لا تَجْتَمِعُ الأمَّةُ عَلَى ضَلاَلَةٍ

محمد مصطفى

كاتب
  • لا يمكن أن يعذب من انتظر ومات قبل أن يلقى المنتظر.
  • فموته قبل ذلك يكون رحمة له.
  • الكفر مبني على معرفة يكون مستوجبا للعذاب.

متى تكون الضلالة الموجبة للعقاب؟

إن المرء عدو ما يجهل، وإنه دون أن يدري وكإجراء دفاعي منه عما قد نشأ عليه من موروث، يأتي ليقاوم النور بما يكون في الأصل هو إشارة لإصلاح إيمانه. حول ذلك ناقشني صديق مستنير مشيرًا إلى قول رسول الله «لا تجتمع أمتي على ضلالة» وهو يقصد الحديث:

«سألت ربي عز وجل أربعًا فأعطاني ثلاثا ومنعني واحدة سألت الله عز وجل أن لا يجمع أمتي على ضلالة فأعطانيها، وسألت الله عز وجل أن لا يهلكهم بالسنين كما أهلك الأمم قبلهم فأعطانيها وسألت الله عز وجل أن لا يلبسهم شيعًا ويُذيق بعضهم بأس بعض فمنعنيها»(1)

وقال صاحبي: أليس هذا الحديث -يقصد الجزئية التي ذكرها منه- بكاف لإثبات أن أمة الإسلام على الصواب دائمًا ولا يمكن أن تجتمع على خطأ أبدًا؟ قلت بلى. وكنتُ قد لمستُ في صيغة قوله إرادة النُصح الممزوجة بشيء من الحيرة؛ فبادرت رادًا عليه بما قد تفضل به عليَّ ربي وسردت قائلًا: سأورد هنا مقولة توضيحية للاسترشاد فحسب ثم أقول ما أريد قوله. ورد في الإنجيل القول التالي: «على أن الخطية لا تُحسب إن لم يكن ناموس» (2)

فلا يمكن أن يُعذَّب من انتظر ومات قبل أن يلقى المُنتظر، إلا فيما يخص شأنًا غير شأن المبعوث بالطبع. وإن كان قُدِّر له كونه من المُكذبين إذا عاصره فموته قبل ذلك يكون رحمة له.

وإذا فهمنا فحوى هذه الجُملة -بغض النظر عن قائلها، فكما أشار حضرة الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه قائلًا: «لا تنظر إلى من قال وانظر إلى ما قال»(3) فالمقولة الإنجيلية السالفة تعني أنه بدون قانون لا يُمكن أن يُعد الخطاة خطاةً؛ إنما يُشرّع القانون لكي يمنع من ارتكاب جُرم تم ارتكابه بالفعل في السابق. فإن أي خطأ تم ارتكابه قبل إقرار القانون -عرفيًا كان أم شرعيًا- لا يُحتسب كجرم يستوجب العذاب. إنما يُستدل بالخطأ أو الجرم المُرتكب بعد تبيان ضرره ولعدم تكراره مرة أخرى إلى الحاجة لاستلهام عمل إصلاحي ما أو استصدار قانون رادع للنزعات الإنسانية المادية أو المعنوية التي من شأنها أن تدفع لارتكاب الأخطاء الأساسية والفرعية عنها، والتي عُهدت من الخطأ الأول السالف. ونعلم أنه قد اتفقت المواثيق الحقوقية الدولية ودساتير* دول العالم على اختلافها(4) بخصوص ذلك الشأن وعلى هذا الأساس المنطقي والمعقول فقد أقر الله تعالى أيضًا كل ذلك في القرآن الكريم، بأن لا عذاب إلا بعد بعثة رسول منذر؛ فقال تعالى:

وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (5)

الحد الفاصل بين الضلالة والردى

وعلى ذلك فهاهنا توجد دقيقة قل من يدركها، إذ أنه قبل بعثة أي مبعوث سماوي عمومًا لم يكن من المعقول أن توصف الأمم بأنها على ضلالة تستوجب العذاب؛ إنما الصائب في القول أنها قد كانت بعدُ مترديةِ الحال في أسوء أنواع التردي، وهي تتطلع بفطرتها لظهور مُصلح.
وفي حالة ظهور الإمام المهدي والمسيح الموعود في هذا الزمان المُحَدد له سلفًا ضمن إشارات واضحة من القرآن الكريم، وفيض من الأحاديث النبوية، فلا يمكن كذلك وصف الأمة قبله أنها كانت على ضلالة، وقد كانت حينذاك تنتظر مجيئه بصبرٍ حارق جراء طول الأمد وبلوغ الهوان واستطالة الزمان ودنوه في انتظار الأمل المعقود على مجيئ رحمة منقذة لهم من عند الله. وكان لسان الحال والقال فيها يُصرّح ويقول أن الأمة في حاجة مُلحة إلى شخص قادر على التعامل مع هذا القانون الذي بين أيدينا وأهملناه، بعد أن فقدنا عمليًا جوهر معناه الإصلاحي الذي من شأنه أن يكبح من سرعة انهيار الأمة وانحدارها وترديها وسط أمل انتظار مُنقذ ومُخَلِّص ومصلح رحمةً من الله بهم.
فلا يمكن أن يُعذَّب من انتظر ومات قبل أن يلقى المُنتظر، إلا فيما يخص شأنًا غير شأن المبعوث بالطبع. وإن كان قُدِّر له كونه من المُكذبين إذا عاصره فموته قبل ذلك يكون رحمة له.
أمَا وقد بعث الله المسيح الموعود المُشار إليه بالعلامات، فقد تحولت الترديات غير المحسوبة كخطايا وضلالات موجبة للعذاب سابقًا، تحولت إلى ضلالات مُهلكة الآن؛ لأنها صارت مبنية على عناد رغم الانتظار والمعرفة المعهودة سلفًا، عناد لقانون أصبح مُفعلًا بعد هجرهِ لفترة، وتغافل عن سنة ثابتة أزلية عند الله.

كما أن ببيان النبوءات الواردة في الأحاديث النبوية صراحة وتجلي الآيات، وبعد تحققها جميعا أمسى إنكار المُنكرين ظُلم، فضلّوا بإنكارهم وأصبحوا كافرين. وهذا هو كفر الضلال الذى يكون مستوجبا للعذاب. إذ ليس كل كفر يكون مستوجبا للعذاب، بل الكفر المبني على معرفة مسبقة وعناد لاحق حين تحقق النبوءات.

فبعد معرفة تامة بسنن الله في خلقه يقول المسيح الموعود: «وإن كنتم لا تعلمون سنن الله أو تريبون، فانظروا إلى سننكم التي عليها تداومون. وإنكم تسقون زروعكم على أوقاتها، ولا يرضى أحد منكم أن لا يستعمل آلات الحرث عند حاجاتها، وإذا بُشّر مثلا أحدكم بجدارٍ من بيته يريد أن ينقضَّ ظل وجهه مصفرًا، ويقوم ولا يرى بردًا ولا حرًا، ويطلب المعمار ويرم الجدار، شفقة على نفسه وعلى الأهل والبنين. فكيف يُظنّ السوء بالله الكريم الرحيم، ويقول إنه لا يبالي ضعف دينه القويم، مع رؤيته هذا الخلل العظيم؟ ألا ساء ما تحكمون، وتظلمون ولا تقسطون.»(6) فمن كان لا يعلم السنن الإلهية فها قد جاء المُذكِّر.
كما أن ببيان النبوءات الواردة في الأحاديث النبوية صراحة وتجلي الآيات، وبعد تحققها جميعا أمسى إنكار المُنكرين ظُلمًا، فضلّوا بإنكارهم وأصبحوا كافرين. وهذا هو كفر الضلال الذي يستوجب العذاب. إذ ليس كل كفر يكون مستوجبا للعذاب، بل الكفر المبني على معرفة مسبقة وعناد لاحق حين تحقق النبوءات.

فهل يُلغىَ هذا الحديث إذا؟!

ولكن إذا كان الأمر كذلك فأين نذهب بحديثنا هذا إذا (إن الله لا يجمع الأمة على ضلالة) بعد بعثة هذا المبعوث المسيح الموعود والمهدي المعهود؟
نريد بداية فقط أن ننوه إلى أنه طبقًا لما ورد في كتب الحديث فإن هذا الحديث بذلك اللفظ ضعيف من جهة الإسناد. لكن بحسب منهج الجماعة الإسلامية الأحمدية فلا نُضعف بمجرد شيء في السند أو ما لم نفهمه من المتن؛ فلا نرفض إلا ما خالف القرآن الكريم صراحة وبوضوح ولم يوافقه برغم محاولة التوفيق أو التأويل.
ولهذا الجزء من الحديث معانٍ لمن وعى، فأولًا هو يبين أن الله لا يُضيّع الأمة كما هو واضح من سياق متنه كاملًا، فلا يصنع سبحانه لها اختبارًا بقصد إيقاعها في الخطأ والضلال. إذ لا يليق به تعالى أن يبعث شيطانًا في ثياب ملائكية ليرى أنكفر أم نؤمن. والعكس صحيح وهو اللائق بعظمته وجلاله ورحمته ومودته وجماله، فالملك العظيم لا يختبر رعيته ليتصيد لهم الأخطاء وبها يعذبهم. إنَّ عظمة الله تعالى تقتضي أن يقدم هذا العظيم كل نعمة وخير ورحمة يزيل بها ما يعوق نجاتنا وييسر وصولنا آمنين، فإذا ظهر منا فساد لحقته رحمة الله وتداركته، فمن قبِلَ الرحمة كان خيرًا له ومن نبذها فقد حرم نفسه وأضلها. لذلك قال نبينا أن الله لا يجمع الأمة على ضلالة. إذ كما لا يجمع رب البيت السوي أولاده أمام شاشة التلفاز لمتابعة ما هو إباحي وخليع، فكذلك الله؛ لا يرسل للخلق ما يُضلهم أبدًا، وذلك من قيوميته تعالى على خلقه.
ثانيًا وبناء على قول رسول الله :

«لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن»(7)

ومن هذا المنطلق فإذا صَنع الجمع الكثير من الناس ضلالة وأعجبتهم ودعوا لها واتبعوها.. فصنعهم للضلالة هذه أخرجهم من حيز الإيمان والأمة أصلًا. فنأوا بذلك عن أن يقصدهم مثل هذا الحديث. فإذا كان مبعوث الله تبعته القلة تصديقًا وفقًا للعلامات والآيات، فإن أصحاب الضلالة حينئذ هم المكذبون حصرًا، لأن الله لم يأمرنا بالتكذيب ومن ثم التكفير.

«….وقد كتب الله قصة قوم نوح وقوم إبراهيم وقوم لوط وقوم صالح في القرآن، وأشار إلى أنهم أرسلوا كلهم عند الفتن والفسوق وأنواع العصيان، وما عُطّلت هذه السنة قط وما بُدلت، وما كان الله نسيًا كنوع الإنسان….» (المسيح الموعود )

وثالثًا فالحديث بنصه هذا يُحتم أنْ لا ضلالة في الأمة يُكتب لها الاستمرار والشيوع والانتشار بل والازدهار..! فإذا كان من مُدَّعٍ كاذب تكفّل به الله وقضى عليه وبتره وكلامه ودعواه، ذلك حتى لا يُفتتن الناس بها وتكون عليهم وبالا. وإنه ليُبشر بأنه لن تُهلك الأمة بالسنين، ما يعني وقوع سنة الله الرحمن فيها حتمًا والتعامل مع الضالين المُضلين. يقول المسيح الموعود :

«فهذا هو الأمر الذي اقتضى مُصلحًا بينهم من السماء، وكذلك جرت عادة الله في السابقين من أهل البغي والغلواء. وقد كتب الله قصة قوم نوح وقوم إبراهيم وقوم لوط وقوم صالح في القرآن، وأشار إلى أنهم أرسلوا كلهم عند الفتن والفسوق وأنواع العصيان، وما عُطّلت هذه السنة قط وما بُدلت، وما كان الله نسيًا كنوع الإنسان. فكفاك هذا لمعرفة سنن الله إن كنت تطلب دليلًا، ولن تجد لسنة الله تبديلًا»(8)

رابعًا لقد صارت الأمة بعد المسيح الموعود ممثلة فيه والعصبة التي اجتمعت عليه؛ لأنه داع للإيمان، ومبعوثًا بالآيات ولا يدعو لبدعات، ومُحددٌ له وقت الإتيان، وكان في انتظاره الناس أجمعين. فصار هو الممثل الشرعي للحُكم بهذا القرآن الذي هجره الناس. فحتى وإن كانت هذه الجماعة مكونة من واحد فقط فإن الله عز وجل سبق وقال:

إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا (9)

فكذلك المسيح الموعود هو عند الله معنى الأمة وهي بدونه لا معنى لها. وكل من اجتمع إليه فقد اجتمع إلى الهدى، فلا يُقاس اجتماع الأمة بالقلة أو بالكثرة العددية.
أما معارضو المسيح الموعود فهم لا يخصهم ولا يقصدهم هذا الحديث الشريف من قريب. وباختصار، لقد انسحب لقب «الأمة» عمليًا بمجرد انبعاث المسيح الموعود عليه واتباعه وجماعته سواء كانوا قلة قليلة أو كثرة.

اجتماع الناس على تكفير كاشف الدجال

ولقد ذكر رسول الله في سياق أعظم الناس شهادة عند رب العالمين، أنه يكشف الدجال ويسعى لقتله فيقول له الناس بمن فيهم عامة ومشايخ: إلى أين أنت ذاهب فيقول إلى هذا الذي خرج (يقصد الدجال) فيقولون له: أو ما تؤمن بربنا؟! فيسعون جاهدين لتسليمه وقتله(10) فها هي صورة صدّرها رسول الله تدل على اجتماع فئة عظيمة من الناس على التكفير والسعي لقتل شاهد الله بل والأعظم شهادة عنده تعالى. فهذا ليؤكد أن الأمة في حديثنا الأول هي فئة المُصدقين المُخلصين الطيبين لا المُكذبين والمُكفرين.

1. (مسند أحمد حديث 27101)
2. (العهد الجديد، رسالة رومية 5: 13).
3.(مائة كلمة للإمام علي بن أبي طالب، الكلمة العاشرة ص68)
4.(الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ـ مادة 11) «لا يُدان أي شخص بجريمة بسبب أي عمل أو امتناع عن عمل لم يكن في حينه يُشكل جُرمًا بمقتضى القانون» 5. (سورة الإسراء: 16)
6.(المسيح الموعود كتاب «لجّة النور» ص22)
7.(صحيح مسلم، كتاب الإيمان،)
8.(المسيح الموعود كتاب «لجّة النور» ص35). 9.(سورة النحل: 121)
10. (صحيح مسلم كتاب الفتن وأشراط الساعة، حديث رقم 113)