المَجِيءُ الثَّانِي لِلْمَسِيحِ بِالتَّزَامُنِ مَعَ الشَّرِكَةِ التِي غَيَّرَت العَالَمَ

محمد مصطفى

كاتب
  • الفهم العقلاني لبُشرى عودة المسيح بحسب العهد الجديد
  • إضاءات على نبوءة عودة المسيح في مثيل آخر
  • دحض العودة في حال ألوهية جلالية الشكل
  • مواعيد زمنية وعلامات جغرافية للمجيء الثاني
  • حركة الكشوف الجغرافية وشركات الهند الشرقية الأوربية علامة
  • تحقق مجيء الموعود وتحقق الوعود

الفهم العقلاني لبُشرى عودة المسيح بحسب العهد الجديد

طَرحت إحدى صفحات التنصير المسيحية عبر أحد مواقع التواصل الاجتماعي سؤالًا تبشيريًا عن عودة السيد المسيح إلى الدنيا ثانية وصاغته هكذا: «هل تعلم أن يسوع المسيح سيأتي ثانيةً؟» وكان ذلك ربما لتكون الإجابة تقريرية بـ «نعم» بناء على الإيمان المتوارث فينتشر التقرير بالإيجاب بحسب المعتقد المسيحي ويسود على ما سواه؛ أو لتكون الإجابة استفهامية تعجبية ب «كيف؟!» انطلاقا من غرابة الموضوع وعدم منطقيته في عصرٍ أصبح كل ما هو ديني مُقدس يخالف العقل صراحةً وليس له سبيل إلى التبرير المنطقي وصار لا يعول عليه. فلا بد والحال هكذا أن يكون الجواب مُتحليًا بسمات العقيدة الإسلامية السوية والمنزهة عن الخرافة، ويكون مدعوما مع ذلك بنصوص كتاب المسيحيين المقدس، فكان كالتالي: نعم، أعلم أن المسيح يأتي ثانيةً؛ ولكن مجيئه هذا يكون مُمثلًا في شخص آخر غير ذلك المسيح الناصري المعروف الذي أُرسل في بني إسرائيل. ولقد بيّنَتْ نصوص الكتاب المقدس بالأدلة الواضحة المباشرة والمُركبة على ذلك، بما لا يدع مجالًا للشك حوله.

فإذا كان الله سبحانه قد تجسد في المسيح (بمصطلح المسيحيين) أي تجلى في شخص يسوع المسيح، الذي قد مات في الجسد ولكنه حي بالروح، كما صرّح بذلك القديس بطرس في إحدى رسائله، وهو أهم تلامذة السيد المسيح حيث قال: «فإن المسيح أيضًا تألم مرة واحدة من أجل الخطايا، البار من أجل الأثمةِ، لكي يقربنا إلى الله، مُماتًا في الجسد ولكن مُحيًى في الروح»(1)، فهذا يعني أن الله عز وجل حين يأتي في الزمن الأخير ليدين العالم فسوف يصطفي جسدًا مُقدسًا آخر غير جسد السيد المسيح يسوع الناصري الذي مات سلفًا؛ لأنه، بحسب بولس في رسالته إلى العبرانيين، كان على الناس أن يموتوا مرة واحدة فحسب! حيث قال: «وكما وضع للناس أن يموتوا مرة ثم بعد ذلك الدينونة (أي القيامة بمصطلح المسلمين)، هكذا المسيح أيضًا، بعدما قُدِّم لكي يحمل خطايا كثيرين، سيظهر ثانية (يعني في شخص آخر) بلا خطية للخلاص للذين ينتظرونه»(2).

إضاءات على النبوءة السابقة

ومن هذا الكلام السابق والواضح والمباشر فإذا أردنا أن نُثبت فشل ادعاءات التجسد لله سبحانه وتعالى، والتأله المنسوب إلى المسيح، لوجدنا ما ينفي ذلك، فإن الجسد المُمات الذي لن يعود ثانية ولا يحق له أن يعود (بحسب نصوص العهد الجديد سالفة الذكر) لا يمكن تسميته جسدًا ألوهيًا، وإذا كان المسيحيون يتغنون دائمًا بضرورة موت ابن الله المتجسد لتتحقق بناء عليه الكفارة ويتم الفداء، فإن استحالة العودة المشار إليها هنا لهذا الجسد المُمات تنفي عنه الألوهة تمامًا وتضعه في مصاف المُصطفين الأخيار الذين تجلت وانعكست في صفاتهم صفات الله خالقهم كما تتجلى على آخرين. وبناء على ذلك الموت البشري والمحال العودة لأحدٍ بعده، فكان على الله الصادق والموفِ بوعده أن يُتم ما بَشّر به، أي عودة المسيح، ولكن هذا لا يحدث بالمخالفة مع ما أقره الله جل شأنه منذ قليل، وإلا لأصبح متضارب الأقوال والأفعال سبحانه.. إنما يحدث ذلك بحسب سنة الله القديمة والسارية في الخلق، أي ببعث الأنبياء المعصومين الذين لا يتفوهون إلا بما أمر الله به ولا يفعلون إلا ما يرضيه عز وجل وعلى أيديهم يكون الإصلاح.وفي حالة المسيح الموعود وبمجيئه في الزمن الأخير وكونه شخصًا آخر غير المسيح الناصري، فهو مسيح أيضًا لأن الله مسحه أي أعطاه الإذن واختاره وأقامه لتنفيذ مقاصده من القوم(3). ولأن الله وعد بعودة المسيح فلا بد في الآتي أن يكون مسيحًا بنفس المواصفات الإصلاحية التي كان يتحلى بها المبعوث الأول أي الناصري الذي أتى عليه الموت، ذلك إيفاءً للوعد الإلهي بما لا يجعل للخرافة محلا.

عودة في هيئة جلالية

ولمواجهة هذه التصاريح الكتابية لأناس مقدسين لدى إخوتنا المسيحيين فلا يُنتظر من معظمهم بدايةً قبولهم إياها من فورهم، رغم وضوحها، فطبيعة النفس البشرية عمومًا تميل إلى الاعتراض.. لذا يُهرعون في مثل هذه الحال إلى سفر الرؤيا الذي كتبه يوحنا اللاهوتي، وهو آخر أسفار الكتاب المقدس، للخروج من مثل هذا المأزق المذكور في متن العهد الجديد بتصريح من أكابر التلاميذ، أي القديس بطرس؛ وأهم شخصية في التاريخ المسيحي فيما بعد وأعلاهم درجة عند المسيحيين الآن أي بولس. فنراهم يصورون المجيء الآخر للمسيح بأنه سيكون في شكله الألوهي الجلالي بحسب ما قدّمه سفر الرؤيا إذ يذكر الرائي «فالتفتُّ لأنظر الصوت الذي تكلم معي. ولما التفتُّ رأيت سبع مناير من ذهب، وفي وسط السبع المناير شبه ابن إنسان، متسربلًا بثوب إلى الرجلين، ومتمنطقًا عند ثدييه بمنطقة من ذهب. وأما رأسه وشعره فأبيضان كالصوف الأبيض كالثلج، وعيناه كلهيب نار. ورجلاه شبه النحاس النقي، كأنهما محميتان في أتون. وصوته كصوت مياه كثيرة. ومعه في يده اليمنى سبعة كواكب، وسيف ماضٍ ذو حدين يخرج من فمه، ووجهه كالشمس وهي تضيء في قوتها. فلما رأيته سقطت عند رجليه كميت، فوضع يده اليمنى عليَّ قائلًا لي: «لاتخف، أنا هو الأول والآخر، والحي. وكنت ميتًا، وها أنا حي إلى أبد الآبدين»(4)، وهذا كما هو واضح كلام راءٍ في رؤيا منامية، ونحن لا نُكذّبه إلا أنه لا يؤخذ كذلك بحرفيته بل يؤول ويُفسر، ففي المسيحية الرؤيا ضرب من ضروب الحلم تُفسر بما يقبله العقل الواعي في الواقع، بعيدًا عن التصور الخرافي -الذي قد تُرى به- في تحققها. والحلم والرؤيا في المسيحية هما وسيلة لتبليغ رسالة من الله وإعلان كلمته ومشيئته لعبيده.(5) فمهما كانت صورة الرؤيا، سواء كانت متحركة كرؤية يعقوب للسلم المنصوب على الأرض ورأسه يمس السماء وملائكة الله صاعدة ونازلة عليه.(6)، أو ساكنة كرؤية عاموس لسلة القطاف.(7) فإنها في جميع الحالات كانت لتبليغ رسالة من الله (8)، وكما رؤيا يوسف للكواكب والشمس والقمر فأوّلها يعقوب أبيه بما يناسب الفهم الطبيعي للبشر ولم يشطط.ومع وجوب تأويل ما يُرى من الأحلام والرؤى بما لا يناقض المنطق والتصورات المقبولة، فعلى المسيحيين أن لا يغفلوا عن قاعدة كتابية هامة تفيد استحالة رؤية البشر لله تمامًا كما قيل عنه تعالى تأكيدًا: «ساكنًا في نور لا يُدنى منه، الذي لم يره أحد من الناس ولا يقدر أن يراه»(9).

وبذلك نكون أمام متلازمة وجوب مجيء المسيح في شخص مثيل للذي مات سلفًا وبأمر من الله الذي لا يُرى أبدًا؛ فصار لزامًا علينا خاصة مع تحقق الظروف وحلول المواعيد والعلامات المؤذنه بمجيء المسيح أن نبحث، إذ قد حدث كل ما أخبر عنه المسيح وأنذر، وقد أورقت أغصان التينة وحل فصل الصيف وأحرق المسكونة كما سنرى، أفلا من مُخلّص؟!

مواعيد زمنية وعلامات جغرافية

لم يترك السيد المسيح الناصري اتباعه دون أن يُحدد لهم علامة زمن المجيء الثاني ومكانه عبر نبوءات أصبحت جلية الآن بعد وقوعها وتحققها. فقد ذكر فيما ذكر من علامات حول ذلك أمرعظيم الشأن إذ قال: «ها أنا أنذركم. فإن قالوا لكم: ها هو في البرية! فلا تخرجوا إلى هناك، أو ها هو في داخل البيوت! فلا تصدقوا، لأن مجيء ابن الإنسان يكون مثل البرق الذي يلمع من المشرق ويضيء في المغرب. وحيث تكون الجيفة تجتمع النسور»(10). فياله من تحديد جغرافي وزمني ممتاز للمتفحصين! لقد بين السيد المسيح الناصري أن مجيء مسيح آخر الزمان «الموعود» سيكون كبروز ليس له نظير في وقته، يلمع كالبرق، ويظهر في أرض الشرق، ويمتد أثر نوره حتى أقاصي الأرض من الجهة الأخرى منها، فإذا كان قائل هذا الكلام هو المسيح الناصري وفي وطنه فلسطين، فلا بُد أن يُفهم قوله: «من المشرق ويضيء في المغرب» بأنه سيظهر بارزًا لامعًا كالبرق في الناحية الشرقية من خريطة العالم، ويُسمع ويرى أثره في الغرب منها. فها قد حدد السيد المسيح الناصري النطاق الجغرافي العام لمجيئ المسيح الموعود، ثم نجده ضيَّقَ هذا النطاق أكثر بذكر علامة فيها ما يلبي ذلك الغرض فقال: «وحيث تكون الجيفة تجتمع النسور» وهي علامة عظيمة الشأن تجمع بين تحديد الزمان وتأكيد المكان أيضًا.

وبيانه كالتالي:

حركة الكشوف الجغرافية وشركات الهند الشرقية الأوربية

لقد عرف التاريخ الحديث أول شكل من أشكال الاستغلال الرسمي المُنظم منذ أن بدأ ما يُسمى بحركة الكشوف الجغرافية والتي من خلالها نشطت الدول الأوربية تتسابق استعماريًا في استغلال الأراضي وما عليها من بشر وموارد في الجنوب والشرق من العالم ثم التحول غربًا، وقد بدا هذا الاستغلال في شكله التجاري أولًا بما عُرف بالشركات العابرة للقارات فصارت سمة العصر؛ فهي نتاج الكشوف الجغرافية المذكورة، فبرزت النسور التجارية المتحينة لكل فرصة للانقضاض على أي فريسة مكسورة أو جيفة هزيلة ملقاة لقنصها ونهشها.(11) وكانت هذه النسور التجارية ممثلة في شركات الهند الشرقية متعددة الجنسيات كالهولندية والدنماركية والبرتغالية والفرنسية والسويدية وأبرزها الإنجليزية التي تفوقت وهيمنت على الكل. ولا يغيبن عن الذهن أن الهند هي أقدم المستعمرات وأهمها على الإطلاق؛ فكانت جراء الصراعات التي خيضت من أجلها والشركات التي أقيمت حولها مصداقًا للنبوءة «حيثما تكون الجثة تجتمع النسور».

مجيء الموعود وتحقق الوعود

فلما كان ذلك التوافق الزماني والمكاني بناء على النبوءة، أصبح لزامًا على المهتمين أن يبحثوا، وعلى المتلهفين أن يشخصوا، وينصتوا لصوتٍ برز لامعًا في عين ذلك المكان، وفي خواتيم هذا الزمان وأخذ يقول ويصدح حتى سُمع مقاله في الغرب أقصى الأرض. وقد أخبر عمن أرسله «سأذيع اسمك إلى أطراف الأرضين بعزة، وأرفع ذكرك، وألقي محبتك في القلوب. «جعلناك المسيح ابن مريم»(12)، وقد وضح علة تطابق المسمى حضرة مرزا غلام أحمد بينه وبين المسيح الناصري فقال: «وكل هذه المفاسد ستنتشر في الدنيا في الجزء الأخير من الزمن الأخير بواسطة الديانة المسيحية. عندها تهيج روحانية المسيح بشدة متناهية وتقتضي نزولها بالجلال. فتنزل بصورة المثيل الجلالي وينتهي ذلك الزمن». (13)، كما أُخبر بإلهام ممن أرسله في هذه الحلة أيضًا «وما كان الله ليتركك حتى يميز الخبيث من الطيب. كُنتُ كنزًا مخفيًا فأردتُ أن أُعرف. أنت الواسطة بيني وبين الخلق، نفخت فيك روحي. نُصرت، ولات حين مناص. بالحق نزلت وتحققت بك أنباء الأنبياء».(14)، فلو تأملنا في هذا الإلهام الأخير لوجدناه مفسرًا منطقيًا للكلام الوارد في رؤيا يوحنا اللاهوتي القائل: «لاتخف، أنا هو الأول والآخر، والحي. وكنت ميتًا، وها أنا حي إلى أبد الآبدين! آمين» فهذا هو المسيح الموعود الذي بشّر بقدومه المسيح الناصري وحدد للمنتظرين مواعيده والعلامات -هذه بعضها- فتطابقت في شخصه الآيات والنبوءات.. من كان لديه أذنان للسمع فليسمع، وليخضع.

الهوامش:

1. رسالة القديس بطرس الأولى 3/ 18-192. الرسالة إلى العبرانيين 9/ 27-283. دائرة المعارف الكتابية ص130 مجلد7 تحت كلمة «مسيح»4. رؤيا يوحنا اللاهوتي 1/ 10ـ18

5. دائرة المعارف الكتابية، تحت كلمة حلم ج3، ص155 وتحت كلمة رؤية ج4، ص19، 20

6. تكوين 28: 18

7. عاموس

8: 18. المرجع السابق ص20

9. رسالة بولس إلى تيموثاوس 6/ 16

10. إنجيل متى24/ 25-28 الترجمة العربية المشتركة «الأخبار السارة»

11. كتاب «الشركة التي غيرت العالم»، نك روبينز، ترجمة كمال المصري

12. إلهام تلقاه حضرة مرزا غلام أحمد الإمام المهدي والمسيح الموعود عام 1891 وسجّله في كتاب إزالة الأوهام

13. مرآة كمالات الإسلام الطبعة الحديثة ص220،221

14. إلهام تلقاه حضرة مرزا غلام أحمد الإمام المهدي والمسيح الموعود عام 1897