمضانية

د. منى محمد

  • ما الدلالة الروحانية التي تحملها تسمية شهر رمضان؟
  • كيف مثَّلت بعثة المسيح الموعود  عيدا أفطرت فيه الأمة بعد فترة صيام؟
  • كيف نُفسر العلاقة التكاملية بين شهر رمضان بوصفه شهر القرآن وبين دور المسيح الموعود  كخادم له؟
  • ما هي الأهمية الروحية والتاريخية لظاهرة خسوف القمر وكسوف الشمس في شهر رمضان بالنسبة لدعوة المسيح الموعود ؟
  • كيف كانت البيعةُ الثمرة العملية التي يتوج بها المؤمن صيامه الروحي والمادي؟

 ____

من يتأمل في فلسفة الشعائر الإسلامية يدرك أنها تتجاوز مجرَّد الأطر الطقسية الحركية لتشكل منظومة معرفية وروحانية متكاملة. وإن حلول شهر رمضان المبارك، ثم حلول عيد الفطر في عقبه مباشرة ليحمل دلالة عميقة لا يلتفت إليها سوى المفتشين عن ألباب الأمور والحكم. إن الممارسة التعبدية المتمثلة في فريضة الصيام ثم إتباعها بفريضة الاحتفال بالفطر، تلك الممارسة تحمل في طياتها إشارة إلى دورة الزمان التي تعكس حاجة الإنسان الجوهرية إلى المدد السماوي. وهذا المقال محاولة جادة لتبيان المماثلة بين ركن الصيام الذي تمارسه الأمة أداء للفريضة، وحال العطش الروحاني الممتد طيلة قرون سبقت بعث المسيح الموعود، بوصف مبعث حضرته يوم الفطر الروحاني لأمة طال صيامها بانقطاع مدد الوحي الإلهي عنها، بما كسبت أيدي أبنائها.

 

رمضان، وفلسفة التسمية

ثمة شبه اتفاق بين المصادر التراثية واللغوية على أن تسمية «رمضان» مشتقة من «الرمض»، والذي يعني شِدَّةُ وَقْعِ الشَّمْسِ عَلَى الرَّمْلِ وَغيرِهِ(1). وقد أُثِر عن العرب قولهم:

المستجير بعمرو عند كربته

كالمستجير من الرمضاء بالنار (2)

والرمضاء هي شدَّة الحرّ أو الأرض التي حَمِيَت من الشمس.

ومن الناحية الروحانية، يمثل شهر رمضان عملية إحماء للمعدن الإنساني، فكما تُنقى المعادن بالنار، فإن الروح كذلك تُنقى في رمضان بالامتناع، لا عن المحرمات وحسب، بل عن المباحات أيضا، فلا يكون للنفس من سبيل إلى البقاء بعدما نفدت الأسباب المادية، من طعام وشراب وشهوة، فلا يكون ثمَّ غير سبيل البقاء الروحاني، الله ، لذا كان من المنطقي أن يكون الله تعالى جائزة الصائم، كما جاء في الحديث القدسي: «كلُّ عملِ ابنِ آدمَ له إلا الصومَ، فإنه لي وأنا أجزي به»(3).. فإن من مقاصد الصيام تذكير النفس بفقرها الذاتي وحاجتها الدائمة إلى المدد الرباني، فالحرمان الطوعي من الطعام والشراب الماديين هو في حقيقته تمثيل لحال «الفقر الروحاني» التي تصيب الأمم عند انقطاع المدد السماوي. ومن هنا، يصبح الجوع الرمضاني وسيلة لاستنزال واستدرار المدد الإلهي، وهو أسلوب درجت أدبيات التصوف الإسلامي على تسميته بـ «التخلية قبل التحلية»، أي تخلي العبد عن شهواته لِيتحلى بتجليات ربه عليه.

 

معسكر إصلاح للأمة كافة

إنَّ الغاية المرجوة من الصيام هي تحقيق مقتضيات «التقوى» كما جاء في القرآن، والتقوى حال من الوقاية تحول دون انزلاق الإنسان في مهاوي المادية. ويبدو من المناسب هنا التطرُّق إلى العلاقة بين البنيتين الصرفيتين (صوم – صيام).. لقد عرفت الأمم السابقة ممارسة الإمساك عن الطعام، تعبدًا وتقربا إلى الله، ويقول :

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ.(4).

وقد ذكر  نماذج من صوم المقربين ممن سبقونا في الأمم الخالية، فذكر صوم النبي زكريا والسيدة مريم (عليها السلام)، فوردت الإشارة تلميحا إلى صوم النبي زكريا في قوله تعالى:

قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ.(5).

أما صوم السيدة مريم فقد صرَّحت به الآية الكريمة:

فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا.(6).

ولا شك أن الصوم المذكور في سياق قصتي حضرة زكريا وحضرة مريم البتول (عليهما السلام) لم يكن من قبيل الشعيرة الدينية التي هي فريضة عامة، وإنما كان نسُكا خاصا، خصَّ الله تعالى به كُلًّا من هذين الصِّدِّيقَين، وتلخص هذا النُسُك في الانقطاع عن شواغل الحياة، وسد المنافذ والثغرات المؤدية إلى كل ما خلا الله. لم يكن صوم زكريا ومريم إذن انقطاعا عن أكل وشرب البتة، بدليل أن الأمر الموجه إلى السيدة مريم البتول بالصوم ، الذي وردَ في عجز الآية، هو الأمر الصريح نفسه الموجه إليها بالأكل والشرب، الذي وردَ في صدر الآية (مريم: 27).. الأمر إذن يشتمل على مفارقة ما، فبينما أمرت السيدة مريم بالصوم سُمِحَ لها بالأكل والشرب، الشيء الذي يتنافى مع معنى الصيام المتبادر إلى الذهن، والذي يُفهَمُ على أنه امتناع عن عدة أمور وممارسات، من ضمنها الأكل والشرب بداهة.(7) وقد ورد لفظ الصوم في كامل النص القرآني مرة واحدة في سورة مريم بوصفه نذرا فرديًّا، مارسته السيدة مريم ابنة عمران على سبيل التطوع، لا على سبيل التشريع.

أما الصيام، فيتضح من بناء هذه اللفظة أنه نوع من الممارسة الجماعية، بما تشير إليه ألف المفاعلة في “صيام”، ولمزيد من التفصيل في هذه النقطة، نتناول أمثلة لألفاظ ذات مبان مشابهة، نحو: (خَاطَبَ – خِطابا) و(خَاصَمَ – خِصاما) على زِنَة (فَاعَلَ – فِعالا) حيث تدل ألف المفاعلة على اشتراك أكثر من طرف في أداء الفعل معا. تبدو دلالة البنية اللفظية لـ “الصيام” مفيدة لمعنى الممارسة الجماعية للأمة كافة، وحين يوجه المولى الحكيم سبحانه التوجيه إلى الأمة كافة يذكر «الصيام» ولا يذكر «الصوم». ويكفي أن نتتبع لفظة «الصيام» الواردة 3 مرات خلال النص القرآني لندرك أنها وردت في إطار الممارسة الجماعية على سبيل الفريضة(8). فالصوم إذن ممارسة فردية تطوعية، أما الصيام فممارسة جماعية تتشارك الأمة في أدائها على سبيل الفريضة، فما فُرِض على الأمة ليس الصوم إذن، وإنما الصيام، وذلك بحسب منطوق نص الآية:

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ.(9).

بعثة المسيح الموعود فِطْر الأمة بعد صيامها

في جو الظلام الفكري والروحي الذي خيّم على الأمة طيلة القرون التي سبقت مبعث المسيح الموعود ، ضاهت تلك الفترة صياماً طويلاً، وجاء بعث المسيح الموعود إيذانا إلهيا بحلول العيد على المسلمين الصائمين طيلة قرون. وبحلول العيد يحق للصائم أن يفرح بفضل الله تعالى عليه بإتمام العدة. ولكن، في أوساط الجماعة الإسلامية الأحمدية، ثمة عيد أعظم شأنا يعتمل داخل قلوب المؤمنين، وهو عيد فطر الأمة جمعاء بأن من الله تعالى عليها بإنزال الغيث بعد قحط دام 14 قرنا، وانتهى إلى غير رجعة بفضل بعث إمام الزمان.

إنَّ الدخول في كنف المسيح الموعود هو «الفطر الحقيقي» بعد جوع مرير من الجهالة والشك. فالمبايع يذوق حلاوة الإيمان، وهذا بحد ذاته يستوجب الفرح، وهذا الفرح ليس فرحاً بحدث عابر، وإنما هو فرح بفضل الله وبرحمته. وإنَّ البيعة لهي القناة التي يتدفق عبرها المدد السماوي ليحول حياة المؤمن إلى سلسلة من الانتصارات الروحية.

فالحرمان الطوعي من الطعام والشراب الماديين هو في حقيقته تمثيل لحال «الفقر الروحاني» التي تصيب الأمم عند انقطاع المدد السماوي. ومن هنا، يصبح الجوع الرمضاني وسيلة لاستنزال واستدرار المدد الإلهي، وهو أسلوب درجت أدبيات التصوف الإسلامي على تسميته بـ «التخلية قبل التحلية»، أي تخلي العبد عن شهواته لِيتحلى بتجليات ربه عليه.

البيعة أعظم البركات

تُعد بعثة المسيح في الأمة المحمدية من أعظم البركات في العصر الحديث، فهي التي أعادت للمسلمين عزتهم الروحية، وقدمت الإسلام إلى العالم كمنهج حياة قادر على الصمود أمام تحديات العصر. إنَّ الارتباط بين رمضان بوصفه شهر القرآن، والمسيح الموعود بصفته خادم القرآن، ارتباط العلة بالمعلول، فرمضان يهيئ الأرواح، والمسيح الموعود يسوقها نحو مرضاة الله، ولا يكون هذا دون بيعة ذلك المأمور ، وقد ازاداد شهر رمضان فضلا ونورا إذ شهد آيتي صدق عظيمتين من آيات تصديق المسيح الموعود ففيه كسفت الشمس وخسف القمر تصديقا لنبوءة سيد الخلق محمد المصطفى بشأن بعث المسيح الموعود في آخر الزمان. حتى لقد علمنا المسيح الموعود أن من البركات الرمضانية التي أفاضها الله على أمة خاتم النبيين أن بعث فيهم مسيحا منهم، فقال :

يا قوم في رمضان ظهرت آيتي

من ربنا الرحمن والديان(10)

الهوامش:

  1. الرازي، مختار الصحاح، تحت «ر م ض»
  2. محمد بن أحمد الدسوقي، حاشية الدسوقي على مختصر المعاني، ج4، ص281، المكتبة العصرية، بيروت
  3. تفسير القرطبي، الصفحة أو الرقم: 3/123
  4. (البقرة: 184)
  5. (آل عمران: 42)
  6. (مريم: 27)
  7. صام المقربون الأولون صوما، مجلة التقوى، عدد يونيو 7102م.
  8. راجع الآيات: (البقرة: 184)، (البقرة: 185)، (البقرة: 186)، (البقرة: 188)، (البقرة: 188)، (البقرة: 197)، (البقرة: 197)، (النساء: 93)، (المائدة: 90)، (المائدة: 96)، (المجادلة: 4-5)، (الأحزاب: 36)
  9. (البقرة: 184)
  10. مرزا غلام أحمد القادياني، نور الحق، قصيدة «بشرى لكم يا معشر الإخوان»
تابعونا على الفايس بوك
Share via
Share via