حَقٌّ لِلْعَالَمِ كُلِّهِ أَنْ يَفْرَحَ بِمَجِيءِ المُخَلِّصِ

التحرير

  • تفشي الجاهلية في العالم كله قبل مولد المصطفى ومبعثه .
  • كيف ينبغي أن نحتفل بمولده وبعثته ؟
  • من يسيء اليوم إلى النبي؟ وكيف تصدر الإساءة؟

من يُسلَب حُريتهم حينا من الزمان يقبعون في غياهب السجون يرسفون في القيود والأغلال، لا جَرَمَ أنهم يتهللون فرحا بقرب موعد فك قيودهم، ومن ثَمَّ إطلاق سراحهم المنشود، وكلما اقترب أكثر ذلك الموعد المرتجى، انفرجت الثغور ابتساما وازدادت النفوس انتشاء.
وكمسلمين أحمديين، لا نشك أبدا في أن الأرض بأسرها قبيل مولد خير الورى كانت ممتسحة بكآبة ذلك الملقى في غيهب مظلم بارد لا يدري متى ترى عيناه ضوء النهار، بل ويتفق معنا على هذه الحقيقة كل منصف من غير المسلمين، بل وحتى طائفة من المتعصبين الموغلين في العداء لدين الإسلام ونبيه العظيم . نعم، فالجاهلية لم تكن مقصورة على بلاد العرب قبل مبعث النبي الخاتم ، بل كانت حالة عامة لم تكد تُستثنى منها بقعة من بقاع الأرض الواسعة.
فنجد المؤرخ الفرنسي «جوزيف رينو» في كتابه «الفتوحات الإسلامية في فرنسا وإيطاليا وسويسرا في القرن الثامن والتاسع والعاشر الميلادي» يدلف إلى وصف حال أوروبا طول فترة العصور الوسطى، فيقول: «طفحت أوربا في ذلك الزمان بالعيوب والآثام، وخلت من النظافة والعناية بالإنسان والمكان، وضجت بالجهل والفوضى والتأخر، وفشا فيها الظلم والاضطهاد، وشاعت فيها الأمية».
إذا فحتى أكثر بقاع الأرض تقدما دنيويا اليوم كانت غارقة في مستنقع الجاهلية الموحل وقتذاك، وليست أوروبا فحسب، بل بلاد الفرس أيضا، وبلاد الهند وغيرها. فلم تُكتب للعالم وثيقة إطلاق سراحه من سجن الجاهلية المقيت إلا بمولد خير الأنام والمدافع عن خلق الله تعالى، ثم مبعث ذلك المولود السعيد نفسه بعد 40 عاما من تقديم شهادات الصدق والخُلُق القويم ودلائل الرأفة والرحمة بخليقة الله بشكل عام.
إن مولد طفل ما، أيا كان، لهو حدث يَسُرُّ أهله في كل حال، فماذا لو كان ذلك الوليد فذًّا عظيم الشأن عالي المقام؟! لا شك أن هذا المولد لهو مدعاة فرح الوجود الروحاني بأجمعه، والذي أخذ يتزين ابتهاجا وحبورا بقرب تحقق النبأ السار، ووقوع الحدث السعيد.

فلم تُكتب للعالم وثيقة إطلاق سراحه من سجن الجاهلية المقيت إلا بمولد خير الأنام والمدافع عن خلق الله تعالى، ثم مبعث ذلك المولود السعيد نفسه بعد 40 عاما من تقديم شهادات الصدق والخُلُق القويم ودلائل الرأفة والرحمة بخليقة الله بشكل عام.

أما فيما يتعلق بالاحتفال بمولد أي إنسان بشكل عام، وبالشكل الشائع في هذه الأيام، فهو من قبيل اللغو الذي لا طائل من ورائه، فلا يُدرى بم يُحتَفَل؟! أبعام ضاع ومضى؟! أم بعام دخل؟! فلا نقول أنها محرَّمة، ما لم تنطو على ممارسات محظورة أصلا، ولكن نقول أنها أمور لاغية تنافي الحكمة الجديرة بكل عاقل. والحال نفسها بالنسبة إلى ذكرى ميلاد العظماء، وعلى رأسهم حضرة سيدنا محمد النبي الخاتم والذي تحولت ذكرى ميلاده في بعض ديار المسلمين بكل أسف إلى موسم لتجارة الحلوى وحفلات، ولدى آخرين تحولت هذه الذكرى العطرة إلى نادٍ يُساء فيه إلى ذلك النبي العظيم من خلال تصرفات مشينة، وحاشاه، كما يفعل على مدار العام من يطلقون على أنفسهم «جمعية تحفظ ختم النبوة» أو «لبيك يا رسول الله»، فلا تكاد ترى من يحتفي بهذه الذكرى العظيمة بإراءة جلال صاحبها وجمال تعاليمه، غير الجماعة الإسلامية الأحمدية التي هي البعثة الثانية للإسلام.
وفي عدد مجلة التقوى لهذا الشهر تعكس دُرَّة العدد ممثلة في خطبة حضرة الخليفة الخامس أيده الله تعالى بنصره العزيز شعاعا من نور أسوة النبي الخاتم ليتبين للقارئ كيف أن مسلمي اليوم يخالفون جهارا نهارا تلك الأسوة الحسنة وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا. كما يطالع القارئ الكريم مادة مقالية ثرية عن هذا الموضوع الرئيس في هذا الشهر، أحد هذه المقالات يقدم صورة من صور إحسان حضرة سيدنا محمد نبي السلام إلى البشرية بأسرها، حين رعى توقيع وثيقة الصلح ومعاهدة السلام التاريخية بين المعرفة الدينية والعلوم الدنيوية. والمقال الآخر يلقي الضوء على نبوءات عن بعثة خاتم النبيين، والمتناثرة هنا وهناك في صفحات الكتاب المقدس. هذا بالإضافة إلى نخبة من المواضيع الأخرى ضمن الأبواب الثابتة والحلقات الشهرية المسلسلة. ندعو الله تعالى أن يجعل كل كلمة سُطرت في هذا العدد وكل عدد خالصة لوجهه الكريم، وأن يرينا ثمارها اليانعة بفضله وجوده، آمين.