مخاطر ظاهرة الإدمان على السيئات المعاصرة
التاريخ: 20160520

مخاطر ظاهرة الإدمان على السيئات المعاصرة

حضرة مرزا مسرور أحمد (أيده الله)

حضرة مرزا مسرور أحمد (أيده الله)

الخليفة الخامس للمسيح الموعود (عليه السلام)
  • خطوات الشيطان ومآلها
  • مسلك الشيطان في الإغواء
  • ملاذ النجاة
  • من السيئات المعاصرة المغوية وعواقبها
  • تعليم نبوي لاجتناب السيئات
  • والنعم من حولنا بديلًا
  • واجب تنظيمات الجماعة والمسؤولين
  • الدعاء دواء ناجع مع الاستغفار
  • تنبيهات ختامية

__

أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك لـه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد فأعوذ بالله من الشيطان الرجيم. بسْم الله الرَّحْمَن الرَّحيم * الْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمينَ * الرَّحْمَن الرَّحيم * مَالك يَوْم الدِّين* إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإيَّاكَ نَسْتَعينُ * اهْدنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقيمَ * صِرَاط الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْر الْمَغْضُوب عَلَيْهمْ وَلا الضَّالِّين . (آمين)

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَالله سَمِيعٌ عَلِيمٌ

في هذه الآيات، وفي آيات أخرى أيضا، نصح الله تعالى بني آدم والمؤمنين بعدم اتّباع خطوات الشيطان وحذّرهم من ذلك. وقد جاء هذا الأمر لأن الشيطان يعصي الله تعالى، ويخالف أوامره ويتمرد عليها. والمعلوم أن الذي كان يعصي الله ويعمل على النقيض من أوامر الله تعالى سيعلّم أتباعه أيضا ما يعمله بنفسه، وستكون النتيجة أنه سيجعل الذين يتّبعونه حصب جهنم كما هو حصب جهنم بنفسه. فقد قال الله تعالى للشيطان بكل وضوح بأنه سيملأ جهنم من الذين يتبعونه وسيكون مصيرهم الجحيم. لقد بيّن الله تعالى كل ذلك بوضوح وقال، أفلا يفهم الناس بعد ذلك أيضا أن الشيطان لهم عدو مبين؟ عليهم أن يجتنبوه. هناك أناس لا يبالون بالدين شيئا ولا يدرون ما هو الجحيم وما هي الجنة، ولا يوقنون بالله ولا يفهمون ما هو الدين ولا يحاولون أن يفهموه. وإذا كان بعض الناس في تلك البلاد يقرأون شيئا عن الإسلام يكون ذلك من أجل العلم فقط أو ليُظهروا على الناس أنهم يعرفون عن الدين والإسلام، بينما يكون علمهم سطحيا ومقتصرا على ما ورد في الكتب فقط. وهناك بعض آخرون يقرأون القرآن أو يجمعون المعلومات عن الإسلام بهدف النقد فقط، ولا يستفيدون بمزايا هذا التعليم ومحاسنه ولا يتحررون من براثن الشيطان، ولا يبحثون عن الله تعالى ولا يرغبون في البحث عنه ، فأولئك هم الذين يتّبعون الشيطان، وهناك آخرون يدّعون الإيمان ويسمّون أنفسهم مؤمنين ومع ذلك يتّبعون الشيطان بكسبهم بعض الأعمال بغير قصد منهم، فيصبحون من الذين يتّبعون خطوات الشيطان أو يمكن أن يكونوا كذلك نتيجة عدم سعيهم للاحتماء بحماية الله كما يجب. لذلك حذّر الله تعالى المؤمنين من اتّباع خطوات الشيطان في الآية التي تلوتها عليكم. فقد نبّه المؤمنين بألا تظنوا أننا آمنا وقبِلنا الإسلام فلا خوف علينا الآن. أي لا خوف علينا من التعرض لهجمات الشيطان ولا خطر لاتّباع خطواته، كلا. بل يقول الله تعالى بأن خطر هجمات الشيطان ما زال قائما كما كان، ويمكن للمؤمن أيضا أن يقع في براثن الشيطان كما يمكن ذلك لغير المؤمن. لذا يجب على كل مؤمن أن يذكر الله دائما للنجاة من هجمات الشيطان. لقد استأذن الشيطانُ الله تعالى في البداية لصرف أبناء آدم عن سبل الله مدّعيا أنه لو أُذن له بإغواء الناس وجعْلهم يتّبعون خطواته فسيقعد لهم كل صراط ويغويهم ويجعلهم يتّبعونه بطرق وأعذار مختلفة، وقد ادّعى الشيطان أيضا أن الأغلبية من الناس سيتّبعونه. فكل ما نراه حادثا اليوم في العالم أن الذين يدّعون الإيمان أيضا يتّبعون الشيطانَ، بينما قد حذّر الله تعالى من ذلك. فيقول الله تعالى في القرآن الكريم:

وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ ،

ولكن ما يحدث في العالم الإسلامي في هذه الأيام إذ يقتلون بعضهم إنما هو اتّباع خطوات الشيطان. كذلك إن قتل الناس بصورة جماعية كما يحدث نتيجة هجمات المتطرفين والإرهابيين فهذه كلها أيضا أفعال شيطانية تقود إلى جهنم. ولكن أصحاب هذه الأفعال الشنيعة يفعلون كل هذا نتيجة إغواء الشيطان وطمعا في دخولهم الجنة. يقول الشيطان بأنكم لو فعلتم ذلك لدخلتم الجنة ويقول الله تعالى بأنكم لن تدخلوا الجنة نتيجة هذه الأعمال بل ستدخلون جهنم لأنكم تتبعون خطوات الشيطان.

يجب على كل مؤمن أن يذكر الله دائما للنجاة من هجمات الشيطان. لقد استأذن الشيطانُ الله تعالى في البداية لصرف أبناء آدم عن سبل الله مدّعيا أنه لو أُذن له بإغواء الناس وجعْلهم يتّبعون خطواته فسيقعد لهم كل صراط ويغويهم ويجعلهم يتّبعونه بطرق وأعذار مختلفة…

فيأمر الله تعالى المؤمنين أن يحاسبوا أنفسهم دائما وينتهبوا هل يتبعون خطوات الشيطان أم لا. وقد يكون اتّباعكم خطوات الشيطان بإنكاركم أمورا بسيطة أو بكسبكم ذنوبا كبيرة. ليس ضروريا أن المتطرفين فقط الذين ذكرتهم على سبيل المثال هم وحدهم يتّبعون خطوات الشيطان بل عندما ينحرف الإنسان عن أصغر أمر أيضا من أوامر الله فإنه يتّبع الشيطان. فهناك حاجة لأخذ الحيطة والحذر بعين الاعتبار إلى أقصى الحدود في هذا المجال، أي هناك حاجة ماسة ليكون المرء مؤمنا حقيقيا وينقذ نفسه من هجمات الشيطان. عندما يهاجم الشيطانُ الإنسانَ ويغويه يفعل ذلك بطريقة لا يدركها الإنسان بسهولة، كذلك عندما يغوي الناس ويُرغّبهم في السيئات ويُبعدهم عن العمل بأوامر الله فلا يقول لهم صراحة أن اعصوا الله أو ابتعدوا عنه واكسبوا سيئات كذا وكذا بل يقودهم إلى السيئات متخذا الحسنات وسيلة. عندما صرف الشيطان آدمَ عن أمر الله فعل ذلك متخذا الحسنة وسيلة لها. الآية التي تلوتها في مستهل الخطبة توضح كيف تنتشر السيئات في المجتمع وكيف تنتشر من مكان إلى آخر حتى تحيط بمنطقة شاسعة عندما يتّبع الإنسان خطوات الشيطان، وفي هذه الحالة عندما يخطو الإنسان خطوة ثانية بعد الخطوة الأولى فهذا يعني أنه ينشر السيئات. في البداية تبدو السيئة بسيطة أو يزعم صاحبها أن هذه السيئة الصغيرة لن تلحق به أو بالمجتمع أيّ ضرر، ولكنها عندما تنتشر إلى منطقة شاسعة أو يتورط فيها الناس بكثرة أو يغضون الطرف عنها أو لا يصفونها بالسيئة خوفا من المجتمع، أو يشعرون بشعور الدونية زاعمين أننا لو شجبناها علنًا فهذا قد يحطّ من مكانتنا في المجتمع، فيسكتون عنها. هناك أمور كثيرة تحدث في هذا المجتمع باسم الحرية وتقبلها الحكومات أيضا مع أنها سيئات. فمثلا هناك سيئة تلاحظ في هذا المجتمع وهي صغيرة ظاهريا في نظر هؤلاء الناس إذ يقولون بأن ارتداء الحجاب يؤدي إلى غصب حقوق المرأة. ويقال كلام كثير ضد الحجاب في هذا المجتمع لأنه لا ضير عندهم في عدم ارتداء الحجاب، لذا لم تكن هناك حاجة ليكون هناك أمر في الشريعة بشأنه بحسب رأيهم. وبعض الفتيات يشعرن بشعور الدونية نتيجة ذلك ويقلن في أنفسهن: ماذا يقول الناس لنا، أو أن صديقاتهن لا يحبِبن الحجاب، أو في بعض الأحيان يستهزئ بهنّ الطلاب أو الأساتذة فيتقاعسن عن ارتداء الحجاب. يقول الشيطان في مثل هذه الحالات: هذا أمر بسيط، ولن تلحقن أيّ ضرر بكرامتكنّ بترككنّ هذا الأمر البسيط، فيمكنكن أن تخلعن الحجاب أو الخمار أو الوشاح لاجتناب القيل والقال من المجتمع. فالمرأة أو الفتاة لا تنتبه إلى أن هذا الأمر قد ورد في القرآن الكريم. وليكن معلوما أن كرامة المرأة تكمن في لباسها المحتشم وأن كرامتها في عدم الاختلاط غير المبرر بالرجال. ففي هذا المجتمع أيضا هناك فتيات أحمديات بفضل الله تعالى إذا اعترض الرجال على حجابهن يقمن بالرد عليهم ردودا مفحمة ويقلن: هذا شأننا نفعل ما نريد ونحب، لماذا تحرموننا الحريةَ بإكراهنا على نزع الحجاب، فمن حقنا أن نلبس ما نريد. ولكن توجد بين الأحمديات مَن يقلن إن لبس الحجاب والخمار صعب جدا في هذا المجتمع إذ نشعر بالخجل بلبسه.
فعلى الوالدين أيضا أن يُشعروا البنات منذ الصغر أنه يجب أن يشعرن بالخجل عند عدم العمل بتعليم الإسلام لا عند طاعة أمر الله تعالى.
أما الشباب فهناك سيئات تتسرب إليهم سرًا بتأثير المجتمعات الحرة، وإذا أصيبوا بسيئة وقعوا في سيئات أخرى أيضا.

ليكن معلوما أن كرامة المرأة تكمن في لباسها المحتشم وأن كرامتها في عدم الاختلاط غير المبرر بالرجال. ففي هذا المجتمع أيضا هناك فتيات أحمديات بفضل الله تعالى إذا اعترض الرجال على حجابهن يقمن بالرد عليهم ردودا مفحمة ويقلن: هذا شأننا نفعل ما نريد ونحب، لماذا تحرموننا الحريةَ بإكراهنا على نزع الحجاب

وللنجاة من هجمات الشيطان هناك حاجة لاتخاذ ملاذات تحمينا من هجماته بكل أنواعها، بل تجعلنا نرد عليه بهجمات مضادة. إن ما يبديه لكم الشيطان من حب لا تحسبوه حبًا ولا تُدخلوه في حياتكم، بل على كل مسلم أحمدي أن يسعى للدخول في ملاذ الله تعالى بالاستغفار كل حين. إن أكبر ملاذ للنجاة من الشيطان هو الله تعالى، ففي هذا العصر الفاسد يجب علينا السعي للدخول في ملاذ الله تعالى مستغفرين، لأن الاستغفار هو الوسيلة التي يستطيع بها الإنسان الدخول في ملاذ الله تعالى.
لا أحد من الناس يتوجه إلى السيئة متعمدا، فمما يخالف فطرة الإنسان أن يرتكب فعلاً وهو يعلم أنه ضار. أما المؤمن الحقيقي فإن الله تعالى قد فصَّل له الحسنات والسيئات تفصيلا، فعلينا أن نميز بين الحسنات والسيئات على ضوء هدي الله، ونسعى لفعل الحسنات وترك السيئات. الشيطان يعلم أنه لا يقدر على أن يضر الإنسان ما دام في ملاذ الله تعالى، لذا فهو يخرجه أولاً من هذا الملاذ وهذا الحصن الذي يكون في مأمن فيه، ثم يجعله يتبعه. والواضح أن الشيطان يُخرج الإنسان من ملاذ الله بإغرائه بالسيئة على أنها هي الحسنة، وبتعبير آخر لا يمكن للشيطان إخراج المؤمن من ملاذ الله إلا باسم الحسنات. في بعض الأحيان يتم بين الرجل والمرأة وباسم الحسنة أو المواساة الإنسانية أو مساعدة الآخرين التعارف الذي يؤدي إلى النتائج السيئة أحيانا، ومن أجل ذلك نهى النبي عن زيارة المرأة التي زوجها غائب عن البيت، وقد بيَّنَ الحكمة وراء ذلك فقال إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم في عروقه. وفي هذا الحُكم نفسه قد آتى النبي تعليمًا أساسيا وهو ألا يلتقي الرجل امرأةً من غير المحارم بحرية لأن هذا قد يتيح الفرصة للشيطان لفعل ما يريد. لذا فهناك حاجة أن يأخذ الأحمديون الحيطة بشكل خاص في هذا المجتمع الذي لا يرى بأسًا في التقاء الشاب والفتاة على انفراد بحجة الحرية.
ثم إن السيئات لا تنتشر بسبب الشباب والفتيات الأغرار فحسب، بل الملاحظ أن زيارة المتزوجين من الرجال والنساء بيوت الآخرين بدون وازع وباسم الحرية والصداقة أيضا تؤدي إلى مشاكل وتدمير عش الزوجية. لذا فمن واجبنا نحن الذين قد منَّ الله علينا إذ وفّقنا للإيمان بالمسيح الموعود عليه الصلاة والسلام وبيّن لنا حكمة كل حكم من أحكام الإسلام، أن نعمل بكل حكم لله تعالى ولرسوله بدون أي سؤال وتردد.
ومن السيئات المعاصرة التلفاز والإنترنت. لو فحصتم أحوال معظم البيوت لوجدتم أن الصغار والكبار فيها لا يصلون صلاة الفجر في وقتها لأنهم إما يظلون يشاهدون التلفاز أو ينشغلون بالانترنت إلى ساعات متأخرة بالليل فلا يستطيعون الاستيقاظ لصلاة الفجر. بل إن هؤلاء لا يفكرون أن عليهم أن يستيقظوا لصلاة الفجر. فالتلفاز والانترنت وغيرهما من الملاهي العابثة لا تضيع صلواتكم مرة أو مرتين، بل الواقع أن من يدمن عليها يصبح من عادته اليومية أن يشاهد هذه البرامج على التلفاز أو الإنترنت إلى ساعات متأخرة بالليل فيصعب عليه الاستيقاظ لصلاة الفجر، بل لا يستيقظ لها مطلقا، بل منهم من لا يعير صلاة الفجر أية أهمية. الصلاة أمر أساسي، وأداؤها ضروري حتى في الحرب والأذى والمرض، فلا بد له أن يصليها في كل حال حتى ولو صلاها قاعدًا أو مستلقيًا، أو قصرًا في الحرب أو السفر. وفي الحالات العادية قد أمر الله أن يصلي الرجال جماعةً وأن تصلي النساء الصلاة في ميقاتها. ولكن الشيطان يبعد الإنسان عن الصلاة من أجل برنامج دنيوي لا طائل منه على التلفاز أو النِّت. يوجد في النِّت برامج شتى ويوجد في الهواتف تطبيقات مختلفة، وهناك برامج في في الـ iphone والـipad، ويجعل الشيطانُ المرء مدمنا على هذه السيئات من خلال هذه الأجهزة باستمرار. كيف يغوي الشيطان؟ في البداية يشاهدون في هذه الأجهزة برامج جيدة، ثم يشاهدون كل برنامج فاسد مخرب للأخلاق. في كثير من البيوت دخل القلق والاضطراب لأن الزوج لا يؤدي حق الزوجة والأولاد، لأنه يظل منشغلا بمشاهدة البرامج السيئة على التلفاز والنت ليلا. ثم إن الأولاد في البيوت أيضا يصطبغون بصبغة أبيهم ويشاهدون ما يشاهده. لذا فعلى كل بيت أحمدي أن يسعى لتجنب هذه الأمراض كلها. كم كان النبي قلقًا لإنقاذ المؤمنين من هجمات الشيطان، وكيف كان يعلم أصحابه شتى الأدعية للنجاة من الشيطان، وكيف كان يعلمهم أدعية جامعة، قد ذكر أحد الصحابة هذا الأمر فقال: لقد علمنا رسول الله الدعاء التالي:

“اللهُمَّ أَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِنَا وَأَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِنَا وَاهْدِنَا سُبُلَ السَّلَامِ وَنَجِّنَا مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَجَنِّبْنَا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَبَارِكْ لَنَا فِي أَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُلُوبِنَا وَأَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ وَاجْعَلْنَا شَاكِرِينَ لِنِعْمَتِكَ مُثْنِينَ بِهَا قَابِلِيهَا وَأَتِمَّهَا عَلَيْنَا”.

فهذا هو الدعاء الذي يجنبكم من التسلية المادية الزائفة ومن كل ما هو لغو فاسد من الأفعال ومن هجمات الشيطان. تُرتكب اليوم في العالم أنواع السيئات باسم التسلية، وعندما يدعو المرء للبركة في الأسماع والأبصار وللسلامة وللخروج من الظلمات إلى النور ولأداء حق الزوجة، ولكون الأولاد قرة أعين، فسوف يرغب عن السيئات والفواحش تلقائيا، وهكذا يصبح المؤمن وسيلة لإنقاذ البيت كله من هجمات الشيطان. في هذا العصر الذي نعيش فيه، والأمر لا يتعلق ببلد، بل هذا هو حال العالم كله اليوم، فإن وسائل الإعلام قد قربت الناس من بعضهم. ولكنها، ولسوء الحظ قرّبت إلى اتِّباع الشيطان بدلا من أن تقرّب إلى الحسنات. في مثل هذه الحالة يجب على كل أحمدي أن يستعرض حالته أكثر من ذي قبل. إن الله تعالى أكرمنا بالقناة الفضائية الأحمدية وكذلك أنعم علينا بالموقع لبرامج الجماعة الروحانية والعلمية. فإذا اهتمَمنا بهذه الأشياء أكثر لتَقَرَّبْنا إلى الله تعالى وتجنَّبْنا الشيطان. ولو كنتم تريدون أن تشاهدوا القنوات التلفزيونية الأخرى للتسلية فلا بد أن يحتاط كثيرا الوالدان أنفسهما ويُراقبا أولادهما أيضا. ولا تشاهدوا إلا البرامج الجيدة وتجنَّبوا البرامج السخيفة والفاحشة، لأنها تؤدي إلى الفحشاء والمنكر، وإلى طريق يُبعد عن الله تعالى. ولكن على كل بيت أحمدي أن يستوجب اجتماعَ جميع أفراد الأسرة والاستماع إلى خطبة الجمعة مرة واحدة في الأسبوع على الأقل، وإضافة إلى ذلك عليهم أن يشاهدوا برامج أخرى على أيم تي إيه لساعة واحدة يوميا على الأقل. والبيوت التي تعمل بذلك يُرى فيها أن الأسرة كلها راغبة في الدين، يتعلم صغارهم الدينَ كما كبارهم. وكل من يعمل بذلك لن يستفيد دينيا فحسب بل سيبتعد عن الشيطان أيضا حتما وسيتوجه إلى نيل قرب الله تعالى، وستنزل السكينة في البيوت وتملؤها البركة، كما علّمنا النبي في الدعاء.
قالت لي إحدى الأمهات بأن ولدها كان جيدا حتى السابعة عشرة من عمره، وكان يصلي ويشارك في برامج الجماعة، ولكن بعد ذلك حين وجد بعض الحرية اتخذ أصدقاء أبعدوه عن الدين كليا. صحيح أن الشباب في سِنّ معيّنة يتأثرون من المحيط، ويمكن أن يتأثروا، ولكن لو كانت للآباء علاقة صداقة مع الأولاد وعلّموهم التمييز بين الخير والشر وجعلوا جوّ البيت دينيا، والآن –كما قلتُ- حيث منح الله تعالى أسباب التسلية كذلك أنعمَ ضمن أسباب التسلية أسباب التربية أيضا، فلو كان جميع أفراد الأسرة يجلسون مجتمعين ويستفيدون منها، وكان الأولاد يشعرون بأنهم يلقون اهتماما في البيت فلن يخرجوا من البيت ولن يقعوا في الأعمال السخيفة ولن يبحثوا عن الطمأنينة خارج البيت، بل سيجدون الراحة في بيوتهم. ثم يتحتّم على الآباء أن يربطوا أولادهم بالمسجد، ويُشركوهم في برامج التنظيمات الفرعية.
أقول هنا للتنظيمات الفرعية أيضا ولنظام الجماعة أيضا، وأخصّ التنظيمات الفرعية لأن من مسئوليتها أن تهتم بأعضائها، فلكل تنظيم أعضاء من أعمار معينة فهم يستطيعون أن يهتموا بهم بسهولة أكثر: على مجلس خدام الأحمدية أن يهتم بالخدام وعلى لجنة إماء الله أن تهتم بالنساء، والاهتمام بالأطفال والمراهقين من الخدام كما بالناصرات والإماء في سن المراهقة ضروري جدا بشكل خاص. وهذه مسئولية كبيرة للتنظيمات الفرعية أن تربط هؤلاء بالجماعة بقوة. يجب على مجلس خدام الأحمدية أن يُشكّل مجموعاتٍ من الخدام الذين من شأنهم أن يربطوا بأنفسهم الشبابَ ذوي الطبائع المتنوعة. ولكن في معظم الأحيان تشكو البنات الشابات أن الإماء الكبيرات في السن تُعاملهن بقسوة، وخصوصا المسئولات، حيث يُبعِدن الفتياتِ عن برامج التنظيم حتمًا إن لم يكنّ يُبعدْنهُنّ عن الدين. والمعلوم أن الفتيات اللواتي يبلغن 15 عام يلتحقن بلجنة إماء الله وليس لهن تنظيم منفصل. على كل، يجب على المسئولات أن يعاملْن البنات الشابات بحيث يربطْنهن بالمسجد وبالتنظيم والجماعة، وإلا فالشيطان يترصد دوما أين يظهر ضعف، ويشكو أحدٌ أحدَ المسئولين فيهاجمه ويتغلب عليه.

ومن السيئات المعاصرة التلفاز والإنترنت. لو فحصتم أحوال معظم البيوت لوجدتم أن الصغار والكبار فيها لا يصلون صلاة الفجر في وقتها لأنهم إما يظلون يشاهدون التلفاز أو ينشغلون بالانترنت إلى ساعات متأخرة بالليل فلا يستطيعون الاستيقاظ لصلاة الفجر.

إننا آمنا بالمسيح الموعود لذا فنحن بواسطة المسيح الموعود في معركة أخيرة مع الشيطان، ولكن إذا كنا بسبب أعمالنا نعطي الشيطان فرصة أن يقبض على أولادنا في هيئة مواسٍ لهم بسبب معاملة المسئولين السيئة، فمِثل هؤلاء المسئولين، رجالا كانوا أم النساء، ليسوا أنصار المسيح الموعود ، بل هم أنصار الشيطان. لذا ينبغي على كل مسئول أن يسعى بشكل خاص ليجنّب نفسه وأفرادَ الجماعة من هجماتِ الشيطانِ. فمن الضروري أن نفهم فضْلَ الله تعالى علينا وننالَ رضى الله . وكذلك ينبغي أن يتذكر الشباب والشابات أيضا أن الله تعالى تفضّل عليهم إذ وفّقهم لقبول الأحمدية أو خلقهم أحمديين، ووفَّقهم للإيمان بالمسيح الموعود الذي بشّر النبي بمجيئه، والذي من شأنه أن يهزم الشيطان في هذا الزمن، لذا عليهم ألا يبتعدوا عن الدين بسبب سوء تصرف مسئول أو سوء تصرف مَن يزعم الصلاح أو مَن هو أكبر منهم، بل عليهم أن يُصبحوا أعوان المسيح الموعود ويدعوا الله تعالى من أجل ذلك.
يقول الله تعالى: إنني سميع وعليم، أعلم بمدى خوفكم من هجمات الشيطان، وأعرف أنكم تسعون لتجتنبوه وتدعون لذلك، لذا سأسمع أدعيتكم. عليكم بالدعاء واجتناب البيئة التي تولّد أفكارا سلبية، والتي تدفع الإنسان إلى وقوعه في فخ الشيطان. فادعوا لكي تجتنبوا الشيطان دوما. يقول الله تعالى: ما تقومون به من جهود وأدعية بِنِية صالحة ستكون مقبولة عند الله تعالى وستُحفَظون من الشيطان. وكذلك على الذين فُوّضت إليهم خدمة الدين وسُلّمت إليهم مهمة تربية أفراد الجماعة وإرشادهم، أن يسعوا بشكل خاص ليجعلوا أقوالهم وأفعالهم وفق مرضاة الله تعالى، ويدعوه مخلصين له ألّا يقع أحد في حضن الشيطان بسبب سوء تصرفهم، وألّا يكون أيٌّ من أفراد الجماعة ممن يتبعون الشيطان لأي سبب. يقول الله تعالى سأتقبل مثل هذه الأدعية المخلصة، وسأهديكم والذين يهاجمهم الشيطان، لكي تتمكنوا من اجتناب هذه الهجمات، وإلا من دون نصرة الله تعالى ومن دون خضوعكم له لا تستطيعون أن تتجنبوا هجمات الشيطان، لذا عليكم أن تتحروا نصرة الله تعالى.
كما قلتُ كان قول الشيطان لله تعالى إن لم تمنعني قهرا وأمهلتني سأُغوي الناس وأبذل كل الجهد لذلك. إلى أي مدى يذهب الشيطان في سعيه؟ دعوا المؤمن العادي فالشيطان يسعى ليتغلّب على أولياء الله أيضا حتى في وقتهم الأخير، ويحاول أن يجعلهم يقومون عند موتهم بما يؤدّي إلى وقوعهم تحت سيطرته. ذكر شخصٌ منامَه في مجلس المسيح الموعود فقال بعد سماعه: لقد انتهت هذه الرؤيا على أمر عجيب. يريد الشيطان أن يخدع الإنسان بأنواع التمثُّلاث، لكن يبدو أن عاقبتك حسنة جدًّا، لأن نهاية هذه الرؤيا في موضع حسن. الذي كان يقص رؤياه بدأ من نهاية رؤياه أنه نجا من الشيطان، حيث كان الشيطان هاجمه، ويحدث كثيرًا أن الإنسان حين يبذل الجهود لاجتناب هجمات الشيطان ينجو، أو بفضل من الله ، فقد ورد عن أحد أولياء الله أنه حين توفي كانت آخر كلمة تفوَّه بها، “ليس بعد، ليس بعد” أي قبيل وفاته قد جرت على لسان “ليس بعد، ليس بعد” فحين سمع أحدُ مريديه هذه الكلمة حيث كان جالسا قريبا منه استغرب جدًّا، وبدأ يدعو الله باكيًا ومتضرعًا ليلَ نهارَ، ليكشف عليه الأمر أنه لماذا قال ذلك الولي قبيل وفاته “ليس بعد، ليس بعد” ، وأخيرا حصل له اللقاء مع ذلك الولي في الرؤيا: فسأله لماذا نطقتَ هذه الكلمة الأخيرة في حياتك؟ فأجاب: بما أن الشيطان يهاجم كل إنسان قبيل الموت لكي يسلب منه نور الإيمان في هذه الساعة الأخيرة، فقد جاءني أنا أيضًا وأراد أن يردّني عن الإسلام، وحين خيَّبت كل هجوم له، قال لي قد انفلتَّ من يدي سالمـًا، عندها قلتُ: “ليس بعد، ليس بعد”: أي لستُ في مأمن منك حتى أموت.”
صحيح أنك تُغويني وأنا أتخلص منك لكنك ستظل تغويني حتى ألفظ آخر أنفاسي، وإلى ذلك الحين لا أستطيع أن أقول إني قد تخلصت منك. فهذا هو معيار أولياء الله الذي أقاموا لنا نماذج. فالشيطان يبذل قصارى جهده أن يجعل عاقبة أولياء الله أيضا بحيلة ما وخيمة، وبذلك يتسبب في دخولهم جهنم. فالمؤمن العادي أمامه موقف مخيف جدا، حيث يمكن أن تسوقه لحظة الغفلة إلى حضن الشيطان، لذا يجب الدوام على التوبة والاستغفار.
ثم يقول في موضع في بيان ذكر محاولات الشيطان للهجوم على الإنسان، وإفساد أعماله:

“إن الشيطان يتربص بالإنسان كل حين وآن ليُفسد أعماله حتى يريد أن يُضله في الأعمال الحسنة ويسعى جاهدا لإفسادها بأي طريقة ممكنة. فحين يصلي المرء يريد الشيطان أن يفسدها بشعبة من الفساد مثل الرياء فالإنسان يصلي وهو عمل حسن لكن الشيطان يلقي في قلبه فكرة الرياء لكي لا تبقى صلاته خالصة لله ويريد أن يلقي الإمام أيضًا في ابتلاء، فيجب ألا يتغافل المرء عن هجماته، فإن هجماته تكون على الفساق والفجار علنا، أي المنغمسين في المادية والمنحرفين المبتعدين عن الدين فهم صيدُه، لكنه لا يتورع عن الهجوم على الزهّاد أيضًا، أي لا يتورع عن مهاجمة الصلحاء والزهاد أيضا ويشن عليهم أيضًا الهجوم عندما تسنح له الفرصة. فالذين يعيشون في كنف فضل الله ويطلعون على أدق مكايد الشيطان، فهم يدْعون الله ليعصمهم منه، أما الذين ما زالوا ضعافا وناقصين فهُم يتعرضون للابتلاء أحيانا.”

لذا يجب على المؤمن أن يداوم على الاستغفار ويتضرع إلى الله كل حين وآن أن يعصمه من كل مكيدة للشيطان.
يقول سيدنا المسيح الموعود لافتا أنظارنا إلى الاستغفار:

“لقد فرض الله على الإنسان الدوام على الاستغفار ليطلب منه الحماية من جميع الخطايا- الظاهرة والخفية، سواء كان على علم بها أو يجهلها وكان قد ارتكبها باليد أو بالرِجل أو باللسان أو بالأنف أو بالأذن أو بالعين. في هذه الأيام، يجب ترديد دعاء آدم وهو: رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ

ثم قال حضرته ناصحًا في موضع آخر:

“أيها الأعزة، لا تنظروا إلى أحكام الله باستخفاف، فلا يؤثِّرنّ فيكم سمُّ الفلسفة المعاصرة. امشُوا تحت أوامره كطفل صغير. الصلاةَ الصلاةَ، فإنها مفتاح كل قوة وقدرة. عندما تقومون للصلاة فلا تصلُّوها وكأنكم تمارسون تقليدا محضا. كلا بل يجب عليكم أن تقوموا بوضوء باطني كما تقومون بوضوء مادي قبل الصلاة، فاغسلوا جوارحكم من التفكير في غير الله تعالى، ثم بهذين الوضوءين قوموا للصلاة، وادعُوا فيها كثيرًا، وتَعوَّدوا على البكاء والابتهال لكي تُرحَموا.
الصدقَ الصدقَ، فهو ينظر إلى قلوبكم. تمسكوا بالصدق في كل أمر دوما، يجب أن يكون في حسبانكم عند أخذ كل خطوة أنه مطلع على ما في قلوبكم فهل يسعُ إنسانًا أن يخدعه ؟ وهل ينطلي عليه مكر أو خداع؟ إنه لشقيٌّ جدًّا ذلك الإنسان الذي أوصل أعماله الفاسقة إلى درجة كأن الله ليس موجودا، فإنه يُهلَك سريعا ولا يعبأ الله به.
أيها الأعزة، إن منطق الدنيا المحضَ شيطانٌ، وإن فلسفتها الجوفاء إبليس يقلل نور الإيمان كثيرا إن البحث عن المنطق والتبرير في كل أمر أمور شيطانية، فلا تكتفوا بها وحدها بل يجب أن تبحثوا عن الله أيضا، ويؤدي إلى ارتكاب أنواع التجاسر، ويوصل إلى درجة تقرُب من الإلحاد. أي إذا اتبعتم المنطق والفلسفة فقط فسوف ينتقص نور إيمانكم ويتولد فيكم التجاسر فأنقِذوا منها أنفسكم واخلقوا فيكم قلبا يتسم بالتواضع والمسكنة، وامتثِلوا للأوامر دون تردد وانقباض كما يمتثل الولد لأوامر أمه. إن تعاليم القرآن الكريم توصل إلى الدرجة العليا من التقوى، فأَصْغوا إليها واجْعلوا أنفسكم بحسبها”.

نسأل الله أن يجعلنا من الذين يجتنبون اتباع خطوات الشيطان، والذين يعملون بتعاليم القرآن الكريم خاضعين له ومستعينين به ومستجيبين لأوامره، ومن الذين يشكرون الله على أنه وفَّقَنا للإيمان بمن بعثه من عنده الذي قُدِّر له أن يهزم الشيطان. وفَّقنا الله أن نكون من الذين يؤدُّون حق بيعتهم للمسيح الموعود ويُفشلون كل هجمة للشيطان ويخيِّبونه، وفقنا الله لذلك.

Share via
تابعونا على الفايس بوك