• أين التقليديون من أفلا يتَدَبرَّونَ الْقُرْآنَ ؟!

بعض الإخوةِ أتباعُ التياراتِ التي تقولُ أنها تتلمسُ علومَ السلفِ، يأخذونَ الأمورَ بحرفيتها، مما يُوقعهم في أخطاءَ فادحةٍ، ولا يَجدونَ لأنفسِهم مَلاذاً إلا التأويل، لكنهم لا يأخذونَ بهِ، بلْ يتمسكونَ بالحرف، ليَقعوا في التَناقض، وهوَ القولُ بالحرفيةِ والتأويل في آن واحدٍ، فيقولونَ هو في السَماءِ المادية، ثم تدركُهم فطرتهم قائلةً لهم «ما هذا الكلام البائس؟» فيقولون: السماءُ من السمو.والحقُ أنّ اللهَ في السماءِ، وفي الأرض، وفيما بينهما، لكن ليست (في) الظرفية، بمعنى أنّ السماءَ والأرضَ وما بينهما ليستْ (ظروفاً) للهِ، بمعنىٰ أنها لا تحويه، لأنها مَخلوقاتُه، وهوَ أكبرُ مِنها وأعظمُ وأجلّ، فكيفَ للمخلوق أنْ يحوي الخالقَ، وكيفَ للمحدود أنْ يحتوي علىٰ الذاتِ العلية غير المحدودة؟، وإنما مَعنىٰ الكرسيّ العِلم كما قال ابنُ عَباس، ومعنىٰ العرش أسماؤهُ وصفاتهُ التي يَتجلىٰ بها علىٰ الكائنات، ومعنىٰ كونهِ في السَماءِ والأرض وما بَينهما أنّ مَن أرادَ أنْ يَبحثَ عنهُ وَجدهُ مُتجلياً في تلكَ المخلوقات، فهو موجودٌ في بَديع خلقهِ، الذي يتفردُ بهِ وَحدَهُ، ولا ينازعهُ فيه غيرهُ، وعَوالمهُ تدلُ عليهِ، ولأنّ صاحبَ الفطرةِ السليمةِ لابدَّ أنْ يُدرِكَ أنهُ هوَ وحدهُ صاحبُ أمرِها، ومُدبرُ شؤونها، وأنها جميعاً مَخلوقاته، خاضعةً له، تقومُ بقيوميتهِ، ويُحيطها علمه وخبرته وهيمنته، وهوَ الحاكمُ الواحدُ لها، ولا تُقطعُ من لينةٍ ولا تُتركُ قائمةً علىٰ أصُولها في كل تلكَ العوالم إلا بأمرهِ ومشيئتهِ :

وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ 1) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (2) وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ (3)

الخطأ الذي وقع فيه المجسمة والمعطلة على حد سواء أنهم أرادوا أن يقيسوا ذات الله على ذواتهم، ونسوا قولهَ تعالىٰ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ (4). أما ما يسمونهُ (عقيدةُ أهل السنةِ والجماعةِ، أو عقيدة السلفِ) فتلكَ كانتْ إجتهاداتهم التي بلَغتها قدراتهم في أزمانهم، وقد استقامَ لهمُ إيمانهم، وقويت علاقاتهمُ بربهم بما وَصلوا إليهِ مِن أفهام وشروحات، وهمْ مأجورونَ عليها، لكنها ليستْ هي الدين، لكنها محاولاتٌ لفهم الدين، رُبما أصابتْ في شيء، وربما أخطأت في أشياء، وتلك الأفهامُ ليستْ حجةً علىٰ الناس جَميعاً حتىٰ آخرِ الدهر، وكأنّ اللهَ لمْ يَخلقْ لفهمِ دينهِ إلا مَنْ سَلف، وليسَ لسُكان العالم مِن بعدهم عقولٌ تعي، وأفهامٌ تُدرك، وكأنه لا ملابسات زمانية ولا مكانية تقتضي التجديدَ لمراعاةِ مقتضىٰ الحال، إذاً لخلقَ الناسَ جميعاً بعد أهل السلفِ بلا عقول أصلاً، لأنهم لن يكونوا في حاجة إليها، فقد قيل في الدين كل شيء، وليسَ عليهم إلا الاتباع الأعمى الأصم الأبكم؟؟!لا يزالُ القرآنُ الكريم يقولُ لكل واحدٍ:

ولقد يسّرنا القرآن للذكر فهل من مُدّكر (5)

ولا يزالُ يقولُ أفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ (6) والإدّكار، بمعنىٰ الَتذكر والتّدبُر في كتابِ اللهِ ما زالَ أمراً قرآنياً مأجورٌ من ائتُمِرَ بهِ حتىٰ قيامِ الساعةِ، وإلا فما السببُ الذي دفعَ بالإمام الشافعي بكتابةِ مذهبهِ الفقهي مرةً أخرىٰ بعدَ هِجرتهِ من العراق إلى مصر، وليسَ الفرق بين مذهبه الأول ومذهبهِ الثاني إلا كيلومتراتٍ وبضع سنين في وطن واحد ولغةٍ واحدةٍ وطباع شبه واحدةٍ في حياةِ شخص واحد؟! إنّ في ذلك لعبرة!

ومعنىٰ القولِ بانتهاءِ كُل قَول لقائل بعدَ ما قيل إفلاس القرآن وانقضاءِ معانيه علىٰ يد مَن سَبقونا بألف عام، وهذا خطأ قاتلٌ، إنما مِن عَظمةِ القرآن الكريم أنه تتجددُ فيوضهُ وعطاءاتهُ حسبَ مُقتضىٰ كُل زمان ومكان، ومن عظمةِ مُحمّدٍ أنّ يكونَ له خلفاءُ وأتباع أعظمَ من أنبياء بني إسرائيل أيضاً، لأنه هو كانَ وحدهُ خَاتمَ النبيين، وأعظمَهم وأكملهُم، فلابدّ لخلفائهِ أنْ يكونوا أعظمَ الخلفاءِ وأكمَلهم، ومِن أجل ذلك كانَ الإمامُ الَمهديُ والمَسيحُ الموعودُ من المُسلمينَ، لا من غيرهم، ببركةِ اتّباع محمدٍ خاتمَ النبيينَ عليه ألفُ صلاةٍ وتحيةٍ، هُدينا وإياكم إلى صراط مستقيم.

– الهوامش –
1. الحديد 5
2. ق 17
3. الزخرف 85
4. الشورى 12
5. القمر 18
6. النساء 83