التاريخ: 2019-08-30

أصحاب الصفة، وما أدراك ما أصحاب الصفة!!

حضرة مرزا مسرور أحمد (أيده الله)

حضرة مرزا مسرور أحمد (أيده الله)

الخليفة الخامس للمسيح الموعود (عليه السلام)
  • أحد أصحاب الصفة، عتبة بن مسعود الهذلي رضي الله عنه 
  • بساطة عيش أصحاب الصفة وتقشفهم
  • طلبوا الآخرة فانقادت لهم الدنيا
  • النبي r يعد نفسه واحدا من أصحاب الصفة
  • أصحاب الصفة مع المسيح الموعود عليه السلام
  • عبادة بن الصامت الأنصاري رضي الله عنه 

أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك لـه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد فأعوذ بالله من الشيطان الرجيم. بسْمِ الله الرَّحْمَن الرَّحيم * الْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمينَ * الرَّحْمَن الرَّحيم * مَالك يَوْم الدِّين * إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإيَّاكَ نَسْتَعينُ * اهْدنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقيمَ *صِرَاط الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّين، آمين.

أحد أصحاب الصفة، عتبة بن مسعود الهذلي

الصحابي الذي أتناول ذكره اليوم من بين الصحابة البدريين هو عتبة بن مسعود الهذلي. يكنى بأبي عبد الله، وهو من بني مخزوم. كان حليفًا لبني زُهرة، والده مسعود بن غافل ووالدته أم عبد بنت عبد ودّ. وهو شقيق عبد الله بن مسعود، وكان من أوائل المسلمين بمكة ومن المهاجرين إلى الحبشة في الهجرة الثانية. كان أيضا من أصحاب الصُّفَّة. وأذكر هنا ما ذكره حضرة مرزا بشير أحمد من تفصيل حول الصفة نقلا عن كتب التاريخ المختلفة. يقول: كان مكانًا مرتفعًا ومظللا في جزء من المسجد النبوي يقال له الصفة. وكان مأوى للفقراء المهاجرين الذين لا مأوى لهم ولا أهل، فكانوا يقيمون في هذا المكان وكانوا يُدعون بأصحاب الصفة. كان شغلهم الشاغل الحضور في صحبة النبي والتعبد، وتلاوة القرآن الكريم. لم يكن لهم مصدر رزق ثابت، فكان النبي يهتم بهم ويرعاهم، فكلما تأتيه هدية أو يتوفر له أي شيء في بيته شاركهم فيه وأرسله إليهم، بل كان أحيانًا يتحمل الفاقة ويرسل لأصحاب الصفة كل ما كان يتوفر لديه في بيته. كما كان الأنصار أيضا يضيفونهم قدر المستطاع، فكانوا يأتون بأقناء الرطب ويعلقونها في المسجد لأهل الصفة حتى يأكلوا منها. مع كل ذلك كانوا يعانون الضيق وكثيرا ما تصل بهم الحال إلى الفاقة. هكذا ظلّ بهم الحال لسنوات عديدة حتى تيسرت لهم بعض الأعمال نتيجة التوسع السكاني في المدينة كما توفرت لهم المساعدة من بيت المال أيضا.على أية حال، ورد في كتب أخرى بعض التفاصيل الأخرى عن أصحاب الصفة وهي أنهم كانوا يحضرون لدى النبي طوال اليوم ويسمعون منه الأحاديث، أما الليل فكانوا يقضونه على ذلك المكان العالي المظلل.

بساطة عيش أصحاب الصفة وتقشفهم

والصُّفة في اللغة العربية تطلق على البهو الواسع والعالي ونسبة إلى ذلك سمي هؤلاء الأجلاء بأصحاب الصفة، ما منهم رجل عليه رداء إما إزار وإما كساء قد ربطوها في أعناقهم وكان يبلغ نصف الساقين. فلم تكن لديهم ثياب كاملة. كان أبو هريرة من بين هؤلاء الأجلاء، وهو يقول: رأيت سبعين من أهل الصفة لا يبلغ ثوبهم ركبتيهم. أي عندما كانوا يلبسون ما لديهم من ثوب لم يكن يصل إلا إلى سيقانهم. ثم يذكر طريق حياتهم وهو أن لفيفًا منهم كانوا يتوجهون إلى الغابة نهارًا فيحتطبون فيبيعونه ويؤمّنون لإخوانهم شيئا من الطعام. وكثيرا ما كان الأنصار يأتون بأقناء الرطب فيعلقونها بسقف المسجد. إن أتى أحد من الخارج ورأى أصحاب الصفة على حالهم ظنّهم مجانين، أي ظنّ أنهم لا عقل لهم لأنهم يجلسون هنا دونما سبب. ولكن النبي وأبا هريرة أيضا كانا يريان أن هؤلاء محبون مخلصون لا يريدون أن يتركوا باب النبي . على أية حال إن أتت النبي صدقة أرسلها إليهم وإن أهدي له طعام دعاهم إليه وأكله معهم. وفي بعض الليالي كان النبي يوزع هؤلاء المهاجرين على الأنصار أي أن يستضيف رجل من الأنصار واحدًا أو اثنين من أصحاب الصفة بحسب مقدرته. وأحيانًا كان يسلم بعضَهم إلى المهاجرين وبعضهم إلى الأنصار لكي يعشّيهم. وكان صحابي جليلٌ كريم وثريٌّ اسمه سعد بن عبادة يأخذ معه ثمانين من أهل الصفة ويعشيهم. إذ كان يتمتع برغد العيش.

شغلهم الشاغل هو التعبد لله تعالى في الليالي، وكانوا يكثرون من قراءة القرآن الكريم، وقد عُيّن لهم قارئ للقرآن الكريم يأتيه منهم ليلا مَن لا يحسن قراءة القرآن الكريم أو لا تصح قراءته أو من كان يريد حفظ القرآن الكريم، فكان المعلم يعلمهم ليلا، وبناء عليه سمّي أكثرهم بالقراء، كان النبي يبعث بعضهم لنشر الإسلام حيثما لزم الأمر.

طلبوا الآخرة فانقادت لهم الدنيا

ورد في الروايات أن عدد أصحاب الصفة كان مختلفًا في أوقات مختلفة، فأقل عدد أقاموا في الصفة هم 12 صحابيًا وأكثرهم ثلاثمائة، وفي إحدى الروايات بلغ عددهم الإجمالي 600 صحابي. كان النبي يحبهم كثيرًا ويجالسهم في المسجد، ويتناول الطعام معهم، ويحث الناس على إكرامهم. أي قال لهم بأن جلوس هؤلاء عاطلين ظاهريًا لا يمنعكم من إكرامهم واحترامهم. بل كان النبي يقول إنهم يجلسون هنا لسماع أحاديثي لأجل ذلك ينبغي أن يحترمهم الجميع. يقول أبو هريرة: ذات يوم جئنا جماعة إلى النبي وقلنا: يا رسول الله قد أحرق التمر بطوننا، أي ليس عندنا شيء للأكل سوى التمور. سمع النبي شكواهم ثم ألقى خطابًا لمواساتهم ثم قال: ما بال أقوام يقولون أحرق بطوننا التمر، ألا ترون أن التمر هو غذاء أهل المدينة، فإنهم يساعدوننا بالتمر وبه نساعدكم. ثم قال: والذي نفس محمد بيده أنه منذ شهر أو شهرين لم يرتفع من بيت رسول الله دخان للخبز وليس لهم إلا الأسودان الماء والتمر.على أية حال، كان أصحاب الصفة مخلصون ومضحّون، مع أنهم شكوا بأن التمر أحرق بطونهم إلا أنهم لم يبرحوا ذلك المكان، وظلوا جالسين هنالك بكامل الوفاء، وعاشوا على الفاقة أو على التمر أو ما كان يتيسر لهم من شيء قليل.ثم ورد أن شغلهم الشاغل هو التعبد لله تعالى في الليالي، وكانوا يكثرون من قراءة القرآن الكريم، وقد عُيّن لهم قارئ للقرآن الكريم يأتيه منهم ليلا مَن لا يحسن قراءة القرآن الكريم أو لا تصح قراءته أو من كان يريد حفظ القرآن الكريم، فكان المعلم يعلمهم ليلا، وبناء عليه سمّي أكثرهم بالقراء، كان النبي يبعث بعضهم لنشر الإسلام حيثما لزم الأمر. فلما تعلموا القرآن سموا بالقراء وكانوا يُرسَلون لتعليم الآخرين. وقد تولى بعض مِن هؤلاء الأصحاب مناصب عالية لاحقًا. كان أبو هريرة قد عيّن واليا على البحرين في زمن خلافة عمر وكان واليا على المدينة في عهد معاوية. وسعد بن أبي وقاص كان واليا على البصرة كما أسس مدينة الكوفة. وكان سلمان الفارسي واليا على المدائن، وعمار بن ياسر واليا على الكوفة. وكلهم كانوا من أصحاب الصفة. ومنهم أبو عبيدة عامر بن الجراح وكان واليا على فلسطين، وأنس بن مالك وكان واليا على المدينة في عهد عمر بن عبد العزيز. وكان من بينهم قائد أدى دورًا بارزًا في الفتوحات الإسلامية وهو زيد بن ثابت، لم يكن قائدًا فحسب بل كان قد تولى منصب قاضي القضاة أيضا في عهد عمر .

النبي يعُدُّ نفسه واحدا من أصحاب الصفة

عن أبي سعيد الخدري قال: كنت في عصابة من ضعفاء المهاجرين، (أي في أصحاب الصفة) قال: وإن بعضهم ليستتر ببعض من العري. (أي كان نصف أجسامهم تقريبا عاريا وكانوا يسترون أنفسهم بصعوبة) قال: وقارئ لنا يقرأ علينا، فنحن نستمع إلى كتاب الله، فجاء رسول الله فقام علينا، فلما قام علينا رسول الله سكت القارئ، قال: فقال رسول الله : ما كنتم تصنعون؟، قال: فقلنا: يا رسول الله، كان قارئ يقرأ وكنا نستمع لكتاب الله، قال: فقال رسول الله : الحمد لله الذي جعل في أمتي مَن أُمرتُ أن أصبر معهم. (أي أُمرتُ أنا أيضا بالصبر كما يصبرون) قال: ثم جلس رسول الله وسطنا ليعدل نفسه فينا، قال: ثم أشار بيده (مشيرا إلى أنني أيضا منكم) استديروا، فاستدارت الحلقة وبرزت وجوههم له، قال: فما رأيت رسول الله عرف منهم أحدا غيري. فقال: أبشروا يا معشر صعاليك المهاجرين بالنور الدائم يوم القيامة، تدخلون الجنة قبل أغنياء المؤمنين بنصف يوم، وذاك خمسمائة سنة.

أصحاب الصفة مع المسيح الموعود

لقد تلقى سيدنا المسيح الموعود أيضا إلهاما ذُكر فيه أصحاب الصُفّة، وفيما يلي نص الإلهام: «أصحابُ الصُّفّة، وما أدراك ما أصحاب الصُّفّة، ترى أعينَهم تفيض من الدمع، يصلّون عليك، ربّنا إننا سمعنا مناديًا ينادي للإيمان، وداعيًا إلى الله وسراجًا منيرًا».

تلقى المسيح الموعود هذا الإلهام عن بعض أصحابه، أنه أيضا سيُعطى أصحابا مثلهم. فقال : إن أصحاب الصفة الذين خلوا في زمن رسول الله كانوا يتبوؤون مرتبة عظيمة، وكانوا أقوياء الإيمان. وإن نموذج الإخلاص والوفاء الذي أبدوه إنما هو مضرب المثل. ثم قال : لقد أخبرني الله تعالى أنه سيعطيني أيضا أناسا مثلهم. لقد ذُكر عتبة بن مسعود في صحيح البخاري في رأس قائمة الصحابة الذين شهدوا بدرا. أما في بعض الكتب الأخرى التي تتناول سِير الصحابة مثل أُسْد الغابة في معرفة الصحابة، والإصابة في تمييز الصحابة، والاستيعاب في معرفة الأصحاب، والطبقات الكبرى، وغيرها، فقد جاء فيها أن عتبة بن مسعود شهد غزوة أُحد وما بعدها ولم تذكر أنه شهد بدرا. أما في صحيح البخاري فقد ذُكر ضمن الصحابة البدريين. لقد توفي عتبة بن مسعود في المدينة في 23 من الهجرة، وذلك في عهد عمر ، وصلّى عليه عمر . قال قاسم بن عبد الرحمن أن عمر انتظر قبل الصلاة عليه لأمّه أمّ عبد لتشترك في جنازته.

رُوي عن الإمام الزهري أن عبد الله بن مسعود لم يكن أقدم صحبة وهجرة من أخيه عتبة، إذ كان عتبة بن مسعود من الصحابة القدامى. رُوي عن عبد الله بن عتبة: لما مات عتبة بكاه أَخوه عبد اللّه، فقيل له: أَتبكي؟ فقال: أَخي، وصاحبي مع رسول الله ، وأَحب الناسِ إِليَّ، إِلاَّ ما كان من عمر بن الخطاب.وفي رواية: لما جاء عبدَ الله نعيُ أخيه عتبة دمعتْ عيناه فقال إن هذه رحمة جعلها الله لا يملكها ابن آدم. (أي الموت حق، ويكون رحمة للصالحين) وفي رواية أخرى أن عمر بن الخطاب كان يعيّن عتبة بن مسعود أميرا.

عبادة بن الصامت الأنصاري

والصحابي الآخر الذي سأذكره هو عبادة بن الصامت الأنصاري. اسم أبيه الصامت بن قيس وأُمّه قرة العين بنت عبادة. شهد العقبة الأولى والثانية، وكان نقيباً على قواقل بني عوف بن الخزرج. كان يقال لهم القواقل لأن الرجل كان إذا استجار بيثرب قيل له: قوقلْ حيث شئتَ فقد أَمِنتَ. (أي لن تواجه هنا مشكلة، واسكن كيفما تشاء، وتمتّع بالرخاء، ولا تخف شيئا. والذين كانوا يجيرون كانوا يُعرفون باسم «قواقل».

قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: قِيلَ لَهُمْ الْقَوَاقِلُ لِأَنّهُمْ كَانُوا إذَا اسْتَجَارَ بِهِمْ الرّجُلُ دَفَعُوا لَهُ سَهْمًا، وَقَالُوا لَهُ قَوْقِلْ بِهِ بِيَثْرِبَ حَيْثُ شِئْت.إن جدّ النعمان أي ثعلبة بن دعد كان يُدعى قوقلاً. كذلك إن غنم بن عوف وهو زعيم الخزرج كان يسمى قوقلا. وإن سعد بن عبادة أيضا كان يُعرف بلقب «قوقل». ولذلك إن بني سالم وبني غنم وبني عوف أيضا يسمَّون قواقلة. عبادة بن الصامت كان أحد نقباء بني عوف، وكان أحد أبنائه يسمى وليدا وأُمه (أي أم وليد) هي جميلة بنت أبي صعصعة. واسم ابنه الثاني كان محمدا وأُمّ هذا الابن هي أمّ حرام بنت ملحان. كان أوس بن الصامت أخا عبادة بن الصامت. كان أوس من الصحابة البدريين. لما هاجر أبو مرثد الغنوي إلى المدينة آخى رسول الله بينه وبين عبادة بن الصامت. شهد عبادة بدرا وأُحدا والخندق وبقية المشاهد مع رسول الله . ومات في 34 من الهجرة في رام الله في فلسطين، وعند البعض مات في بيت المقدس، ودُفن هنالك وقبره معروف إلى اليوم. وفي رواية أن عبادة مات في قبرص حين كان واليا عليها من قِبل عمر . كان عمره عندما حضرته الوفاة 72 عاما. كان طويل القامة وضخيم الجسم وجميلا. وعند البعض أنه مات في 45 من الهجرة في عهد معاوية. غير أن الرأي الأول القائل بوفاته في فلسطين في 34 من الهجرة أصح.

إن عدد الروايات التي رواها عبادة بن الصامت يبلغ 181 رواية. وقد روى عنه الأحاديثَ كبارُ الصحابة والتابعين. فالذين رووا عنه من الصحابة هم أنس بن مالك، وجابر بن عبد الله، ومقدام بن معدي كرب وغيرهم. وفي رواية وردت في صحيح البخاري عن عُبَادَة بْن الصَّامِتِ ، وَكَانَ شَهِدَ بَدْرًا وَهُوَ أَحَدُ النُّقَبَاءِ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ وَحَوْلَهُ عِصَابَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ بَايِعُونِي عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا تَسْرِقُوا وَلَا تَزْنُوا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ وَلَا تَأْتُوا بِبُهْتَانٍ تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ وَلَا تَعْصُوا فِي مَعْرُوفٍ فَمَنْ وَفَى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ثُمَّ سَتَرَهُ اللَّهُ فَهُوَ إِلَى اللَّهِ إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ وَإِنْ شَاءَ عَاقَبَهُ فَبَايَعْنَاهُ عَلَى ذَلِك.

وقد تولى بعض مِن هؤلاء الأصحاب مناصب عالية لاحقًا. كان أبو هريرة قد عيّن واليا على البحرين في زمن خلافة عمر وكان واليا على المدينة في عهد معاوية. وسعد بن أبي وقاص كان واليا على البصرة كما أسس مدينة الكوفة. وكان سلمان الفارسي واليا على المدائن، وعمار بن ياسر واليا على الكوفة. وكلهم كانوا من أصحاب الصفة.

صلّى النبي بالناس الجمعة في مسجد قباء في أثناء الهجرة إلى المدينة، وركب ناقته بعد صلاة الجمعة وأرخى زمامها ولم يُثنها إلى أية جهة. فبدأت الناقة تنظر يمينا ويسارا كأنها في طور أخذ القرار إلى أية جهة تتوجه! لما رأى ذلك بنو سالم الذين صلّى النبي الجمعة عندهم، قالوا للنبي – ومنهم عتبان بن مالك ونوفل عبد الله بن مالك وعبادة بن الصامت- هلمّ يا رسول الله انزلْ عندنا، فإن عدد الناس هنا أكبر وستكون الحراسة بشكل أفضل. أي سنكرمك حق الإكرام ونحرسك حق الحراسة لأن عدد المسلمين هنا أكبر. وفي رواية: هلم يا رسول الله إلى العز والثروة والقوّة والجلد. أي نحن ذوو سعة وثروة. وفي رواية أخرى ما مفاده: هلمّ إلى قبيلتنا فإن عددنا أكبر وعندنا الأسلحة، والحدائق. أي نملك حاجيات الحياة كلها، ونحن قادرون على حمايتك، ونحن أكثر مالا وثروة.ثم قال يا رسول الله كلما أتى أحد العرب المذعورين إلى هذه المنطقة لجأ إلينا. فسمع رسول الله قولهم ودعا لهم بالخير وقال: لقد سمعت مقالتكم، فخلوا سبيل ناقتي فإنها مأمورة، أي أنها لن تذهب أو تبرك في أي مكان إلا بأمر الله تعالى. وفي رواية أخرى: إنها مأمورة فخلوا سبيلها. وكان يبتسم ويقول بارك الله عليكم، شكرًا على عرضكم. ثم تحركت الناقة من هنالك.

يقول مؤلف كتاب «سِيَرُ الصحابة» عن فتح مصر: تأخر فتح مصر في عهد خلافة الفاروق ، فكتب عمرو بن العاص لعمر يستنجده، فبعث عمر جيشا قوامه أربعة آلاف شخص، وكانت كتيبة ألف شخص منهم تحت إمارة عبادة بن الصامت، وكتب عمر في الجواب لعمرو: إن كل قائد من هؤلاء القادة يساوي ألف محارب. ولما وصل هذا المدد إلى مصر جمع عمرو بن العاص الجيوش كلها وألقى خطابا مؤثرا، ودعا عبادة وقال له آتني رمحك، ثم نزع عمرو عمامته من رأسه وعصبها بالرمح، ثم ردَّه لعبادة وقال إنها راية قائد الجيش وأنت قائد الجيش اليوم. ومن عجائب قدر الله تعالى أن المدينة فُتحت بعد ذلك في أول هجمة.

جاء أبو عبيدة بن الجراح بعد فتح دمشق إلى حمص، وتصالح مع أهلها، وجعل عبادةَ بن الصامت الأنصاري عاملا عليها، ثم تقدّمَ إلى حماه. وتوجه عبادة بن الصامت بعد ذلك إلى اللاذقية، وهي مدينة ساحلية في سورية، فحارب أهلُها المسلمين. وكان لمدينتهم باب كبير لا يقدر على فتحه إلا جماعة كبيرة من الناس. فأخذ عبادة جيشه بعيدا عن المدينة، وأمرهم بحفر حُفَرٍ يختفي في واحدة منها الفارسُ مع فرسه تماما. فحفر المسلمون الخنادق ببذل جهد كبير، ولما فرغوا منها تظاهروا في ضوء الشمس بالعودة إلى حمص، ثم لما جنّ الليل رجعوا تحت ظلمته واختفوا في معسكرهم وخنادقهم التي حفروها، فانحدع أهل اللاذقية وظنوا أن المسلمين قد تركوهم وذهبوا، ولما أشرقت الشمس فتح أهل المدينة بابها وخرجوا بماشيتهم، فظهر المسلمون فجأة، فأصابهم الهلع برؤيتهم، وهجم عليهم المسلمون ودخلوا باب المدينة وفتحوها. دخل عبادة في قلعتهم وصعد على جدارها وكبّر عليها. ففرت جماعة من نصارى اللاذقية خائفين، ثم رجعوا وقالوا نريد أن نرجع على أن تعطونا الأمان وترُدّ لنا أراضينا. فسُلّمت لهم أراضيهم على أن يدفعوا الخراج، أي أن يدفعوا جزءًا مما تدرّ به عليهم أراضيهم. فترك المسلمون لهم أراضيهم ومعبدهم الذي كانوا يعبدون فيه، وقالوا لهم حسنا، عيشوا هنا واعبدوا كما شئتم.

وبنى المسلمون بأمر من عبادة في اللاذقية مسجدًا تم توسيعه فيما بعد. ثم وصل عبادة والمسلمون إلى شاطئ البحر وفتحوا هنالك مدينة تسمى «بلدة» على فرسخين (أي ستة أميال) من قلعة جبلة. وأحرز عبادة وأصحابه بعد ذلك فتوحات كثيرة، حيث فتحوا طرطوس وهي مدينة سورية ساحلية، وهكذا فتحوا في سورية اللاذقية وجبلة وبلدة وطرطوس على يد عبادة بن الصامت.

وذات مرة استعمل النبي عبادةَ بن الصامت على الصدقات وقال له:

اتَّقِ أَنْ تَأْتِىَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِبَعِيرٍ تَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِكَ لَهُ رُغَاءٌ، أَوْ بَقَرَةٍ لَهَا خُوَارٌ، أَوْ شَاةٍ لَهَا ثُؤَاجٌ.

أي لا تخوننّ في الصدقات واحذرْ من التقصير في حفظها، إذ كانت الإبل والبقر والشياه هي الأشياء التي تؤخذ عليها الصدقات أو الزكاة عنها عموما، فأوصاه رسول الله بأخذ الحذر فيها مخافة أن يخطئ في تقسيمها أو يفرّط في أداء حق حفظها، فتصبح عبأً عليه يوم القيامة. فقال عُبَادَةُ: فَوَالَّذِى بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لاَ أَعْمَلُ عَلَى اثْنَيْنِ أَبَدًا، أي لن أكون عاملا على شخصين اثنين أيضا، أي لا أقدر على حمل العبء، فلو أعفيتني من حمل هذه المسؤولية لكان أفضل.

في زمن النبي جمعَ خمسة من الأنصار القرآنَ الكريم وهم: معاذ بن جبل، وعبادة بن الصامت، وأُبيّ بن كعب، وأبو أيوب الأنصاري، وأبو الدرداء رضي الله عنهم. وكتب يزيد بن سفيان لسيدنا عمر بعد فتح بلاد الشام أن أهلها بحاجة إلى معلم يعلّمهم القرآن الكريم ويفقِّههم في الدين. فبعث عمر إليهم معاذا وعبادة وأبا الدرداء. فذهب عبادة وأقام في فلسطين. وروى جنادة أني حضرت إلى عبادة بن الصامت فوجدته فقيها في دين الله، أي كان واسع العلم والمعرفة.

لما فتح المسلمون بلاد الشام بعث عمر ر عبادةَ وأصحابه معاذ بن جبل وأبا الدرداء إلى الشام ليعلّموا الناس القرآن الكريم والدين. وأقام عبادة في حمص، وتوجه أبو الدرداء إلى دمشق وذهب معاذ إلى فلسطين. وبعد فترة انتقل عبادة أيضا إلى فلسطين. وكان معاوية خالفه في شيءٍ أنكره عبادة، فأغلظ له معاوية في القول. (أي كان الاختلاف في مسألة دينية) فقال عبادة: لا أساكنك بأرض واحدة أبدًا، ورحل إلى المدينة. فقال له عمر: ما أقدمَك؟ فأخبره، وذكر له كيف حصل الاختلاف وكيف أن معاوية تكلم معه بلهجة شديدة جدا، وهذا هو سبب عودته إلى المدينة. فقال له عمر: ارجعْ إلى مكانك، فقبّحَ الله أرضاً لستَ فيها أنتَ ولا أمثالُك، أي لا بد أن يكون هنالك أصحاب علم ودين أمثالك من الصحابة القدامى لرسول الله ، وإلا فإن تلك الأرض ستكون سيئة الحظ، لذا لا بد من أن ترجع إليها. ثم كتب عمر إلى معاوية: لا إمرةٌ لك عليه، أي لا خيار لك على عبادة في أمر الدين، أي إذا كان يبين بعض مسائل الدين ويقول لك شيئا من الدين فعليك بطاعته لأن ما يقوله هو الحق.

لا يزال عندي أمور كثيرة وروايات عديدة عن عبادة، وسوف أذكرها في الخطبة القادمة إن شاء الله تعالى، لأنها أمور مفصلة طويلة وسوف تستغرق وقتا كثيرا.

Share via