• الفطرة الإنسانية وهجمات الشيطان.
  • طبيعة عقاب الله ورحمته.
  • الفرق بين النظرية المسيحية والنظرية الإسلامية بشأن فطرة الإنسان.
  • الروحانية سلاح لصد هجمات الشيطان.
  • الإسلام دين عالمي.

قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلاً (الإسراء: 63)

شرح الكلمات:

كرَّمتَ: كرَّمه تكريمًا وتَكْرِمةً: عظَّمه ونزّهه (الأقرب).لأَحتنِكَنَّ: احتنَكَ الفَرَسَ: جعَل الرسنَ في فيه. احتنكَه: استولى عليه. احتنك زيدًا: أخَذ مـالَه كلَّه. احتنك الجرادُ الأرضَ: أكَل ما عليها وأتى على نباتها (الأقرب).

التفسير:

أي أن الشيطان طلب بلسان حاله من الله تعالى أن يُمهله حتى زمن ازدهار بني آدم، ليُريه كيف يُلجِمهم ليسوقهم حيثما شاء.(لمعرفة المزيد عن قصة آدم والشيطان راجِعْ تفسير الآية رقم 27 من سورة الحجر) مع العلم أن «القيامة» تعني هنا زمن رقي المؤمنين، إذ تقوم القيامة على الكفار حينئذ في شكل دمارهم، وعلى المؤمنين في شكل رقيّهم.وأما قول الشيطان إلا قليلا فيعني أن قليلا من الناس ينجون من سيطرتي، أو أن قليلا من أعمالهم ستكون لله تعالى، ومعظمها تكون من أجلي. يزعم البعض أن الشيطان قام بادعاء كبير، ثم حقق ما ادعى، حيث تحدّى وقال لأَحتَنِكَنَّ ذُرّيّتَه ؛ وبالفعل نرى أن الخير في الدنيا قليل، والشر كثير؛ ولكن الله تعالى لم يستطع أن ينجز ما أعلنه إزاء تحدّي الشيطان، فإنه تعالى قال وما خلَقتُ الجنَّ والإنسَ إلا ليعبدونِ ، ومع ذلك نرى أن أكثر الناس ليسوا عبادًا لله، بل أصبحوا عبادًا للشيطان؟إن هذا الاعتراض ناتج عن قلة التدبر، لأن الشرّ في الواقع أقلّ من الخير بكثير. خذوا مثلاً أكبر الكذابين في العالم، فلو جمعنا كلَّ ما نطق به من كلام في سائر حياته لوجدنا صدقَه أكثر من كذبه. ونفس الحال بالنسبة للسيئات الأخرى. فالحق أن أكثر الناس في الدنيا نياتهم صالحة، ويسعون لفعل الخير قدر المستطاع، وإن كانت الأهواء النفسانية تصرعهم أحيانًا. فمن الخطأ القولُ أن الشيطان نجح في مرامه. إننا نرى أن أحدًا إذا ارتكب سيئة، ولو صغيرة، انتشر خبره على نطاق واسع؛ وهذا أيضًا يشكّل برهانًا على فشل الشيطان، إذ يدلّ على نقاوة الفطرة الإنسانية التي لا تتحمل السيئة وإن كانت صغيرة.

ومن ثم يجب أن يكون عقاب كل إنسان أيضًا مختلفًا عن الآخر؛ ولا يمكن تحقيق ذلك إلا إذا كان العقاب نفسانيًّا، فيتحمل كل إنسان النتائج الطبيعية لأعماله.

قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا (الإسراء: 64)

شرح الكلمات:

موفورًا: الموفور: الشيءُ التامُّ. وجزاءٌ موفور: لم ينقص منه شيء (الأقرب).

التفسير:

قوله تعالى فإن جهنّمَ جزاؤُكم جزاءً موفورًا يعني أن كل واحد منهم سينال هنالك جزاء كاملا، ولكن لا يعني ذلك أن الله تعالى لن يخفّف من عقابهم شيئًا، لأن الثابت من القرآن الكريم أن سنة الله تعالى في العقاب أن يفضّل الرحمة والعفو دومًا. إن كلمة موفورًا إنما تعني أن العقاب شيء لا يمكن أن يطلب الإنسان مزيدًا منه، وأن كل واحد في الجحيم سيكون مشغولاً بعقابه بحيث لن يمكنه التفكير في شيء آخر.ويتضح من هذه الآية أن هذا العقاب سيكون نفسانيًّا، وأن كل واحد سيلقى العقاب بحسب حالته القلبية، شأن الشجرة التي تمتص الغذاء وفقًا لحالتها الطبيعية من الأرض. لقد أتى إلى الدنيا ملايين الملايين من البشر وسيجيئون في المستقبل أيضًا، ولكن لا يوجد فيها حتى شخصان يتشابه قلباهما تشابهًا كاملا، بل حالة قلب كل واحد مختلفة، ومن ثم يجب أن يكون عقاب كل إنسان أيضًا مختلفًا عن الآخر؛ ولا يمكن تحقيق ذلك إلا إذا كان العقاب نفسانيًّا، فيتحمل كل إنسان النتائج الطبيعية لأعماله.

وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَولَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (الإسراء: 65)

شرح الكلمات:

واسْتَفزِزْ: استفزّه الخوفُ: استخفّه واستدعاه. واستفزّه من الشيء: أخرجه. استفزّ فلان فلانًا: أخرجه من داره وأزعجه، ويقال: خَتَلَه حتى ألقاه في مهلكة؛ قَتَلَه (الأقرب).أَجلِبْ: أجلبَ القومُ: اختلطت أصواتهم وضَجُّوا؛ تجمَّعوا مِن كل وجه للحرب، وفي القرآن: وأَجْلِبْ عليهم بِخيلِك ورَجِلِك .. أي صِحْ (الأقرب).خَيلك: الخيل: جماعةُ الأفراس، لا واحد له؛ والفرسانُ على المجاز أي رُكّابُ الخيل، ومنه قولُ القرآن وأَجْلِبْ عليهم بخيلِك ورَجِلِك .. أي بفرسانك ومُشاتِك (الأقرب).رَجِلك: الرَجِل: جمعُ الراجِل وهو مَن ليس له ظَهْرٌ يركَبه (الأقرب).

التفسير:

قوله تعالى وَاسْتَفْزِزْ مَنِ استطَعتَ منهم بِصوتِك يبيّن أن الإنسان يكون في أول أمره في مقام الخير، فإذا أثّر فيه الشيطان انزلق من مقامه الأصلي إلى مقام الشر. وهناك بون شاسع بين النظرية المسيحية والنظرية الإسلامية في هذه القضية، حيث ترى المسيحيةُ أن أصل فطرة الإنسان هو الشر، ويُؤتَى بالإنسان من مقام الشر إلى مقام الخير من خلال الكفّارة «دنيا كا منجي» (أي مخلِّص العالم) ص 21). بينما يعلن الإسلام أن الخير هو المقام الأصلي للفطرة الإنسانية، ولكن الشيطان يُزلّ قدمَه من الخير إلى الشر.وفي قوله تعالى بصوتك إشارة إلى أن بعض الطبائع البشرية تبلغ من الضعف بحيث تصاب بالهلع بمجرد سماع التهديدات، أو تنتابها الشبهات بسماع الاعتراضات. إنها لا تملك الشجاعةَ للصمود ولا الهمةَ للتحقيق. لقد نبّهنا الله تعالى هنا إلى أنواع مختلفة لهجمات الشيطان. فهناك من يهدّده الشيطان لينضمّ إليه.. بمعنى أن أصحاب الطبائع الشيطانية يهدّدون فقراء الناس وضعفاءهم ليمنعوهم من الانضمام إلى جماعة الأنبياء. وهناك من يمنعه الشيطان من الخير بالاستعانة بمُشاته وفرسانه.. بمعنى أن هؤلاء الأشرار يعرّضون الناس لصنوف الأذى والتعذيب. وهناك من يدمّرهم الشيطان عن طريق التقاليد الفارغة والصُحبة الفاسدة. وهناك مَن يُغريهم الشيطان بالمال والثراء ليمنعهم من قبول الحق. ولكن الذين في قلوبهم الإيمان لا يذعنون لإغراء الشيطان أو تهديده، وإنما يذعن له الذين في قلوبهم مرض.وأما قوله تعالى وشَارِكْهم في الأموال والأولاد فمعناه أن أعوان الشيطان يجمعون كل قوة، حيث يتحزبون ضد الأنبياء، كما يجمعون أموالهم وأولادهم لشنّ هجومٍ موحَّد عليهم. لو تَدبّرنا هذه المكائد الشيطانية لوجدنا أن أئمة الكفر يلجأون إلى ثلاثة أنواع من الحيل ضد رسلهم. فيستخدمون ضد الضعفاء سلاح التهديد والتخويف. وأما الذين هم مِثلُهم في القوة فيسعون لضمّهم إلى صفوفهم على مبدأ اتحاد القوم والعشيرة. وأما الذين هم أكثر منهم قوةً فيحاولون إغراءهم بالغنيمة أو الزعامة. وفي تاريخ الأنبياء أمثلة كثيرة لتضليلهم لهذه الفئات الثلاث باستخدام هذه الحيل الثلاث، وتبلغ هذه الأمثلة من الكثرة والتواتر بحيث لا داعي لكتابة المزيد في هذا المجال.

أي أن الإنسان يقع فريسة لهجمات الشيطان إذا كان ضعيفًا في الروحانية، ولكنه إذا تقوّى روحانيًّا تولدت فيه الشجاعة، فلم يكترث للتهديد ولا الأذى ولا الإغراء. وتُعلّمنا هذه الآية سرَّ العصمة من هجمات الشيطان، ألا وهو أن يصير الإنسان عبدًا لله تعالى.. أي أن يُسلم نفسَه لله تعالى، ويتوكل عليه بدلاً من الاعتماد على كفاءاته وقواه؛ لأن من أصبح الله وكيلا له لا يستطيع الشيطان أن يضرّه شيئًا.

إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا (الإسراء: 66)

التفسير:

لقد صرّح الله تعالى هنا أن من يصبح عبدًا لله حقًّا لا يملك الشيطان أيَّ سلطة عليه، لأن الشيطان إنما أُعطيَ المهلةَ إلى يوم القيامة.. أي أن الإنسان يقع فريسة لهجمات الشيطان إذا كان ضعيفًا في الروحانية، ولكنه إذا تقوّى روحانيًّا تولدت فيه الشجاعة، فلم يكترث للتهديد ولا الأذى ولا الإغراء.وتُعلّمنا هذه الآية سرَّ العصمة من هجمات الشيطان، ألا وهو أن يصير الإنسان عبدًا لله تعالى.. أي أن يُسلم نفسَه لله تعالى، ويتوكل عليه بدلاً من الاعتماد على كفاءاته وقواه؛ لأن من أصبح الله وكيلا له لا يستطيع الشيطان أن يضرّه شيئًا.

رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (الإسراء: 67)

شرح الكلمات:

يُزجي: أزجاه إزجاء: بمعنى زجّاه، ومنه في القرآن: رَبُّكمُ الذي يُزجِي لكمُ الْفُلْكَ .. أي يُجريه ويسوقه (الأقرب).التفسير: أي لقد خلق الله تعالى النِعم الحقيقية، ولكن الناس لا يقدرونها حق قدرها. فمثلاً إنه تعالى لم يوفّر وسائل السفر والاتصال على الأرض فحسب، بل جعل أيضًا السفن للإبحار، وهكذا وسّع دائرةَ الاتصال بين الناس، وإلا لبقي أهل الجزر وسكان القارات يجهلون بعضهم بعضًا.ويتضمن هذا المثال – في رأيي – الإشارة إلى كون الإسلام دينًا عالميًّا، وأنه سيُكتب له الانتشار في العالم أجمع. ولما كان هذا الأمر منوطًا بالسفن التي يستحيل بدونها السفر في البحار، لذا ذكر هنا نعمةَ البحار والسفن على وجه الخصوص، إشارةً إلى أن هذه النعمة سوف ينالها المسلمون بكثرة. مما لا شك فيه أن المسلمين ضعفاء في هذا المجال في العصر الحاضر، ولكن قد أتى عليهم حين من الدهر كانت سفنهم فيه تمخر عباب المحيطات في العالم كله. وكل الخرائط والطرق البحرية الموجودة قد وضعها المسلمون. والحق أن الرحلات البحرية الأوروبية إلى الهند مرهونة بفضل أحد البحّارة المسلمين العرب الذي وجد بعض السفن البرتغالية وقد ضلّت طريقها، فأوصلها إلى الهند آخذًا بها حول القارة الأفريقية. (Arabian Students, vol. 1 p. 86 – 93)