• كيف يكون العذاب العالمي تمهيدًا لتبليغ رسالة الإسلام؟
  • ما هي الشجرة الملعونة؟
  • استكبار يحول بين العبد والإيمان.

وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا (61)

شرح الكلمات:

أحاط: أحاطَ بالأمر: أحدقَ به من جوانبه. أُحيطَ به: دنا هلاكُه (الأقرب).فِتنة: مصدرُ فَتَنَ؛ الخِبرةُ والابتلاءُ؛ الضلالُ والإثم والكفر؛ الفضيحةُ؛ العذابُ؛ المرضُ؛ العِبَرُ؛ اختلافُ الناس في الآراء وما يقع بينهم من القتال (الأقرب).طغيانًا: طغَى يطغِي وطغِيَ يطغَى: جاوَز القدرَ والحدَّ. طغَى فلان: أَسرفَ في المعاصي والظلم (الأقرب).

التفسير:

لقد سبق أن أوضحنا أن الإحاطة تعني احتواء الشيء وحصر جميع أجزائه، كما تعني أيضًا العذاب التام، لأنه إذا تمّتْ محاصرةُ قوم محاصرةً تامةً فلا مفرَّ لهم. أما هنا فينطبق معنى المحاصرة، والمراد: تَذَكَّرْ، يا محمد، ذلك الوقت حين قلنا لك إننا نريد محاصرةَ أهل الدنيا كلها، وضَمَّهم في دائرة واحدة. وهذه الآية تشير إلى الآية الأولى من هذه السورة أعني إلى مضمون الكَشْفِ النبوي الذي يسمى الإسراء، حيث رأى النبي أنه قد صلّى بالأنبياء أجمعين، وكان تعبيره أن أمم جميع الأنبياء ستدخل في دينه . وقد أُشير إلى موضوع الإسراء هنا مرة أخرى لأن الآيات السابقة نبّأت عن نـزول العذاب على الدنيا كلها، فقد بيّن الله تعالى الآن الغايةَ من هذا العذاب، وقال: نستهدف بهذا العذاب تحقيقَ الكشف الذي أريناك في شكل الإسراء، وتحقيقَ نبأِ دخولِ أتباع الأنبياء كلِّهم في حظيرة الإسلام؛ لأن هذا العذاب العالمي سوف يمهّد لتبليغ رسالة الإسلام، حيث ترجع كافّة الشعوب إلى الدين بعد أن تكون قد يئست من المادية، وعندها سيفتح الله بفضله ورحمته قلوبَها لقبول الحق، فتجتمع تحت راية محمد رسول الله . وقد بدأت آثار العذاب الموعود تظهر الآن في العالم، لتُفسح الطريق لانتشار الإسلام على نطاق واسع بإذن الله تعالى.وقد زاد الله تعالى الأمرَ إيضاحًا في باقي الآية حيث قال وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنةً للناس .. أي أنه كان بإمكاننا أن ندلي بهذا النبأ بألفاظ صريحة واضحة، ولكننا ذكرناه – اختبارًا للقوم – بلغة المجاز والتمثيل على شكل بعض المشاهد، لكي يؤمن به بعد سماعه مَن يحمل صفات كصفات أبي بكر، ويعترضَ عليه مَن خلا قلبُه من تقوى الله تعالى.تؤكد هذه الآية أن الآياتِ الإلهيةَ تحمل جانبًا من الاختبار والامتحان، ورغم هذه الحقيقة الناصعة يزعم حتى المسلمون اليوم أن أنباء الله يجب أن تكون واضحةً جليّةً بحيث لا يسع حتى لأكبر غبي في العالم إنكارها، وإلا فلا يمكن اعتبارها نبوءاتٍ صادقةً.وأما قوله تعالى والشجرةَ الملعونة في القرآن فيعني أننا كما جعلنا الرؤيا التي أريناكها امتحاناً للناس كذلك قد جعلنا الشجرةَ التي وصفها القرآن بكونها ملعونةً أيضًا لاختبار الناس. ما هي تلك الشجرة الملعونة؟ لقد اختلف المفسرون في معناها كثيرًا؛ فقال بعضهم إنها شجرة الزقّوم المذكورة في القرآن الكريم في ثلاثة مواضع هي: سورة الواقعة الآية 53 وسورة الصافات الآية 63 وسورة الدخان الآية 44. (الكشاف، والرازي، وابن كثير).

وهذه الآية تشير إلى الآية الأولى من هذه السورة أعني إلى مضمون الكَشْفِ النبوي الذي يسمى الإسراء، حيث رأى النبي أنه قد صلّى بالأنبياء أجمعين، وكان تعبيره أن أمم جميع الأنبياء ستدخل في دينه .

ويقول هؤلاء المفسرون أن القرآن الكريم لما أخبر أن طعام أهل الجحيم الزقوم بدأ الكفار يستهزؤون بالنبي لأن الزقوم هو التمر والزبد بلغة اليمن، فقالوا ساخرين: إن الزقوم من أجود الثمار، فما نبغي غير ذلك؟ واستدل المفسرون على صحة قولهم بكون الزقوم قد وُصفت – مثل الشجرة الملعونة – بالفتنة في قول الله تعالى إنا جعلناها فتنةً للظالمين (الصافات: 64).ولكن واجهتهم مشكلة أخرى هي أن الزقوم لم توصف في أي موضع في القرآن بكونها ملعونةً! فأجابوا على ذلك أن القرآن يعلن أن الزقوم يوجد في الجحيم، والبديهي أن كل شيء فيها ملعون، لأنها موضع غضب الله تعالى.ثم أثار هؤلاء بأنفسهم اعتراضًا على تأويلهم هذا قائلين: كيف تصبح الشجرة ملعونةً، لأن الملعون هو الكائن العاصي، ولكن الشجرة ليست من ذوات الأرواح؟ فأجابوا على ذلك بقولهم: سمِّيت ملعونةً لكون آكليها ملعونين. بينما قال الآخرون: أن الشجرة المشار إليها هي نبات «الكشوث» الذي يتلوى بالأشجار فيقتلها (فتح البيان). علمًا أن الكشوث في الحقيقة اسم لبذور نبات يسمى أفتيمون، له خيوط صفراء تلتفّ حول أغصان الأشجار وتمتص رحيقها حتى تأخذ في الجفاف. والنوع الموجود منه في الهند يسمى أكاسبيل أو أمربيل أو أمرلته، ويسمى في البنجاب كوريبيل أي النبات المرّ، ومنه قولهم: أنبتك الله نباتَ كوريبيل: أي أن تنمو سريعًا، وتقتل أعداءك كما يقتل هذا النبات الأشجارَ. ولكن ليس في القرآن ما يدعم هذا التأويل حتى ولا بدرجة الزقوم.ورُويَ عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت لمروان بن الحكم: سمعتُ رسول الله يقول لأبيك وجدِّك: إنكم الشجرة الملعونة في القرآن (الدر المنثور). وقال بعضهم: إنها الشجرة الخبيثة التي مَرَّ ذكرُها في سورة إبراهيم (روح المعاني). وكنت أنا أيضًا أفسّر الشجرةَ الملعونة بأنها الشجرة الخبيثة، لأن كل ما سواه من المفاهيم المذكورة آنفًا تتماشى مع باقي ألفاظ هذه الآية. فكنت أقول: الخبيث من الأشياء ما لا خير فيه، ويقول القرآن الكريم عما لا خير فيه: فأما الزبدُ فيذهبُ جُفاءً (الرعد: 18).. أي أن الشيء الرديء يُرمى بعيدًا مثل الزَبَد، واللعنة أيضًا تعني الإبعاد، فما يذهب جفاءً يمكن أن نسمّيه ملعونًا كذلك. ولكني حين جلستُ لتسجيل هذه الملحوظات التفسيرية كشف الله عليّ مفهومًا آخر، وها إني أذكره هنا، لأن هذا المفهوم يبدو أوثقَ صلةً بسياق الآية.لاستيعاب هذا المفهوم يجب فهمُ معاني الشجرة جيدًا. فبالإضافة إلى معناها المعروف قد ورد في القواميس: «شجرةُ النسب ما يُبتدأ فيها من الجد الأعلى إلى أولاده ثم إلى أولادهم، وهَلُمَّ جرًّا (الأقرب).وبالنظر إلى هذا المفهوم يمكن أن تعني «الشجرة الملعونة» أسرةً ما زالت أو ستَظلّ عرضةً للعنة الله تعالى لأجيال عديدة. وهذا المعنى تدعمها الروايةُ التي سجّلتُها من قبل والتي تُنسب إلى السيدة عائشة رضي الله عنها. وبالرغم أن هذه الرواية باطلة عندي، ولكننا يمكننا الاستناد إليها لفهم هذا التعبير العربي، لأن الذين روَوا هذه الرواية والذين سجّلوها في كتب الحديث عربٌ يفهمون التعابير العربية دونما شك.بعد هذا الشرح والتمهيد تعالوا نَرَ معًا هل كان القرآن الكريم يتحدث عن أسرة ضُربت عليها اللعنة من عند الله تعالى لأجيال وأجيال؟ فإذا وجدنا في القرآن أسرة كهذه فهي الشجرة الملعونة. وبالفعل تدلّنا دراسة القرآن على أسرة أو أمةٍ ضرَب الله عليها اللعنة لمدة طويلة، وقد سجّل القرآن هذا الأمر في أماكن عديدة نذكر بعضَها فيما يلي:1- لُعِنَ الذين كفَروا مِن بني إسرائيلَ على لِسانِ داودَ وعيسى ابنِ مريمَ (المائدة: 79)2- يا أيها الذين أُوتُوا الكتابَ آمِنوا بما نـزَّلْنا مصـدِّقًا لِمَا معكم مِن قبلِ أن نَطمِسَ وُجُوهًا فنَرُدَّها على أدبارِها أو نَلعَنَهم كما لَعَنَّا أصحابَ السَّبْت (النساء: 48)3- كذلك قال الله تعالى عن اليهود فبِما نَقْضِهم ميثاقَهم لَعَنَّاهم (المائدة: 14).. أي كنّا أخذنا من اليهود وعدهم أنهم سيصدّقون النبي الموعود أي محمدًا رسول الله عند ظهوره، ولكنهم لم يُوفُوا بوعدهم هذا فلَعَنَّاهم.4- وقال الله لليهود أنتم: مَن لَعَنَه اللهُ وغَضِبَ عليه وجَعَلَ منهم القردةَ والخنازيرَ (المائدة: 61).5- ثم قال بعد آيات: وقالتِ اليهودُ يَدُ اللَّهِ مغلولةٌ غُلَّتْ أَيديهم ولُعِنُوا بِما قالُوا (المائدة: 65).. أي بسبب أحكام الزكاة والتبرعات وغيرها يسخر اليهود من المسلمين قائلين: لا يعطيهم الله الأموال، لأن يده مغلولة مقيَّدة. وبسبب قولهم الوقح هذا قرّر الله تعالى أن يصابوا بمرض البخل وحب المال واللعنة.فثبت من هذه الأدلة أن بني إسرائيل، الذين كانوا من نسل واحد، قد تعرَّضوا للعنة الإلهية على التوالي، كما لعنهم القرآن الكريم أيضًا، وقال: لا أمن لهذه الأمة أبدًا إلا بطريقين اثنين فقط: إما أن تلوذ بشعوب قوية أخرى، أو تصير مسلمةً. فأرى أن بني إسرائيل هم الشجرة الملعونة المشار إليها هنا. ذلك أن هذه السورة تتحدث عن هذه الأمة خاصة، حتى إن الرسول سمّى هذه السورة «بني إسرائيل» أيضًا (ابن ماجة: إقامة الصلاة، باب عدد سجود القرآن).

أما صلة هذه الآية بما قبلها فهي كالآتي: لقد أخبر الله تعالى من قبل عن وقوع عذاب عالمي هائل، وقد بيّن في هذه الآية أن هذا العذاب العالمي نتيجة طبيعية لرؤيا الإسراء، لأن غلبة الإسلام منوطة بذلك العذاب، حيث قدّر الله تعالى انتشار الإسلام بعده انتشارًا عالميًّا واسعًا.

ثم إن الآية التي نحن بصدد تفسيرها أيضًا تتحدث عن بني إسرائيل، حيث تشير إلى إسراء الرسول الذي رأى فيه أنه في مركزهم، وأنه يصلى هناك بالناس. كما توضح هذه الآية أنه كما كانت رؤيا الإسراء اختبارًا للناس، كذلك كان بنو إسرائيل المذكورون في هذه الرؤيا فتنة لهم أيضا.. بمعنى أنهم سيظلون يعارضون الإسلام بلا مبرر. وبالفعل ترون أنه بالرغم من أن اليهود يتمتعون بالأمن في البلاد الإسلامية أكثر من أي بلد آخر، فإنهم لا ينفكّون يعادون الإسلام، من دون أن يدركوا أن الإسلام هو الملاذ الوحيد لهم، وإلا فلن يزالوا هدفًا لمظالم الدنيا. ولذلك قال الله تعالى في آخر الآية إننا ما زلنا نحذّر هذا الشعب مرارا وتكرارا من المصير الذي ينتظرهم، ولكن لا يزيدهم ذلك إلا طغيانًا وعدوانًا. أما صلة هذه الآية بما قبلها فهي كالآتي: لقد أخبر الله تعالى من قبل عن وقوع عذاب عالمي هائل، وقد بيّن في هذه الآية أن هذا العذاب العالمي نتيجة طبيعية لرؤيا الإسراء، لأن غلبة الإسلام منوطة بذلك العذاب، حيث قدّر الله تعالى انتشار الإسلام بعده انتشارًا عالميًّا واسعًا.وقد ذكر اليهودَ مباشرةً لينبّه أن هذا الشعب أيضًا فتنة، بمعنى أن هذا الشعب الشرير الفتّان سوف يوقظ الفتنة الثانية. وبالفعل لم تنشب الحرب العالمية الأولى ولا الحالية إلا بسبب اليهود. ففي الحرب الأولى عمل اليهود ضد ألمانيا بخطة منظَّمة، فكان أن بدأ الألمان يصبوّن عليهم العذاب انتقامًا؛ فاستغل اليهود هذا الأمر، وقاموا بالدعايات الواسعة حتى نشبت الحرب الحالية. واليهود أكبر المسؤولين عن الانقلاب الحاصل في روسيا، والذي هو جزء من هذا العذاب نفسه؛ لأن عددًا من الزعماء الروس الكبار هم من نسل يهودي. لقد سبق أن نشرتْ بعض الجرائد قبل الحرب العالمية الأولى وثائق يهوديةً سريةً تكشف عن مؤامرة اليهود لإشعال حرب عظيمة يمهّدون بها للعودة إلى فلسطين، ولقد أكدت الأحداث ما ذكرته الجرائد. ولكن القرآن الكريم يخبرنا أن استيلاءهم على فلسطين أمر مؤقت، ولا يمكن أن يدوم طويلا، لأن الله تعالى قد كتبها للمسلمين للأبد.

وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا (62)

شرح الكلمات:

لآدمَ: لِلامِ الجارةِ اثنان وعشرون معنى منها المعيّة، قال الشاعر:فلما تَفرّقْنا كأني ومالِكا لِطُولِ اجتماعٍ لم نَبِتْ ليلةً معا

(مغني اللبيب، حرف اللام). فاللام في (لِطُول) جاءت بمعنى «مع». فقوله تعالى اسجدوا لآدم يعني: اسجُدوا مع آدم.إبليس: راجِعْ شرح الآية رقم 32 من سورة الحجر.الطين: ترابٌ أو رَمْلٌ وكِلْسٌ يُجعَل بالماء ويُطلَى به (الأقرب).

التفسير:

تتحدث الآيات السابقة عن طغيان اليهود وتمردهم، وتوضيحا للموضوع نفسه ذكر الله هنا قصةَ آدم على سبيل التمثيل، ليخبر أن الأنبياء ما زالوا هدفًا للمعارضة في كل عصر. فهذا آدم أبو البشر الذي كان أول نبي أيضًا قد عاداه أحدُ الأبالسة زاعمًا: أنا خير منه، فكيف أطيعه. واليهود أنفسهم واقعون في الاختبار نفسه، حيث يرون أنهم خير من محمد رسول الله وقومه، وذلك لاعتقادهم الراسخ أن بني إسحاق قد احتكروا جميع البركات الإبراهيمية، وأن بني إسماعيل محرومون من هذا الإرث الإبراهيمي الروحاني. فهذا هو الاستكبار الذي سيحول دون إيمانهم.