العَدَالَةُ العَمْيَاءُ وَالعَدْلُ البَصِيرُ

التحرير

  • يغيب العدل عن المجتمع ككل لو غاب العدل عن التعامل بين الأفراد.
  • دمار القرى منذ القدم كان سببه غياب العدل.
  • يمكن للإنسان الكامل لهذا الزمن إنقاذ هذه القرية.

في الثقافة الغربية المعاصرة عادة ما توصف العدالة بالعمياء، تعبيرا عن تطبيق القانون بغض النظر عن أية اعتبارات أخرى من منصب أو جاه، أو غير ذلك، وعلى الرغم من تلك الصفة التي تبدو حميدة في الظاهر، إلا أن البشرية لم تسلم من ويلات الحروب التي منشؤها غياب تلك العدالة (العمياء). ولكن الأمر يختلف كلية إذا غيرنا زاوية النظر إليه. فمن المنظور الإسلامي الأحمدي، ندرك من صفات الله تعالى أنه الحكم العدل المقسط، وهو ذاته العليم الخبير البصير، وكان المفكرون والمستشرقون المنصفون يتغنون بتحقيق العدل في الحضارة الإسلامية في ظل تلك الصفات الحسنى. الوضع بات مختلفا الآن، ولعل لوصف العدالة بالعمياء في هذا العصر إشارة خفية أفدح مما نتصور، فحتى أشهر الثورات الحديثة والمنادية بالعدل والمساواة لم تتمكن من نشر عدلها المزعوم، فكان كما يقال في المثل الشعبي السائر: «حاميها حراميها».

ومن البديهي أن البذرة إذا ابتليت بآفة، فإن الشجرة تحمل تلك الآفة نفسها، وبذرة أي مجتمع ووحدته البنائية هي الأسرة، فإن غاب العدل عن التعامل بين أفرادها، فلا نستغرب غيابه عن المجتمع ككل، وبالتالي العالم أجمع. فالعدل هو الخيط الناظم لحبات عقد أي كيان إنساني، سواء تمثل هذا الكيان في الأسرة المحدودة العدد من الأفراد، أو في العائلة والعشيرة الكبيرة، أو في المجتمعات والدول كل على حدة، أو في العالم الإنساني كله.. وغياب ذلك الخيط الناظم، والمتمثل في العدل، يكون مؤداه انفراط حبات العقد وتناثرها.

ندعو الله تعالى أن يوفق خليفته الإنسان الكامل في هذا الزمان لإنقاذ هذه القرية الكونية من تبعات الظلم المتراكم على مدي قرون من غياب العدل، ذلك أن دمار القري والحواضر منذ القِدَم كان سببه الأول والأخير غياب العدل عن تعاملات أفرادها فيما بينهم، ومع الآخرين.

وفي عدد التقوى لهذا الشهر سيلحظ القارئ الكريم هذا الخيط الناظم لمواضيع العدد ومضامينه، بدءا من خطبة سيدنا أمير المؤمنين حضرة مرزا مسرور أحمد (أيده الله تعالى بنصره العزيز) التي يبين فيها حضرته أن علاج أمراض العالم الكبير يبدأ من علاج الأسرة الصغيرة، والقول بإرساء دعائم العدل العالمي على الرغم من انعدام ذلك العدل على مستوى الأسرة لهو محض عبث.

كذلك لا نبرح نطالع على صفحات مجلتنا هذا الشهر إشارات إلى العدل تلميحا أو تصريحا في أكثر من باب من أبوابها، ففي معرض تفسير حضرة المصلح الموعود   للقرآن الكريم وحديثه عن إفساد بني إسرائيل في الأرض مرتين، نكاد نرى أن هلاك الأمم يكون نتيجة للظلم، إذ يقول جل وعلا في محكم التنزيل:

وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ (القصص: 60).

ومرورا بأكثر من مقال متعلق قليلا أو كثيرا بذلك الخيط، أي خيط العدل، نطالع عناوين مثل «دعوة الأحمدية الحل السحري لمشكلات العالم المعاصر»، والذي يطمح الكاتب من خلاله إلى تبيان أنَّ بتحقيق مقتضيات العدل والإنصاف تقدم الأحمدية الترياق الأنجع لكافة السموم الناتجة عن انعدامه منذ قرون خلت. ولأن نكبات الأمم تُعزى إلى غياب قيمة العدل عن حكمها على الأمور أو الأشخاص، نطالع مقالا آخر بعنوان «تضافر الأنباء عن تحقق العلامات».. ولا يفوتنا أن نروِّح عن القارئ الكريم بعض الشيء في رحاب رياض أمنا الرؤوم، لغتنا العربية، وفي فسحة هذا الشهر نركز على معاني العدل والقسط، ونتتبع الدلالة المشتركة والفرق المميِّز، كذلك ندلف إلى لغات أخرى لنبين فضل العربية عليها من هذا الباب، وكل باب.

ندعو الله تعالى أن يوفق خليفته الإنسان الكامل في هذا الزمان لإنقاذ هذه القرية الكونية من تبعات الظلم المتراكم على مدى قرون من غياب العدل، ذلك أن دمار القرى والحواضر منذ القِدَم كان سببه الأول والأخير غياب العدل عن تعاملات أفرادها فيما بينهم، ومع الآخرين.

وفقنا الله تعالى لسلوك سبيل العدل والقسط، باتباع إمام هذا الزمان، ونجانا مما هلكت به أمم وأقوام، آمين ثم آمين.