الإسلام والمرأة، والقرن الحادي والعشرون

سامح مصطفى

كاتب وشاعر
  • لقد نالت المرأة حزمة كبيرة من حقوقها المشروعة بحلول القرن الحادي والعشرين.
  • تعليم الكتاب المقدس عن المرأة الحائض.
  • لم تتمتع المرأة بحقوقها قبل بعثة الني صلى الله عليه وسلم.

على سبيل التقديم
يقول تعالى:

يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (1)

فكما أن الأنثى كانت البداية المنطقية المُدرَكة للخليقة الإنسانية، كذلك سنتخذ عبر هذا المقال من الأنثى أو المرأة بشكل خاص بداية منطقية نتطرق من خلالها إلى موضوع أعم وأشمل، ولو على سبيل الإشارة المقتضبة، متحينين مناسبة احتفاء العالم بالمرأة في يومها العالمي، الموافق للثامن من مارس من كل عام.
وعلى ذكر مناسبة الاحتفاء بالمرأة في يومها، فإن كيل المديح لها كونها أنثى بات تصرفا لم يعد يؤتي أُكله في هذا العصر الحديث، والذي خرجت فيه تلك المرأة إلى خضم الحياة اليومية مع الرجل جنبا إلى جنب، بعد أن مكثت في شرنقة نُسِجت حولها قرونا وقرونا بحق وبدون حق.
لقد خطت المرأة بحلول القرن الحادي والعشرين خطوات واسعة على طريق نيل حزمة كبيرة من حقوقها المشروعة والمُشرَّعة لها من لدن الحكيم الخبير سبحانه وتعالى، فكان هذا الزمان هو مصداق النبوءات التي تذكر حال تلك الموؤودة في الزمن الأخير، وكيف أنها ستُسأَل، إمعانا في نوالها الحقوق الطبيعية التي ما كان لها أن تحلم بها من قبل.
وفي ذكرى الثامن من مارس/آذار من كل عام تتذكر الإنسانية المرأة بشكل خاص محتفية بها بصورة تبدو كما لو أنها رد متأخر للجميل، لا سيما في العالم الغربي المتقدم، والذي على الرغم من تقدمه البادي في شتى مناحي الحياة العصرية، إلا أن المرأة ظلت إلى وقت قريب تقاسي فيه أبشع صور الظلم وهضم حقوقها الطبيعية، بما في ذلك حقها في التعلم وحقها في الإرث، وحقها في تقرير مصيرها، وحقها في التصويت أو الاقتراع، وكذلك حقها في شغل الوظائف العامة.

أحقاب من سوء الحال
لا يخفى على أحد سوء وضع المرأة العام عبر التاريخ الإنساني الطويل، وذلك من شتى النواحي، وهو الأمر الذي عرضنا إليه سلفا، فنعرج عليه هنا بشيء من التفصيل والتمثيل، ونكتفي من تصفحنا لوضع المرأة لدى الحضارات القديمة بشيء من التشريع الروماني، والذي يُعرف عنه أنه جرد المرأة من معظم حقوقها المدنية في مختلف مراحل حياتها، فلم تكن لها أهلية أو شخصية قانونية، وقد كان القانون يعد «الأنوثة» سبباً من أسباب عدم الأهلية، كحداثة السن أو الجنون، فقبل زواجها تكون تحت سيطرة ولي أمرها الذكر، وتعطيه هذه السيطرة كافة الحقوق عليها، كحق إخراجها من الأسرة، وبيعها بيع الرقيق، وحتى حق الحياة والموت، وبعد زواجها واعتراف الزوج بها تصبح في ذمته، بحيث تنقطع علاقتها بأسرتها الأصلية انقطاعا تاما، ويصبح زوجها هو ولي أمرها الجديد، وقد بلغ من سيادة زوجها عليها أنها كانت تحال إليه إذا اتهمت بجريمة ليحاكمها، ويتولى معاقبتها بنفسه، وكان له أن يحكم عليها بالإعدام في بعض التهم، كالخيانة مثلا، وكان إذا توفي عنها زوجها، دخلت في وصاية أبنائها الذكور، أو إخوة زوجها، أو أعمامه. إن اقتصارنا على ذكر نبذة من التشريعات الرومانية دون سواها من التشريعات المتعلقة بالمرأة إنما سببه، من وجهة النظر الشخصية، أن الحضارة الرومانية كانت أقرب حضارات العالم القديم زمنا من مولد السيد المسيح الناصري ، وبالتالي فسيكون من اليسير على المقارِن أن يرى الفرق بين وضع المرأة تحت التشريع الروماني الوضعي، ووضعها تحت تشريع المسيحية متمثلا في الكتاب المقدس.

المرأة في المسيحية
قبل التوسع في الحديث تحت هذا العنوان، يجب التنبيه أولا أننا ننزه تعاليم السيد المسيح الناصري وجميع النبيين (عليهم السلام) من كل شبهة ظلم أو بخس لحق المرأة، حتى وإن كانت كثير من النصوص المقدسة في الديانة المسيحية تحط من شأنها.
يدهش المرء حين يطلع على وضع المرأة في الكتاب المقدس بشكل عام، وفي الفكر الديني المسيحي بشكل خاص، ولا حاجة إلى الحديث عن نظرة الكتاب المقدس للمرأة الحائض مثلا، أما في الفكر الديني المسيحي فالمصيبة أدهى وأمر، فعلى الرغم من حداثة العهد والذي يضمن في حد ذاته نوعا من التقدم إلى الأمام، نرى بولس يقول: «لِتَصْمُتْ نِسَاؤُكُمْ فِي الْكَنَائِسِ، لأَنَّهُ لَيْسَ مَأْذُونًا لَهُنَّ أَنْ يَتَكَلَّمْنَ، بَلْ يَخْضَعْنَ كَمَا يَقُولُ النَّامُوسُ أَيْضًا»(2). إن الظلم لا مبرر له، وأن تقع المرأة تحت مظالم ذات أساس اجتماعي، فتلك مشكلة تستوجب البحث عن حل، أما أن تكون تلك المظالم الاجتماعية متصبغة بصبغة الدين والقداسة وذات مشروعية عقائدية فتلك الطامة الكبرى.

ويبتسم الحظ للمرأة.. للمرة الأولى
إن حب التقدير أمر جَبَلَ الخالق عليه خليقته، حتى أنه تعالى شرع شكر العباد مؤكِّدا على أن من لا يشكر الناس لا يشكر الله، فكل إنسان من هذا المنطلق يحب أن يقدره الآخرون، وإن لم يطالب هو نفسه بهذا التقدير. وكما أن هناك من ينالون التقدير ممن حولهم، إلا أن هناك من لا يلقون التقدير الكافي، بل لا يلقون أي تقدير على الإطلاق نتيجة سوء فهم أو ظن من حولهم، ومن هذا الصنف من الناس كانت المرأة هي صاحبة الحظ الأوفر من سوء الحظ.
ويندر أن نجد باحثا اجتماعيا يعرض لحال المرأة عبر التاريخ الطويل والمدون ويجد عصرا يستطيع أن يطلق عليه مثلا أنه عصر المرأة الذهبي إلا مع حلول القرن السادس الميلادي والذي وافق بعثة النبي محمد ونزول القرآن المجيد عليه محملا بما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين كل أنثى من تشريعات ملزمة للمجتمع ككل بحيث تضمن حقوق تلك الأنثى مهما كان وضعها الاجتماعي، سواء كانت أما أو زوجة أو أختا أو ابنة أو مطلقة أو أرملة. نعم، يستطيع كل باحث موضوعي أن يقولها بملء فيه: لم يشهد التاريخ الإنساني قبل بعثة النبي محمد عصرا تمتعت فيه المرأة بالمزايا التي خصتها بها الشريعة الإسلامية.

محمد ، وخارطة الطريق للتعامل مع الكائن الرقيق
موضوع كيف أكرم الإسلام المرأة من خلال تشريع القرآن الكريم والتطبيق العملي له ممثلا في النبي نرى أنه قُتل بحثا، وصُنِّفت فيه كتب ومجلدات، وعقدت في سبيل تفصيله ندوات ومؤتمرات، لا سيما في دول العالم الإسلامي، لذا لا أرى حاجة إلى الخوض فيه مكررا، ولكني أرى أن أشير إلى نقطة ذات أهمية، وهي النقطة التي كانت ولا تزال موضع انتقاد يوجهه المستشرقون والمنصرون إلى ذلك الإنسان الكامل محمد بقولهم أن تعدد أزواجه البالغ عددهن اثنتي عشرة زوجة يُعتبر أحد مظاهر امتهان الإسلام لكرامة المرأة. لقد نسي أو تناسى هؤلاء المغرضون أمرا جوهريا هاما، وهو أن أولئك الأزواج الاثنتي عشرة جئن من خلفيات ثقافية شتى وكل منهن ذات طبيعة مختلفة ومتميزة عن غيرها، فمنهن العربية، ومنهن من جاءت من بيئة مسيحية، ومنهن من جاءت من بيئة يهودية، كما أن منهن الشابة، ومنهن من تخطت سن الشباب، ومنهن البكر والثيب، ومنهن هادئة الطبع وأيضا شديدة الغيرة، إلا أن كلهن اتفقن على شيء واحد كان القاسم المشترك بينهن جميعا، وهو أنهن جميعهن أحببن بصدق ذلك الزوج المثالي والإنسان الكامل، بحيث لا يجد أي من المغرضين، وما أكثرهم، أي فرصة لنقض هذه الحقيقة. لقد نسج المغرضون عبر التاريخ الكثير من الأكاذيب عن سيدنا محمد الإنسان الكامل، إلا أنهم لم يقتربوا من هذه النقطة، فلم ينتحل أي منهم ولو شكوى واحدة أطلقتها أي من أمهات المؤمنين (رضي الله تعالى عنهن) ضد زوجها وحبيبها ذلك الإنسان الكامل. الآن لنا أن نتساءل: كيف تسنى لذلك الإنسان أن يأسر قلوب اثنتي عشرة امرأة بحيث كن يتنافسن على إرضائه، وعلى الرغم من عيشة التقشف التي عانينها في صحبته؟! فأية جاذبية وكاريزما تلك؟! من حقي الآن القول أنْ لو لم يكن لدى سيدنا محمد من دلائل الصدق والكمال غير هذا الدليل لكفاه. لا بد أن محمدا كان إنسانا كاملا بكل ما لكلمة الكمال من معنى، وإلا فليدحض هذه الحجة داحض.

بعث النبيين هو إذا مدعاة لنزول البركات المتعددة على الناس، والمرأة لم تعدم تلك البركات، فبنزول القرآن تحدد للمرأة نصيبها المفروض من الإرث، وأصبحت لها ذمتها المالية المستقلة، وتقرر لها الحق في التعلم، بل جعل الله تعالى تعليمها مجلبة للسعادة والثواب…

كمال الرجل، وضرورة المرأة
لا شك أن كل إنسان مهما كان وضعه يسعى بفطرته نحو الكمال، وإن كان البعض يحيدون في سعيهم نحو تلك الغاية فيضلون الطريق ويبدون بمظهر الفاسد المفسد أحيانا، إلا أن السعي نحو بلوغ الكمال الإنساني أمر فطري، وإليه يرجع تقدم الإنسانية المستمر بوجه عام.
ولا يمكن إدراك مستوى كمال شخص إلا بوضعه على المحك، فلا سبيل إلى إدراك مبلغ كمال الرجل إلا بعد زواجه وإنجابه، فمن ناحية يتأكد لنا كماله العضوي، ومن ناحية يظهر للناس مستوى كماله الأخلاقي في تعامله مع الزوجة والولد. لقد أشار القرآن المجيد إلى هذه الحقيقة أجمل إشارة حين جعل الزواج والإنجاب قاسما مشتركا بين الأناسي الكُمَّل، أي النبيين في كل العصور، فيقول تعالى:

وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً (3).

إذًا فارتباط الرجل عاطفيا بالمرأة هو مدعاة لكماله الروحاني، فأي تكرمة تلك التي بينها الإسلام وأكد عليها للمرأة أكبر من أنه جعلها سببا لكمال الرجل كما كانت سببا لوجوده؟! ولكن مما يؤسف له أن يروج إلى غير ذلك في القرن الحادي والعشرين الذي تمتهن فيه كرامة المرأة أشد امتهان، ويُتَّخذ من أنوثتها سلعة تباع وتشترى، وتستعمل كأداة للإعلان والترويج، الأمر الذي سعى الإسلام ولا زال يسعى للحيلولة دونه.

محمد، وأحمد، ثم الأمم المتحدة
بعد الحديث السالف، الذي بدا فيه ملمح المقارنة بين وضع المرأة في شتى المجتمعات والعصور، ينبغي علينا إيضاح حقيقة مفادها أن الله تعالى في كل عصر يبعث إلى الإنسانية برسول ورسالة تحمل في طياتها سبل بناء الإنسان في ذلك العصر والارتقاء به إلى سماء أعلى، حتى بلغ ذلك الارتقاء أوجه ببعث حضرة محمد المصطفى وخادمه الصادق المسيح الموعود.
بعث النبيين هو إذا مدعاة لنزول البركات المتعددة على الناس، والمرأة لم تعدم تلك البركات، فبنزول القرآن تحدد للمرأة نصيبها المفروض من الإرث، وأصبحت لها ذمتها المالية المستقلة، وتقرر لها الحق في التعلم، بل جعل الله تعالى تعليمها مجلبة للسعادة والثواب لمن يكفلها، وغير هذا وذاك الكثير مما يسجله الفقه الإسلامي.
وكان من تلك البركات في زمن المسيح الموعود أن وقعت ثلاث حوادث جوهرية تتعلق بالمرأة في الأعوام الثلاثة التالية لوفاة حضرته (عام 1908م، فقد حدد الحزب الاشتراكي الأمريكي في عام 1909 يوم الثامن والعشرين من فبراير/شباط للاحتفال باليوم القومي للمرأة الأمريكية، تذكيرا بإضراب عاملات صناعة الملابس في نيويورك، حيث تظاهرت النساء تنديدا بظروف العمل.
وفي 1910م صدر قرار الاجتماع الاشتراكي الدولي في كوبنهاغن باعتبار يوم المرأة ذا طابع دولي، يراد منه تكريم الحركة الرامية إلى إتاحة الحقوق الإنسانية للنساء ودعم حق النساء في الاقتراع. ولقي الاقتراح ترحابا كبيرا من المؤتمر الذي حضرته أكثر من 100 امرأة من بلدان عدة، بمن فيهن ثلاث نساء كن انتخبن في البرلمان الفنلندي. ومع ذلك لم يُعين يوم محدد لهذه المناسبة.
وفي 1911م كان من النتائج المترتبة على مبادرة كوبنهاغن الاحتفاء باليوم الدولي للمرأة في التاسع عشر من آذار/مارس في النمسا والدانمرك وألمانيا وسويسرا، حيث شارك ما يزيد عن مليون شخص بين رجل وامرأة في تلك الاحتفالات. وفضلا عن حق التصويت وشغل المناصب العامة، طولب في تلك الاحتفالات بحق المرأة في العمل وحقها في التدريب المهني والقضاء على التمييز ضدها في ما يتصل بالوظائف.
الآن، وبرعاية أممية، تحتفل كثير من البلدان حول العالم بيوم المرأة العالمي، اعترافا بإنجازاتها بغض النظر عن أية فروق وتمييزات مثل القومية والعرق واللغة والثقافة والبيئة الاقتصادية أو السياسية، ولكن يتم جهلا أو تجاهلا غض الطرف عن دور الإسلام في تلك النهضة النسوية المشهودة، فلمصلحة من؟!

المراجع:
(1) النساء: 2
(2) رِسَالَةُ بُولُسَ الرَّسُولِ الأُولَى إِلَى أَهْلِ كُورِنْثُوسَ 14 : 34..
(3) الرعد: 39