كيف بنى هؤلاء العلماء الحضارة الإنسانية – الحسن بن الهيثم

ضحى أحمد

  • العالِم الموسوعي.
  • كتاب المناظر انطلاقة لعلم فيزياء الضوء والبصريات
  • المنهج العلمي نِتَاج إسلامي
  • سجن ابن الهيثم يطلق اكتشاف الكاميرا
  • كيف خلد العالم ذكرى ابن الهيثم؟

أوروبا المظلمة تستنير

في الفترة التي أطلق عليها اصطلاحا «العصور المظلمة» في أوروبا، أخذ يلوح من قِبَل الشرق شعاع ضوء ساطع، كتب به المسلمون شهادة ميلاد علم جديد يُعد إضافة غير مسبوقة في تاريخ العلم، ولا زالت التطبيقات العلمية الحديثة تعتمد عليه كل الاعتماد، إنه علم الضوء والبصريات، وواضع أسسه العالم الموسوعي المسلم «ابن الهيثم».

الصبي المستكشف

إنه «أبو علي الحسن بن الحسن بن الهيثم» (965م-1040م)، المولود في البصرة، والذي قضى بها سني عمره الأولى وتعلَّم في مدارسها. لم يكن مولعا بما كان يشغف أقرانه من أمور اللهو واللعب، ولكنه كان يجد متعته الغامرة في التأمل والتساؤل والبحث والاكتشاف، وطالما جذب اهتمامَه أمورٌ مألوفة ومعتادة قد لا يلتفت إليها أكثر معاصريه، مثل ظاهرة انكسار مظهر الأجسام حين غمسها في الماء، وظاهرة غياب القمر نهارا، ومثل ذلك من ظواهر طبيعية معتادة قد لا يتوقف الكثيرون عندها.

كتابه «المناظر»

تحتفي مكتبة العلوم الرياضية والفيزيائية بالعديد من مؤلفات «ابن الهيثم»، غير أن أشهر مؤلفاته على الإطلاق كتابه «المناظر» الذي يُعد

أفضل إنتاج علمي ظهر في تاريخ العِلم، وكنزا علميا نُقِل عن العربية إلى اللاتينية وظل مرجعا للأوروبيين في علم الضوء خلال عصورهم الوسطى التي أطلقوا عليها بأنفسهم وصف «المظلمة»، واستمر اعتماد الأوربيين على هذا الكتاب حتى إبان عصر النهضة الأوروبية الحديثة. والكتاب يحتوي على معادلات رياضية في تفسير انعكاس الضّوء وانكساره، مع شرح وافٍ لتشريح العين الإنسانية وكيفية الإبصار. ومن مؤلفاته الأخرى إضافة إلى «المناظر» هناك الجامع في أصول الحساب، وحساب المعاملات، وشرح أصول إقليدس في الهندسة والعدد، وتحليل المسائل الهندسية، والأشكال الهلالية، وشرح بعض الظواهر الطبيعية كالهالة وقوس الله (قوس قزح)، وتفسير الكسوف ومقالة في هيئة العالَم. فالملاحظ من النتاج العلمي المتنوع الذي خلَّفه ابن الهيثم أنه كان عالما موسوعيا تمكن من ولوج أكثر من فرع من فروع المعرفة، فعمَّ فضله كثيرا من الباحثين المتأخرين في علوم الفيزياء والرياضيات والفلك والفسيولوجيا (علم وظائف الأعضاء). لقد أسهمت مؤلفات ابن الهيثم العلمية في وضع أسس كثير من العلوم الإنسانية العصرية، منها حساب التفاضل والتكامل، كذلك في مختلف العلوم الرّياضية والطّبيعية والفكرية.

لقد أسهمت مؤلفات ابن الهيثم العلمية في وضع أسس كثير من العلوم الإنسانية العصرية، منها حساب التفاضل والتكامل، كذلك في مختلف العلوم الرّياضية والطّبيعية والفكرية.

المنهج العلمي نِتَاج إسلامي

قد لا نعرف سوى القليل عن حياة «ابن الهيثم»، فمؤرخو العلم يرجحون تاريخ مولده، إلا أننا على يقين من أنه عاصر فترة زمنية تُعرف بالعصر الذهبي للعلوم العربية، كان أبوه موظفًا في ديوان البصرة لذا فقد حظي بتعليم جيد كسائر أقرانه، غير أنه تفرد عنهم إذ تولد لديه الشغف بالعلم، وكان أيضًا مسلمًا تقيًا، مؤمنًا بأن السؤال الدائم للإنسان عن حقيقة العالَم الطبيعي يجعله يتقرب إلى اللّه.

لقد تجاوزت شهرة ابن الهيثم الحدود الجغرافية للعالم الإسلامي حتى أطبقت الآفاق، وعلى الرغم من انتماء عالمنا الأصيل إلى الحضارة الإسلامية، إلا أن الوسط العلمي الغربي لا يجد غضاضة في استلهام روحه، حتى في أدبيات عصر النهضة الأوربية يرمز الحسن بن الهيثم (ALHAZEN بحسب التسمية اللاتينية له) يرمز إلى فضيلة التفكير المنطقي والمعرفة العقلية، إلى جانب جاليليو الذي يرمز إلى فضل التجربة التي تُدرك نتائجها بالحواس.

حين نبسط الحديث عن المنهج العلمي، تُطرح أسماء نوابغ أوربيين كـ «روجر بيكون» العالِم والراهب الإنجليزي المعروف، وربما يطرح آخرون اسم «رينيه ديكارت»، لكن إذا رجعنا بالتاريخ إلى الوراء قليلًا قد نصطدم بحقيقة تاريخية مفادها أن اللبنة الأولى للمنهج العلمي وُضِعت في بيئة إسلامية، وليست أوربية كما كان يُشاع، فقبل حوالي قرنين ونصف من شرح «روجر بيكون» لأهمية تأكيد التجارب لاكتشافاته، كان العالم المسلم «ابن الهيثم» يقول بالشيء نفسه، هذا مسجل في كتابه «المناظر» وكافة مقالاته الأخرى. لقد كانت الفكرة الشائعة إلى عصر «ابن الهيثم» هي أننا نرى ما تضيئه لنا أعيننا، حيث كانت هذه الفكرة مدعومة من بعض كبار المفكرين اليونانيين القدامى مثل إقليدس وبطليموس، وكانت تسمى بـ «نظرية الانبعاث» والتي كانت تفسر الرؤية بأنها تتم بواسطة أشعة الضوء المنبعثة من أعيننا، فتجعل العين بمثابة قنديل يُظهر ما تقع عليه أشعته، ولكن هذا لم يكن مقنعًا لابن الهيثم. مما دفعه إلى التساؤل عما إذا كان الضوء يخرج من أعيننا، فلماذا نتأذى من النظر إلى الشمس؟! ولماذا لا نتمكن من الرؤية في العتمة؟!

لم يكتفِ ابن الهيثم بتفسير النظريات والظواهر الطبيعية لنفسه فقط، ولكنه أراد أن يُريَ الآخرين ما أنجزه وكيف أنجزه، فكل قارئ لـ «المناظر» سيجد تعليمات لكيفية إجراء كل تجربة قام بها ابن الهيثم. وقد تجلَّت سنوات العمل في عزلة في كتابه الشهير، والتي فسرت العديد من تجاربه وساهمت في بلورة أفكاره.

سجن ابن الهيثم يطلق اكتشاف الكاميرا

انتقل ابن الهيثم إلى القاهرة حيث عاش معظم حياته، وهناك ذكر أنه بعلمه بالرياضيات يمكنه تنظيم فيضان النيل، الذي كان يحدث خسائر فادحة كل صيف. عندئذ، أسند إليه «الحاكم بأمر الله» الفاطمي مهمة تنفيذ أفكاره تلك. إلّا أن ابن الهيثم سرعان ما صُدم نظرا إلى تعذُّر تنفيذ أفكاره، مما دعاه إلى العدول عنها، وخوفًا على حياته ادعى الجنون، فبقي رهن الإقامة الجبرية لسنين، فكانت هذه الفترة خيرا عم الإنسانية كلها، إذ كتب فيها كتابه الشهير الذكر (المناظر) والذي تُرجِم إلى لغات شتى، حتى إن أصله العربي فُقِد ولم تصلنا إلا الترجمات.

ومن خلال كتابه (المناظر) يعد ابن الهيثم أول من قدم وصفا واضحا وتحليلا صحيحا لظاهرة انعكاس صور الأشياء من خلال ثقب صغير على جدار غرفة مظلمة (قمرة)، وهو التفسير العلمي الذي مهد لاختراع آلة التصوير الفوتوغرافي (الكاميرا)، على الرغم من أن أرسطو وثيون الإسكندري والكندي وموزي، كل هؤلاء قد سبقوه في وصف الآثار المترتبة على مرور ضوء واحد عبر ثقب صغير، إلا أن أيا منهم لم يذكر أن هذا الضوء سيُظهر على الشاشة صورة كل شيء في الجانب الآخر من تلك البؤرة.وقد سجل الحسن بن الهيثم أثناء سنوات عزلته ملاحظته عن مرور الضوء من خلال ثقب في جدار الغرفة المظلمة وسقوطه على الجدار المقابل ناقلا معه صورة مقلوبة لأشياء موجودة في خارج غرفته.

تخليدا للذكرى

لم يتوقف تخليد ذكرى «ابن الهيثم» عند حدود بلد منشئه (البصرة بالعراق)، فقد اعترف الوسط العلمي العالمي بفضله على العديد من فروع المعرفة المعاصرة. والاهتمام بإنجازاته قديم كذلك، غير أن العصر الحديث بوتيرته يحتاج إلى جرعة مركزة من التذكير بما خلفه السابقون من إنجازات. فعلى المستوى الإعلامي المعاصر نال ابن الهيثم شهرة لدى عامة المجتمع الغربي ومحبي الوثائقيات حين قدم نيل تايسون حلقة علمية وثائقية بعنوان «الاختباء في الضوء» ركز فيها على إنجازات ابن الهيثم في مجال فيزياء الضوء والبصريات، العقل العلمي الأصيل تماماً الذي أنتجته الثقافة العربيّة. كما أطلقت منظمة اليونسكو عام 2015 اسم ابن الهيثم على السنة الدولية للضوء، ملقبة إياه بـ «أبي البصريات». كذلك أطلقت وكالة «ناسا» اسم «ALHAZEN» على إحدى الفوهات القمرية.

من مأثوراته

يُنقل عنه مما كَتب: «والواجب على الناظر في كُتب العلوم، إذا كان غرضه معرفة الحقائق، أن يجعل نفسه خصمًا لكل ما ينظر فيه، ويجيل فكره في متنه وجميع حواشيه، ويخصمه من جميع جهاته ونواحيه، يتهم أيضًا نفسه عند خصامه، فلا يتحامل عليه ولا يتسمَّح فيه. فإنه إذا سلك هذه الطريقة انكشفت له الحقائق، وظهر ما عساه أن يقع في كلام من تقدمه من التقصير والشُّبَه».

Share via