اسم يونس عليه السلام (الجزء الثاني)

س. م. دويدار

  • معنى “نسأ” هو التأخير.
  • تتناول سورة النساء شرائح اجتماعية (الورثة، اليتامى/ صغار السن).
  • كذلك أخر الله تعالى العذاب على المتنصر “آتهم”.

دَلاَلاَتٌ إلْـهَامِيَةٌ فِي الأسْمَاءِ الْنَبَوِّيَةِ اسْمُ يُونِس عَلَيْهِ السَّلاَمُ (الجزء الثاني)

يُونُسُ، وَالنَّسْءُ، وَالنِّسَاءُ، وَالنِّسْيَانُ

في فسحتنا اللغوية الشهر الماضي، وفي معرض الحديث عن الدلالات الإلهامية في الأسماء النبوية، تناولنا اسم حضرة «يونس» النبي ، متخذين من الجذر اللغوي العربي «ن س أ» منطلقا للبحث، ففهمنا أن الدلالة اللغوية التي يقدمها هذا الجذر هي «التأخير»، بالإضافة إلى ما يمكن أن يتصل بهذه الدلالة من معان في منظومة المفردات العربية على نحو خاص، كمعنيي «التأجيل» و»الإبعاد» على سبيل المثال. وفي قسط اليوم نسعى إلى أن نسير خطوات أبعد في فهم كثير من النصوص الإلهامية، وذلك بتوظيف فهمنا للدلالة التي يحملها الجذر اللغوي «ن س أ».

النساء، والشيء بالشيء يُذْكر

ولأن الشيء بالشيء يُذكر، ففي إطار محاولة استكناه أسرار أسماء السور القرآنية، وعلى ذكر المادة المعجمية «ن س أ»، يقفز إلى الذهن التساؤل ذاته عن سورة «النساء»، والجواب يكاد يكون حاضرا هذه المرة، نظرا إلى التمهيد السابق. وسورة النساء إلى جانب تناولها لأحكام النساء في التشريع القرآني، فإنها كذلك تتناول تفاصيل الإرث، وهو ما فرضه الله تعالى من تركة المتوفَّى لورثته الذين يكونون متأخرين عنه، فهم بمثابة «نسائه» إذا وضعنا في الحسبان المعنى اللغوي للنساء. كذلك تناولت سورة النساء أحكام اليتامى وصغار السن وملك اليمين، وتلك شرائح اجتماعية يمكن وصفها بالنساء أيضا، لكونها متأخرة في التصنيف الاجتماعي من حيث فقدان الأهلية إلى حين. فآيات سورة النساء إذًا إلى جانب المتأخرات من حيث الطبيعة العضوية (الإناث)، فإنها تتناول أيضا ذكر المتأخرات من حيث الزمن (الوَرَثَة، والأمة في الزمن الأخير كونها وارثة أفضال النبوة)، والمتأخرات من حيث المرتبة الاجتماعية (اليتامى، وصغار السن).

النسيان، وتنزيه الله تعالى

لا شك أن النسيان الذي هو ضد التذكر أحد مقدمات الغباء، لا سيما إذا زاد عن حده المعقول والمحتمل، بل إنه يبلغ في بعض الأحيان درجة من السوء بحيث يتعذر على المصاب به أن يزاول حياته بشكل سوي، كما في مرضى «الزهايمر»، فالنسيان منقصة بكل المقاييس، بخلاف التذكر والذاكرة التي تكون عادة مدعاة لكيل المدح والثناء على المتصف بها، لا سيما إذا كانت قوية بشكل لافت للنظر.. يتضح من هذا أن النسيان منقصة لا يحب كثير من الناس الاتصاف بها، أفنَصِفُ بها الله صاحب الأسماء الحسنى كلها والكمال المطلق؟! كلا، وسبحانه وتعالى عما يصفون.
فكيف يمكن إذا فهم باقة من النصوص القرآنية تتناول فعل النسيان منسوبا إلى الله تعالى بشكل لا يمس تنزيهه؟! من خلال الفهم السابق للمادة اللغوية «ن س أ» علينا ان نضع مدلول التأخر والتأخير في الاعتبار، وسنلاحظ أن اشتراك «النسيان» و»النسء» أو «الإنساء» في ذلك المدلول (التأخر والتاخير والتأجيل) أدى بالبعض إلى الخلط، فحيثما ذُكرت مادة «ن س أ» فهموا منها النسيان الذي هو ضد التذكر، بينما غفلوا عن المعنى الدلالي للفظ، فوقعوا في نسبة الذهول، والعياذ بالله، إليه ، مما اضطرهم إلى محاولة البحث عن مخرج بالمجاز، ولكن دون جدوى.
فقوله:

فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ (1)،

وقوله في المنافقين:

نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (2)،

يمكن فهمهما على أن من يؤخر لقاء الله واتباع مبعوثه تجاهلا وإعراضا فإنما يستجلب على نفسه مصيبة إعراض الله عنه، فهذا هو نسيان الله له، وهو غير النسيان المضاد للتذكر، ولكنه نسيان بمعنى الإعراض والتأجيل. ويدعم هذا القول أن الله تجاوز عن نسيان عباده، فالنسيان عرض لا إرادي يطرأ على الذاكرة، لا يرغبه أحد لنفسه غالبا، فكيف يعاقب الله عليه؟! ويدعم هذا الحديث قول النبي :

«إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» (3)

فلا مندوحة إذًا من فهم: فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ على أن النسيان هنا إعراض عن الله ومبعوثيه، وكذلك إِنَّا نَسِينَاكُمْ على أنه ترك الله تعالى العبد المعرِض لنفسه وما يستتبع ذلك من تبعات وبنفس الأسلوب نفهم قوله في سورة طه:

قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (4)

عودة إلى يونس في هذا الزمان

في سيرة المسيح الموعود لهذا الزمان، يتكرر مضمون قصة يونس ، فقد أخر الله تعالى العذاب غير مرة عن أولئك الذين أبدوا خشية من صولة الحق فكفوا ألسنتهم وأيديهم عن دين الله تعالى ومبعوثيه وجماعته. تقص علينا مصادر سيرة المسيح الموعود حادثة المدعو «آتهم» المتنصر الذي أطلق بذاءة لسانه في حق سيدنا محمد ، فأنبأ المسيح الموعود بموته خلال 15 شهرا، فلما أبدى ذلك المتنصر شيئا من الخوف من هيبة النبوءة، أمهله الله تعالى بحسب سنته القديمة، فما كان من الخصوم الذاهلين عن سنن الله عز وجل إلا أن أساؤوا الظن معتبرين أن النبوءة لم تتحقق، فلفت المسيح الموعود أنظار هؤلاء إلى سنة الله الثابتة، وذلك ببيت شعر عربي فصيح قال فيه عن المتنصر «آتهم»:

وَقَدْ هَـابَ المَـنَايَا ثُمَّ أَنْسَى
زَمَانَ المَوْتِ مِنْ زَهْوِ الضَلَالِ(5)

فالفعل «أنسى»: صيغة الماضي من يُنْسِئ، بمعنى يؤخر ويُمهل ويؤجل، وجاءت صيغة الماضي بالألف المقصورة منقلبة عن أصل مخفف بحذف الهمزة المتطرفة في المضارع (يُنْسِئ). والمعنى أن آتهم عندما خشي على نفسه من الموت بحسب النبوءة، وارتدع عن الإساءة إلى حضرة خاتم النبيين فإن الله قد أجَّل الوعيد بحقه بحسب سنته القديمة.
بالطبع ليست النبوءة المتحققة بحق «آتهم» الوحيدة من نوعها في سيرة المسيح الموعود ، فقد تكررت مشاهد إمهال الله تعالى وإنسائه لمن يبدون أسفا أو خوفا فيكفون عن غيِّهم المعتاد، فحضرة مرزا غلام أحمد بالنظر إلى هذا المعنى وتلك الحوادث
هو بحق يونس هذا الزمان.

1.(السجدة: 15)

2. (التوبة: 67)

3. (سنن ابن ماجه، كتاب الطلاق)

4. (طه: 127)

5. الخزائن الروحانية، المجلد 11، الترجمة العربية، كتاب «عاقبة آتهم»، ضميمة
«مكتوب أحمد»، قصيدة «تذكر موت دجال رذال» ص132.