«اعلموا أن علاج القوم في السماء،  لا في أيدي العقلاء.»
التاريخ: 2011-04-15

«اعلموا أن علاج القوم في السماء،  لا في أيدي العقلاء.»

حضرة مرزا مسرور أحمد (أيده الله)

حضرة مرزا مسرور أحمد (أيده الله)

الخليفة الخامس للمسيح الموعود (عليه السلام)
  • إن ما ذكره المسيح الموعود عن صورة الملوك المسلمين وحكام الشعوب والمشايخ، تؤكدها تصرفات المسلمين اليوم.
  • الحل للنزعات كلها بين المسلمين هو اعدم لإيمان بالمسيح الموعود عليه السلام وإن سلامة المسلمين تكمن في الإيمان بحضرته.
  • لا شك أن الله يهدي عباده اليوم كما كان يهدي في الماضي.
  • الجهود لدنيوية إذا كانت منافية لمشيئة الله فلا يمكن أن يباركها.
  • لم يتمكن علماء المسلمين من دحض مطاعن القسيسين وتبكيتهم بالأدلة كما فعل علماء الأحمدية.
  • أعمال الملوك لا تمت للإسلام بصلة

__

«اقرأوا قصص السابقين في الكتاب المبين، وما بُدّلتْ سُنن الله في الآخِرين.»

أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك لـه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد فأعوذ بالله من الشيطان الرجيم. بسْم الله الرَّحْمَن الرَّحيم * الْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمينَ * الرَّحْمَن الرَّحيم * مَالك يَوْم الدِّين* إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإيَّاكَ نَسْتَعينُ * اهْدنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقيمَ * صِرَاط الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْر الْمَغْضُوب عَلَيْهمْ وَلا الضَّالِّين . (آمين)

قبل أسبوعين تحدثتُ في الخطبة عن تصرفات الحكام الخاطئة وعدم اهتمامهم بأداء حقوق الشعب على وجه صحيح، وسلوك الشعب وردّة فعلهم، ووضَّحتُ ذلك كلَّه في ضوء تعاليم القرآن الكريم وأحاديثِ الرسول وأقوال المسيح الموعود ، وبيّنتُ كيف ينبغي أن يتصرف المسلم الحقيقي في مثل هذه الأوضاع. وبما أن الشعوب العربية تنشط في هذه الأيام في السعي للإطاحة بحكامهم واستعادة حقوقهم منهم، فإن المسلمين الأحمديين المقيمين في البلدان العربية يهتمّون بهذا الموضوع أكثر، ونظرًا لهذه الرغبة والاهتمام، فإن أسرة “الحوار المباشر” على القناة الإسلامية الأحمدية الثالثة العربية -الذي يُبث مباشرا كل شهر لأربعة أيام بدءًا من الخميس الأول من كل شهر لغاية الأحد- قد تناولوا هذا الموضوعَ في هذا البرنامج هذا الشهرَ. ومع أنهم لم يتحدثوا مباشرةً عن الأوضاع السياسية السائدة في البلاد العربية، إلا أنهم قد تكلموا عن أوضاع المسلمين السائدة بشكل عام. ولقد أخبرني مقدِّم هذا البرنامج السيد محمد شريف عودة عن بعض ما جرى في هذا البرنامج إجمالاً، ثم أرسل إليَّ بعض المقتطفات من كتاب “الهدى والتبصرة لمن يرى” لسيدنا المسيح الموعود – والجزء الأول من هذا الكتاب قد نُشرتْ معه الترجمة الأردية أيضا- وأخبرني أن كل هذا المضمون ينطبق بصفة خاصة على أحوال رؤساء هذه البلاد التي تندلع فيها هذه الفتن حاليا. بل الحق أنه لا يخص الحكامَ فحسب بل ينطبق على أوضاع الجماهير والمشايخ أيضا، فقد تحدث سيدنا المسيح الموعود في الجزء التالي للكتاب عن العلماء والمشايخ. ولعلّ أعضاء “الحوار المباشر” قد تكلموا بالتفصيل في البرنامج انطلاقا من هذا الموضوع.

إن المسيح الموعود لم يكتفِ في كتابه بذكر هذا الوضع المخيف والمخجل للمسلمين وملوكهم، بل قد بيَّن لهم الحل أيضا، وهو أن مسيح الزمان الذي كان نازلاً قد نزل، وأن آلاف الآيات والتأييدات السماوية تشهد على بعثته…

على كل حال، أود اليوم أن أتكلم أنا أيضا حول هذا الموضوع قليلا، فالصورة التي رسمها المسيح الموعود لا تخصّ بعض البلاد التي ثار الشعب فيها اليوم متحمسا ضد الحكام، بل إن صورة الملوك المسلمين والحكام والشعوب والمشايخ التي رسمها حضرته قبل ما يقارب مائة عام، تؤكدها تصرفات المسلمين اليوم أيضا في جميع البلاد الإسلامية وتصدِّق ما قاله حضرته عندها، إذ نلاحظ نفس الأوضاع في العصر الراهن أيضا. وإذا تعمقنا في الموضوع أكثر وجدنا أن هذا الوضع لم يكن في البلاد الإسلامية في زمن المسيح الموعود فقط، بل إن هذا هو حال حكام وشعوب ومشايخ البلدان الإسلامية التي ظهرت بعد وفاته . ثم إن المسيح الموعود لم يكتفِ في كتابه بذكر هذا الوضع المخيف والمخجل للمسلمين وملوكهم، بل قد بيَّن لهم الحل أيضا، وهو أن مسيح الزمان الذي كان نازلاً قد نزل، وأن آلاف الآيات والتأييدات السماوية تشهد على بعثته، وأن سلامة المسلمين الآن إنما تكمن في الإيمان به تحقيقًا لنبوءة النبي ، وليس لسلامتهم سبيل آخر أبدًا. ولكنهم قد قابَلوه بمعارضة شرسة بدلاً من أن يقبلوه. غير أنه ظهر بعد إعلانه دعواه أمرٌ حسن أيضا، وهو أن أعداء الأحمدية أيضا بدأوا ينشطون في نشر الإسلام مدَّعين خدمته، والله أعلم بحقيقة مساعيهم ومدى التياعهم للإسلام، ولن أخوض في تفاصيل ذلك. لا شك أن بعض المنظمات الإسلامية قد سعتْ لنشر رسالة الإسلام، وحيث إنها تفتقر إلى التوجيه الإلهي المباشر، فقد ظهرت منهم كثير من البِدَع والمستحدثات أو أنهم ظلَّوا يروّجون الأفكار الخاصة لمدارسهم الفكرية التي كانوا ينتمون إليها، مهملين تعليمَ الإسلام الأصيل الأساس. أما الحَكَمُ العَدْلُ الذي قدَّر الله تعالى ظهوره والذي كان سيميز الخطأ من الصواب والباطلَ من الحق فكان شخصا واحدا، وبدون الإيمان بذلك الحَكم العدْل كان بدهيًّا أن تسود النظريات الخاطئة والبدعات. على كل حال، قد تحرّكَ المسلمون، وتولدت في طبقة منهم الرغبة في الدين بالفعل وزادت. وكان مبعث هذه الرغبة في الحقيقة سعيُهم لإزالة القلق الكامن في النفوس، وهذا أيضا كان بحسب القدر الإلهي وذلك ليبحثوا عن المبعوث الإلهي في هذا الزمن. ولا شك أن بعض السعداء الذين نزل ولا يزال ينـزل عليهم فضل الله ينجحون في هذا البحث، ولكن البعض الآخر يُتوفَّون في الطريق أثناء سعيهم لإزالة ما في نفوسهم من قلق واضطراب وذلك نتيجة وقوعهم في أيدي الخاطئين. فحينما تصِلني تفاصيلُ رحلة المبايعين إلى الأحمدية يتبين لي مدى قلق الأرواح السعيدة للوصول إلى الحق، وكيف هداهم الله أخيرًا. إن بعضهم يعتبرون وصولهم إلى الهُدى مصادفةً، والحق أنها ليست مصادفة بل هي تصديقٌ للإعلان  الرباني: يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ . باختصار هناك أحداثٌ كثيرة جدا سأتناولها لاحقا في وقت من الأوقات كما ذكرتُ لكم في الخطبة الماضية أحداثَ صحابة المسيح الموعود ، لتعلم الدنيا أن الله يهدي عباده اليوم أيضا كما كان يهدي في الماضي. حين لاحظتِ الحكومات الإسلامية تقدُّمَ الجماعة ونشاطها الدعويّ وانتشارَ تعاليم الإسلام الجميلة في العالم بجهود الأحمديين ووصول المسلمين ذوي الفطرة السلمية إلى أحضان الأحمدية كل يوم، فقد حاولت بعض هذه الدول إرسال مشايخها ببذل جزء من أموالها، ففُتحت المدارس في البلدان الأفريقية ولا تزال تُفتح، وأُسّست الدوائر والمؤسسات باسم الجامعات الإسلامية. وحكوماتُ هذه البلادِ الفقيرة والناميةِ أو غيرِ الراقية تقدّم لهذه المؤسسات تسهيلاتٍ طمعًا في جلب الثروة الخارجية إلى بلادها أكثر تحسينًا لاقتصادها، لكن هؤلاء المشايخ المزعومين الذين ذهبوا هكذا لنشْر الدعوة باسم هذه المراكز الإسلامية لم يسعوا لتربية المسلمين بقدر ما ركّزوا على التخطيط ضد الجماعة الإسلامية الأحمدية، وقد فشلوا في سعيهم ولا يزالون يفشلون إلا ما شاء الله. غير أن أوضاع الفقراء في بعض هذه البلاد الأفريقية قد تحسَّنت إلى حد ما بهذه الطريقة. عندما يتبين للناس التعليمُ الحقيقي للإسلام من خلال دعوة سيدنا المسيح الموعود ويفهمون هذه الدعوة مرة، فكلُّ من يتألم من أجل الدين يولي هذه الدعوةَ أهميةً ويستعدّ لتقديم كل أنواع التضحية في سبيلها. إن النور الذي ينـزل من الله لا يستطيع الناس مقاومته ولا يمكن لأية جهود بشرية مناهضته. فمهما حاولت هذه البلاد الغنيّة إبعاد الناس عن الأحمدية باسم خدمة الإسلام فلن تنجح، إن كل لبيب يميز الصدق من الكذب. فالجهود الدنيوية ولو كانت باسم الله، إذا ما كانت منافية لمشيئة الله، فلا يمكن أن يبارك فيها، إنما العمل الذي يرافقه التأييد الإلهي هو الذي يبارَك فيه وتظهر له نتائج حسنة. إن دعاة الأحمدية ومعلّميها وأبناءها الذين يقيمون في المناطق التي تظهر فيها هذه التأييدات الإلهية كل حين وآن، حين يلاحظونها يزدادون إيمانًا على إيمانهم باستمرار. لقد ذكر سيدنا المسيح الموعود آية ربانية جليلة تظهر تأييدًا له كل يوم. يقول وهو يتحدث عن نبوءاته الواردة في كتابه “البراهين الأحمدية”:

لقد علَّمَني الله في هذا الكتاب دعاءً، أعني أنه تعالى قد أوحى إلي: “رَبِّ لا تذرْني فردا وأنت خير الوارثين”، أي: لا تتركني وحيدا بل اجعلْني جماعةً. ثم وعدني في موضع آخر: “يأتيك مِن كل فجٍّ عميقٍ”، أي: سوف يهيئ الله لي الأموال ولوازمَ ضيافة القادمين من كل طرف، وأنهم سوف يأتونني من كل سبيل. ففكِّروا الآن هل كان أحد يأتيني في الزمن الذي نُشرتْ فيه هذه النبوءة أو ذُكرتْ للناس؟ أقول حلفًا بالله لم يكن أحد من الناس يعرفني، وأحيانا كانت تصلني رسالةٌ واحدة أو يأيتني ضيف وحيد في السنة الكاملة، وأحيانا لم يكن يأتيني حتى رسالة واحدة ولا ضيفٌ واحد. ثم قال حضرته : إن ازدياد الزوّار وحضور المخلصين ومبايعتهم آيةٌ تتجدد كل يوم (ونحن لا نزال نرى تحقُّق هذه الآية حتى اليوم، فرغم جميع أنواع المعارضة وجهودِ بعض المرتدين الذين أبعدتْهم الأطماعُ الدنيوية عن الدين، إنني أتلقى في الرسائل يوميا بشارة عشرات ومئات وألوف البيعات بلا انقطاع، حيث تصلني استماراتُ البيعة التي تحتوي على وقائع تزيد الإيمان مما يدل على أن لا أحد غير الله يقدر على إحداث هذه الحالة في قلوب ومشاعر هؤلاء المبايعين الجدد. ثم حين أسأل بعض المبايعين من أمريكا وأوروبا أثناء المقابلة عن قصة بيعتهم يقولون: لقد رغبنا في البحث عن الإسلام بواسطة صديق مسلم لهم غيرِ أحمدي، أو نشأ عندهم تلقائيا الاهتمامُ بالإسلام وتعرَّفوا بالمصادفة إلى المسلمين غير الأحمديين فاعتنقوا الإسلام، لكن حالة عدم الارتياح والطمأنينة لم تزُلْ عنهم وظلت تلازمهم، ثم تعرَّفوا بفضل من الله مصادفةً إلى الأحمدية ولم يجدوا مناصا من اعتناق الإسلام الحقيقي واللجوء إليه طمعا في الفوز بالطمأنينة وراحة البال. كذلك الآلاف بل مئات الآلاف من المسلمين السعداء حين يبحثون عن الحق بسبب فطرتهم السليمة تنكشف عليهم الحقيقةُ فيقبلون الحق فورا، فهؤلاء الذين ينضمون إلى الأحمدية من المسلمين يواجهون بعد قبول الأحمدية مشكلات جسيمة بشكل خاص من قبل عائلاتهم ومجتمعهم، ويتعرضون أحيانا للأوضاع المؤذية جدا، لكنهم بفضله يثبتون على الأقدام دوما، ويطلبون مني أيضا على الدوام الدعاء لاستقامتهم، فهم يَثبتون، لئلا يرتكبوا الذنب بالابتعاد عن الحقيقة بعد أن عرفوها. إنهم يعلمون برؤية حالة علمائهم أن هناك تعارضًا صارخًا بين أقوالهم وأفعالهم. وليس عندهم من العلم ما يستطيعون به الرد على مطاعن أهل الأديان الأخرى، بل إن بعضهم يداهنون، دَعْ عنك أن يدافعوا عن الإسلام، أو يقولون لا داعي لنقاش هؤلاء القوم، لأن الإسلام لا يسمح بنقاشهم. إن العرب -ولا سيما الذين يشاهدون قناتنا ايم تي أي العربية، سواء منهم من انضم إلى الأحمدية أم لم ينضم- قد أدرك معظمهم أنْ لا أحد من علمائهم يستطيع دحض مطاعن القسيسين وتبكيتهم بالأدلة والبراهين كما يفعل علماء الأحمدية، بل إن علماءهم لا يبلغون شأو علماء الأحمدية في هذا المجال. إنني أتلقى رسائل كثيرة من العرب الذين يقولون إننا كنا في كرب شديد من كثرة سماع مطاعن القسس على الإسلام، وكنا ندعو الله تعالى أن يكشف كربنا هذا ويُرينا عظمة الإسلام، فاستجاب الله دعاءنا، واطلعنا بالصدفة على قناة ايم تي أي. لقد ردّ علماء الأحمدية على الطاعنين على الإسلام ردًا مدعما بالبراهين مما سكّتهم وبكّتهم، كما جعلنا نعيش مطمئنين ومرفوعي الرؤوس. وسوف أقرأ على مسامعكم في فرصة أخرى ما ذكروه في رسائلهم من أحداث ومشاعر وانطباعات، أما الآن فسوف أقدم لكم بعض ما قاله سيدنا المسيح الموعود في كتابه “الهدى والتبصرة لمن يرى” في وصف حالة  ملوك المسلمين وحكامهم ومشايخ وعامتهم.

إن النور الذي ينـزل من الله لا يستطيع الناس مقاومته ولا يمكن لأية جهود بشرية مناهضته. فمهما حاولت هذه البلاد الغنيّة إبعاد الناس عن الأحمدية باسم خدمة الإسلام فلن تنجح…

يقول حضرته :

“ظهر الفساد في المسلمين، وصارت ككبريتٍ أحمرَ زُمَرُ الصالحين (يعني: قد انعدم الصلاح مِن بينهم) ما ترى فيهم أخلاق الإسلام، ولا مواساة الكرام. لا ينتهون من التخليط ولو بالخليط، ويجرّعون الناسَ من الحميم (أي يؤذونهم)، ولو كان أحد كالوليّ الحميم. ولا يكافئون بالعشير، ولو كان أخ أو من العشير. لا يصافون شفيقا ولا شقيقا، ويستقِلّون (أي: يعتبرونه قليلا) جزيلَ المواسين ولا يُحسنون إلى المحسنين. ويخيّبون الناس من عوارف، ولو كانوا من معارف. ويبخلون بما عندهم مَرافقهم، ولو كان مُرافقَهم، بل إذا أجلتَ فيهم بصرك، وكرّرتَ في وجههم نظرك، وجدت أكثرَ طوائف هذه الملّة، قد لبسوا ثياب الفسق وترك الديانة والعفّة. وإنّا نذكر ههنا نُبذًا من حالات ملوك زماننا وغيرهم من أهل الأهواء، ثم نكتب بعده ما أراد الله لدفع تلك المفاسد وتدارُكِ الإسلام والمسلمين من السماء.”

(ثم يقول حضرته عن حالات ملوك الإسلام،  أقرأُ الترجمة الأردية التي كتبها حضرته تحت العبارة العربية):

“اعلمْ، رحمك الله، أن أكثر طوائف الملوك وأولي الأمر والإمرة، الذين يُعَدّون مِن كبراء هذه الملّة، قد مالوا إلى زينة الدنيا بكل الميل والهمّة… وما بقي لهم شغل من غير الخمر والزمر والشهوات النفسانية. يبذلون خزائن لاستيفاء اللذّات الفانية، ويشربون الصهباء جهرةً على شاطئ الأنهار المصرّدة والمياه الجارية، والأشجار الباسقة، والأثمار اليانعة، والأزهار المنوّرة، جالسين على الأنماط المبسوطة، ولا يعلمون ما جرى على الرعيّة والملّة. ليس لهم معرفةٌ بالقانون السياسي وتدبيرِ مصالح الناس، وما أُعطيَ لهم حظ من ضبط الأمور والعقل والقياس… كذلك يقرُبون حرماتِ الله ولا يجتنبون، ولا يؤدّون فرائض الولاية ولا يتّقون، ولذلك يرون هزيمة على هزيمة، وتراهم كل يوم في تنـزُّل ومنقصة؛ فإنهم أسخطوا ربّ السماء، وفُوِّضَ إليهم خدمة فما أدّوها حق الأداء….أخلدوا إلى الأرض وأنَّى لهم حظّ من التقوى التام؟ ولذلك ينهزمون مِن كل مَن نهض للمخالفة، ويولّون الدبر مع كثرة الجند والدولة والشوكة، وما هذا إلا أثرُ السخط الذي نزل عليهم من السماء، بما آثروا شهواتِ النفس على حضرة الكبرياء، وبما قدّموا على الله مصالح الدنيا الدنيّة، وكانوا عظيم النهمة في لذّاتها وملاهيها الفانية، ومع ذلك كانوا أُسارى في ذميمة النخوة والعُجْب والرياء، الكسالى في الدين والفاتكين في سبل الأهواء… فإنهم بسَأوا بالشهوات، ونسوا رعاياهم ودينهم وما أدّوا حقّ التكفّل والمراعاة. يحسبون بيت المال كطارفٍ أو تالدٍ ورثوه من الآباء، ولا ينفقون الأموال على مصارفها كما هو شرط الاتّقاء، ويظنّون كأنهم لا يُسألون، وإلى الله لا يُرجعون. فيذهب وقتُ دولتهم كأضغاث الأحلام… ولو اطّلعتَ على أفعالهم لاقشعرّت منك الجلدة، واستولت عليك الحيرة. ففكِّروا.. أهؤلاء يشيّدون الدين ويقومون له كالناصرين؟”

(هذه هي حال هؤلاء الملوك، ولكنهم – كما قلت – يسعون جاهدين لإفشال مهمة المسيح الموعود في البلاد الإفريقية، رغم أنهم لا ينفقون على أعمالهم هذه أقل من جزء واحد من الألف من ثرواتهم ولكنه مع ذلك يُعتبر كثيرًا لأنهم يملكون ثروات هائلة من النفط. لم يرسلوا مبشريهم إلى هذه البلاد سابقا، أما الآن فيرسلونهم لعرقلة مهمة المسيح الموعود . على أية حال يقول حضرته عن الملوك:)

“ما لهم ولأحكام الشريعة، بل يريدون أن يخرجوا مِن رِبْقتها ويعيشوا بالحريّة. وأين لهم كالخلفاء الصادقين قوة العزيمة، وكالأتقياء الصالحين قلب متقلّب مع الحق والمعدلة؟ بل اليوم سُرُرُ الخلافة خالية من هذه الصفات.” (ولكنهم مع ذلك يقولون بإقامة الخلافة فيهم، ثم يكررون محاولاتهم فيقدمون اسم هذا وذاك كل مرة، فقال حضرته إن قلوبهم خالية من هذه الصفات، لذلك لا يمكن أن ينجحوا في إقامة الخلافة فيهم. ثم يقول حضرته:) “لا يرون الملّة كيف ركدت ريحها، وخبتْ مصابيحها، وكُذّب رسولها، وغُلّط صحيحها، بل تجد أكثرَهم مصرّين على المَنهيّات، المجترئين على سَوْق الشهوات إلى سُوق المحرّمات.” (يعني يمارسون علنًا ارتكاب الموبقات التي منع الله تعالى عنها، قال حضرته: تراهم) “المصبحين في خُضُلّة من العيش والممسين في أنواع اللذّات. فكيف يُؤيَّدون من الحضرة، مع هذه الأعمال الشنيعة والمعصية؟ بل مِن أول أسباب غضب الله على المسلمين وجودُ هذه السلاطين الغافلين المترفين، (أي إن وجودهم عقاب للمسلمين) الذين أخلدوا إلى الأرض كالخرّاطين، وما بذلوا لعباد الله جُهْدَ المستطيع، وصاروا كظالعٍ وما عَدَوا كالطِرْف الضليع، ولأجل ذلك ما بقي معهم نصرةُ السماء، ولا رعبٌ في عيون الكَفَرة كما هو من خواص الملوك الأتقياء، بل هم يفرّون من الكَفَرة، كالحُمُر من القَسْورة، وكفى لألفٍ منهم اثنان في موطن الملحمة…. وكيف يُعْضَدون بالنصرة والإعانة، مع هذه الغواية والخيانة؟ فإن الله لا يبدِّل سنّته المستمرّة. ومِن سنّته أنه يؤيّد الكَفَرةَ ولا يؤيّد الفَجَرة، ولذلك ترى ملوكَ النصارى يؤيَّدون ويُنصَرون، ويأخذون ثغورهم ويتملّكون، ومِن كل حدَبٍ ينسلون.”(وانظروا اليوم أيضا، فإن زمام حكام المسلمين واقتصادهم بيد البلاد الأخرى حقيقةً ولو لم يكن ذلك بصورة ظاهرة)  “وما نصَرهم الله لرحمته عليهم.” (أي إن المسلمين يعانون حالة سيئة أما غيرهم فيتلقون نصرًا بعد نصر، ولكن هذا النصر لا ينزل الله عليهم رحمة بهم)، “بل نصرهم لغضبه على المسلمين لو كانوا يعلمون.” (هذه هي آلام حضرته للمسلمين، وهو ما يكتبه الكتاب والمحللون المنصفون في الجرائد اليوم. لقد قرأت في جريدة “جنغ” الباكستانية مقالا كتبه الدكتور عبد القدير خان -الذي يعتبر عالم الذرة الباكستاني- حيث كتب مستشهدًا بالآيات القرآنية أننا نعمل كذا وكذا من الأمور التي تسبب نزول العذاب علينا. على أية حال هذه هي حالتهم، ثم يقول حضرة المسيح الموعود 🙂

“كيف أُظْهِرَ عليهم أعداؤُهم إنْ كانوا يتّقون؟ بل لما تركوا الدعاء والتعبّد، ما عَبَأَ بهم ربهم… فبما نكثوا عهد الله ونقضوا حدود الفرقان، طوّحتْ بهم طوائح الزمان، وخرج من أيديهم كثير من البلدان… نكالاً من الله وأخذًا من الدَيّان… وما أخزاهم عِداهم، ولكن الله أخزاهم، فإنهم عصوا أمام أعين الله فأراهم ما أراهم، وتركهم في آفات وما نجّاهم. ووزراؤهم قوم مغشوشون.” (ثم ذكر حضرته بالتفصيل أن وزراءهم ومشيريهم لم يؤدوا حقوقهم بل سبقوهم في الغش وترك الأمانة. ثم يقول حضرته:)

“وسُمُّوا قوما كسالى في الجرائد المغربية.” (وهذه هي الحقيقة السائدة حتى هذا اليوم. ثم يقول حضرته:) “وما بقي فيهم سيرة من سير الرجال… لا يداومون على الصلاة، وصارت أهواؤهم في سبلهم كالصلات، وإنْ صلّوا فيصلّون في البيوت كالنساء، ولا يحضرون المساجدَ كالأتقياء… ولا يطيقون أن يسمعوا من الوعظ كلمة، فيأخذهم عزّةٌ كبرًا ونخوة، ويتوغّرون غضبا وغيرة. ويكون أكرمُ الناس عندهم مَن زيّن لهم حالهم، وحمدهم وأعمالهم (أي لا يرضيهم إلا التملق والثناء عليهم)… ولما رأى الله فسقهم وفجورهم، وظلمهم وزورهم، وبطرهم وكفورهم، سلّط عليهم قومًا يتسوّرون جدرانهم، وكلَّ ما علا يتسلّقون، ومما ملَكه آباؤهم يتملّكون، ومِن كل حدَبٍ ينسلون. وكان ذلك أمراً مفعولا وأنتم تقرأونه في القرآن ولكن لا تفكّرون… فقُلّبت أمور دنياهم بما قلّبوا تقوى القلوب، وكانوا على المعاصي يجترئون. وإن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يُغيِّروا ما بأنفسهم ولا هم يُرحمون، بل الله يلعن بيوتًا يفسق الناس فيها وبلادا فيها يجترمون، وتنـزل الملائكة على دار الفسق والظلم ويقولون: ما عمّركِ الله يا دارُ، وخرَّبك يا جدار… فلا تسبّوا ملوك النصارى ولا تذكروا ما مسَّكم مِن أيديهم ولا تلوموا إلا أنفسكم أيها المعتدون.

«فَقَدوا قوّة الفراسة، وأصول السياسة، وأرادوا أن يتعلّموا مكائد جيرانهم من النصارى، فما بلغوهم في دقائق الدساسة وحيلِ الحراسة، فمثلهم كمثل دِيكٍ أراد أن يضاهي النسر في الطيران… «

أتسمعون ما أقول لكم؟ كلا، بل تعبِسون وتشتِمون. وأَنَّى لكم آذان تسمع وقلوب تفهم، وأين لكم الفراغ أن تَنقَّلوا من الأكل إلى العقل، وإلى الدَيّان من الدِنان، وأين فيكم فتيان يتذكّرون؟ أتسبّون أعداءكم وما نالكم إلا جزاءُ ما كنتم تكسبون.”

(ثم يقول حضرته مخاطبًا عامة الناس الذين يمارسون الإضراب والاعتصام في هذه الأيام ويخرجون في التظاهرات:)

“واعلموا أنكم إن كنتم صالحين لأصلحَ الملوكَ لكم، وكذلك جرت سُنّة الله لقوم يتّقون. وانتهوا من إطراء ملوك الإسلام واستغِفروا لهم إن كنتم تنصحون…. وقد جعلهم الله لكم كمُعِدّات، وجعلكم لهم كآلات، فتعاونوا على البر والتقوى إن كنتم تخلصون. ونَبِّهوهم على سيئاتهم، وأَعثِروهم على هفواتهم، إن كنتم لا تنافقون.” (فقال حضرته: لا بد من كلمة الحق أمام السلطان، ولا بد أن توجهوا لهم النصيحة. ثم يقول حضرته:)

“وتالله إنّا نرى أن قلوبهم قاسية بل أشدّ قسوةً من أحجار الجبال… وإنهم قوم لا يتضرّعون. فثبت من هذه الأفعال والأعمال، أنهم أسخطوا ربهم واختاروا طرق الضلال، وأكلوا سمًّا زعافًا ثم أشركوا فيه رعاياهم فلهُمْ سهمانِ من الوبال…. فهل فيكم رجل يُفهِّمهم نتائج هذه الخصال، أيها المتكلّمون؟ فإنهم قوم ضيّعوا دينهم للأهواء والأعمال، وصاروا كأحولَ في جميع الأحوال (أي زاغت أبصارهم فلم تعد رؤيتهم مستقيمة)، بل أراهم عُمْيًا لا يبصرون.

«ليس لهم معرفةٌ بالقانون السياسي وتدبيرِ مصالح الناس، وما أُعطيَ لهم حظ من ضبط الأمور والعقل والقياس… كذلك يقرُبون حرماتِ الله ولا يجتنبون، ولا يؤدّون فرائض الولاية ولا يتّقون، ولذلك يرون هزيمة على هزيمة…»

ولا أقول لكم أن تخرجوا مِن رِبقتهم وتقصدوا سبيل البغاوة والقتال، بل اطلبوا صلاحهم من الله ذي الجلال لعلهم ينتهون (أي يمكن أن توجهوا لهم كلمة الحق، ولكن لا يسمح لكم بمحاربتهم. ثم وجّههم حضرته إلى الدعاء والاستغفار). ولا تتوقّعوا منهم أن يُصلحوا ما أفسدت أيدي الدجّال، أو يقيموا الملّة بعد تهافُتها وبعدما ظهر من الاختلال، ولكلّ موطنٍ رجال كما تعلمون، وهل يُرجى إحياء الناس من الميّت أو الهداية من الضال، أو المطر من الجَهام، أو الولوج في سَمّ الخياط من الجِمال؟ فكيف منهم تتوقعون؟ وتالله إنّا لا نتوقّع صلاحهم حتى يوقظهم الاحتضار، ولكن نُدِب إلينا الإذكار (أي علينا إسداء النصح والتذكير والمثابرة عليهما)… فَقَدوا قوّة الفراسة، وأصول السياسة، وأرادوا أن يتعلّموا مكائد جيرانهم من النصارى، فما بلغوهم في دقائق الدساسة وحيلِ الحراسة، فمثلهم كمثل دِيكٍ أراد أن يضاهي النسر في الطيران… هذا مثل ملوك الإسلام بمقابلة أهل الصلبان. أعرضوا عمّا عُلّموا من وصايا الاتّقاء، وما كملوا في المكائد كالأعداء… وقد كتب الله لملوك دينه أن لا ينصرهم أبدًا إلا بعد تقواهم، وأراد للنصارى أن يجعلهم فائزين بمكرهم إذْ أسخط المؤمنون مولاهم…. أتظنّون أنهم يحفظون ثغور الإسلام من الكَفرة؟… أتزعمون أنهم كهف الإسلام؟ يا سبحان الله! ما أكبرَ هذا الغلطَ! وإنّما هم يجيحون ببدعاتهم دينَ خير الأنام. ولكم أن تُحسنوا الظن فيهم وتنـزّهوهم عن السيئات، ولكن بأي العلامات؟ أتخالون أنهم يحفظون حرم الله وحرم رسوله كالخدّام؟ كلا.. بل الحرم يحفظهم لادّعاء الإسلام وادّعاءِ محبّةِ خير الأنام.(أي يدّعون أنهم يحبون الإسلام والنبي ويحفظون الحرمين الشريفين ولكن الحقيقة أن الحرم يحفظهم) وقد حُقّت العقوبة لو لم يتوبوا إلى الله المقتدر العلاّم. فمَن فيكم يذكّرهم بأيام الله ويخوّفهم من سوء الأيام؟ ألا ترون أن الإسلام قد تكسّرَ مِن دهرٍ هاض، وجَورٍ فاض، وأن الفتن مطرت عليه ولا كمطر الوابل، وقام لصيده أفواج العِدا كالحابل، وما بقي شيء يسرّ، القلوب، وتدرأ الكروب، وظهر المسلمون كعَطاشى في فلوات، وكمثلِ مرضى عند سكرات… فاليوم… قوم يمرّون على المسلمين ضاحكين، وآخرون ينظرون إليهم باكين. وترون أن القلوب قست، والذنوب كثرت، والصدور ضاقت، والعقول تكدّرت، وعمّت الغفلةُ والكسل والعصيان، وغلبت الجهالة والضلالة والطغيان، وما بقي التقوى وخطَفه الشيطان، ولم يبق في القلوب نور يقوى منه الإيمان، ونَجَسَ الأبصارُ والألسن والآذان، وفسُدت الاعتقادات، وسُلبت الدرايات، وظهرت الجهلات والعمايات، ودخل الرياء في العبادة، والخيلاء في الزهادة، وظهرت الشقاوة، وانتفت آثار السعادة، ولم يبق التحابب والاتفاق، وظهر التباغض والشقاق. وما بقي ذنب ولا جهالة إلا وهو موجود في المسلمين، ولا ضيم ولا ضلالة إلا وهو يوجد في نسائهم والرجال والبنين، سيّما أمراؤهم تركوا الصراط.” (كما قلت سابقًا إنهم تركوا كل هذه الأمور المذكورة ولكن المشايخ أضلوهم حتى أنهم عكفوا على معارضة الأحمدية مع عامة الناس. اطلعت على تقرير أحد مبلغينا في الأيام الماضية، كان له صديق مسيحي قدم من الهند إلى هنا وأقام عند صديقه المسلم وكان على علم أن هذا المسلم يتعاطى الخمور. ففي إحدى المرات بينما كان المسلم يشرب الخمر قبالته إذ قال له المسيحي: لي بعض الأصدقاء الأحمديين أيضا، فردّ عليه المسلم – وهو يشرب الخمر – إنهم ليسوا بمسلمين. فقال له المسيحي: الأحمديون لا يشربون الخمر، ويواظبون على الصلوات وأراهم يعملون وفق التعاليم القرآنية مع ذلك فإنهم ليسوا مسلمين في رأيك، أما أنت فتخالف تعاليم القرآن وتتعاطى الخمر ومع ذلك فأنت مسلم! فسكت ولم ينبس ببنت شفة. فقال له المسيحي لا تقلق، ذكرت هذا الأمر عرضًا، فبإمكانك أن تواصل شرب الخمر، فواصل دونما توقف. فهذه هي حالة المسلمين اليوم، ومع ذلك يدعون بأن الأحمديين ليسوا بمسلمين. ثم يقول حضرته:)

“وظهرت الآيات فما قبلوها فنـزل سخط الرحمان. ولما رأوا العذاب قالوا إنّا تطيّرْنا بك، وبكذبِك جاء الطاعون (أي أنهم يعتبرون المسيح الموعود نجسًا ونحسًا ظنًّا منهم أن السبب في نزول العذاب والآفات هو ادعاء المسيح الموعود ، ولا زالوا يقولون بمثل هذه الكلام حتى اليوم). قيل طائرُكم معكم أئنْ ذُكّرتم بل أنتم قوم مسرفون. وما أرسل الله من رسول إلا وأُرسلَ معه عذاب من السماء والأرض لعلهم يرجعون. (فإن العذاب والآفات النازلة ظهرت لتأييد المسيح الموعود ، يقول حضرته:) فأرُوني أيّ ملِكٍ من ملوككم صنع فُلْكًا عند هذا الطوفان؟ بل أُغرقوا مع المغرَقين، وقلَّم أظفارَهم مقراضُ الزمان، ورهَق وجوهَهم القترُ، وانتزف ماءَهم الدهرُ، وفارقَهم الإقبال (أي تلاشت عظمتهم وشوكتهم)، واحتالوا فما نفعهم الاحتيال، وظهرت فتن ما كانوا أن يُصلحوها بالشورى والمنتدى، ولا بتجمير البعوث على ثغور العِدا، وربما تقلّدوا أسلحة، وبعثوا جنودًا مجنّدة، فما كان مآلهم إلا الخزي والهزيمة، والهوان والذلة العظيمة….فانظروا ماذا ترون طرق المداواة يا طوائف الأُساة؟ أتجدون هؤلاء الأمراء، يدفعون تلك البلاء؟ أتتوقّعون من هذه الملوك، أنهم يطهّرون حديقة الدين من تلك الشوك؟ أو تزعمون أن هذه الأمراض تُبرَأُ مِن الدول الإسلامية وبجهدهم المعلوم؟ كلا، بل هو أمرٌ أعسرُ مِن أن تتوقعوا الرطب الجنيّ من الزقّوم، وكيف وهم في غشية الوجوم؟ وكيف يرفعون رأسهم وهم تحت ألوف من الهموم؟ والحق والحق أقول.. إن هذه آفاتٌ ليس دفعُها في وسع الملوك والأمراء. أيهدي الأعمى أعمى آخر يا ذوي الدهاء؟

ثم إن هذه الملوك، وإنْ كانوا من المسلمين، أو من المخلصين المواسين، ولكن ليست نفوسهم كنفوس الكاملين المطهَّرين، وما أُعطيَ لهم نورٌ وجذبٌ كالمقدَّسين، فإن النور لا ينـزل قط من السماء إلا على قلب أُحرِقَ بنيران الفناء، ثم أُعْطيَ مِن حبّ شغفه وغُسِلَ مِن عين الرضاء، وكُحِّلَ بكحل البصيرة والصدق والصفاء، ثم كُسِيَ مِن حُلل الاجتباء والاصطفاء، ثم وُهِبَ له مقام البقاء. وكيف يُزيل الظلمة مَن هو قاعد في الظلمات؟ وكيف يوقِظ مَن هو نائم على أرائك اللذّات؟ والحق أن ملوك هذا الزمان ليست لهم مناسبةٌ بالأمور الروحانية، وقد صرَف الله هِممهم إلى السياسات الجسمانية، ونصبهم بمصلحة من عنده لحماية قشرة الملّة، وقيّد لحظهم بالأمور السياسية، فما لهم ولِلُّبِّ والحقيقة. وليست فرائضهم أزيدَ من أن يحسنوا الانتظام لحفظ ثغور الإسلام، ويتعهدوا ظواهرَ المُلك ويعصموه من براثن الأعداء اللئام، وأمّا بواطن الناس، وتطهيرها من الأدناس، وتنجية الخلق من شر الوسواس الخنّاس، وحفظُهم من الآفات بعقد الهمّة والدعوات، فهذا أمرٌ أرفعُ من طاقة الملوك وهِممهم كما لا يخفى على ذوي الحصاة (أي لا علاقة لهم بالروحانية). وما فُوّضَ زمام المُلك إلى أيدي السلاطين، إلا لحفظ الصور الإسلامية من بطش الشياطين، لا لتزكية النفوس وتنوير العمين.” (الهدى والتبصرة لمن يرى)

ثم يصف حالة العلماء فيقول :

إن أكثرهم للإسلام كالداء لا كالدواء. يجلبون أموال الناس إلى أنفسهم مِن كل مكيدة، بأي طريق اتّفق وبأية حيلة. يقولون ولا يفعلون، ويعِظون ولا يتّعظون. قلوبهم قاسية، وألسنُهم مُفحِشة، وصدورهم مُظلِمة، وآراؤهم ضعيفة، وقرائحهم جامدة، وعقولهم ناقصة، وهممهم سافلة، وأعمالهم فاسدة. ما ترى نيّتَهم فيمن خالفوه مِن غير أن يُفيضوا فيه، بأي حيلة يكفّرونه أو يؤذونه، وفي ماله الذي يُرجى حصوله بأي طريق يأخذونه. يتكبّرون بعلم قليل يسير.

ثم يقول :

البخل فطرتُهم، والحسد ملّتهم، وتحريف الشريعة شِرْعتهم (إذًا، فهم يحرّفون الشرع بأنفسهم، ثم يتّهمون الأحمديين بذلك). هم عند الغضب ذِياب. ليس سخطهم ولا رضاهم إلا لنفوسهم الأمّارة، وليس ذكرهم وتسبيحهم إلا للنَّظّارة. يحسبون أنفسهم مالِكَ رقابِ الناس (ما أصدقَ ما قاله هنا، وقد صار أشدَّ جلاءً ووضوحًا في باكستان في هذه الأيام، إذ يظنون بالفعل أنهم يملكون رقاب الناس) إنْ شاءوا يسمّوهم ملائكة، وإن شاءوا يسمّوهم إخوان الخنّاس. لا يوجد فيهم أثرُ حِلمٍ بل سبقوا السِّباعَ بحِدّةِ الأسنانِ، وأَسَلَةِ اللِّسانِ. يأتونكم في جلود الضان، وهم ذياب مفترسة بأنواع البهتان. وتكتب أيديهم فتاوى الزور والبهتان، ويُجيح إيمانَهم درهمٌ أو درهمانِ. يمنعون الناس من الحق ويوسوسون كالشيطان. كثُر تكبُّرهم، وقلَّ تدبُّرهم. لا يقدرون على نطقٍ يفيد الناس، بل يزيدون بقولهم الشبهة والوسواس. إذا صمتوا فصمْتُهم تركٌ للواجب وصقعٌ، وإذا نطقوا فنطقُهم ميتٌ ليس له وقعٌ. ما بقي لهم مَسٌّ بمعضلات الشريعة، ولا دخلٌ في دقائق الطريقة. والاعتقاد بموت عيسى له وجه بيّنٌ، وتالله إنهم ما يقصدون فتح الإسلام.

ثم يقول :

ما أعطاهم قسمةُ الله إلا الضوضاء. قرأوا القرآن، وما مسَّ القرآنُ إلا اللسانَ، وما رأى القرآنُ جنانَهم، وما رأى جنانُهم الفرقانَ.

ويتابع ويقول:

كثُر فيهم الكسلُ والغفلة، وقلّت الفطنةُ، بل تراهم من جذبات النفس كالسُكارى، وفي أهوائها كالأسارى. ما لهم أن يكشفوا عن وجه المعضلات النقابَ.

ثم يقول :

جهلوا الحقوق الرحمانية، فكيف يُتوقَّع منهم نصرة الدين؟ التعصبُ أحلَّهم محلّةَ السِّباع، ومنَعهم من القبول بل من السماع. ليس دينهم إلا الأهواء، والرغفان والدراهم البيضاء. لا يحزنون ولا يبكون على مصيبة الإسلام ورِدّةِ أهلِه (وإذا بكوا كانت دموعهم كدموع التماسيح). ترتعد فرائصهم برؤية الحكّام، ولا يخافون الله ذا الجلال والإكرام. لا يأخذهم خوفٌ بشيوع الضلال، ويشاهدون ظهور الفتن وحلول الأهوال.

«فإن النور لا ينـزل قط من السماء إلا على قلب أُحرِقَ بنيران الفناء، ثم أُعْطيَ مِن حبّ شغفه وغُسِلَ مِن عين الرضاء، وكُحِّلَ بكحل البصيرة والصدق والصفاء، ثم كُسِيَ مِن حُلل الاجتباء والاصطفاء، ثم وُهِبَ له مقام البقاء»

فريق منهم أصبى قلوبَهم هَوَى الجهادِ، ويُغْرُون الجهلاء على ضرب العناق بالمرهفات الحِداد، فيغتالون كلَّ غريب وعابرِ سبيل، ولا يتّقون.

هذه جُملٌ مختارة قرأتُها عليكم من هذا الكتاب. لقد ذكر المسيح الموعود هذه الأمور قبل أكثر من قرن من الزمان، وإن ما رسمه من حالة المسلمين في ذلك الوقت هي هي اليوم أيضًا إذ ينطبق هذا الوصف عليهم اليوم أيضًا مئة بالمئة، فأعمالهم وتصرفاتهم تؤكد ذلك تماما كما نرى. لقد ذكر حضرته عنهم ما أخبره الله به، كما بين علاج هذه الفتن في الكتاب نفسه، فقال:

فاتركوا كل أحد من هذه الفِرق مع كيده وكَدِّه، وتَحسّسوا لعل الله يأتي أمرًا مِن عنده. (علمًا أن حضرته قد ذكر بعد وصف حالة الحكام والمشايخ حالةَ فئات أخرى من المسلمين، وإليهم أشار هنا بلفظ الفِرق) اعلموا أن علاج القوم في السماء، لا في أيدي العقلاء. اقرأوا قصص السابقين في الكتاب المبين، وما بُدّلتْ سُنن الله في الآخِرين.

ثم يقول :

أوَ تظنّون أن الوقت ليس وقت الإمام؟ وترون بأعينكم غلبة الضلالة، وطوفان الجهالة، وترون ميسم الإسلام كمسيمِ مريضٍ ديسَ تحت الآلام. ثم لا يبرح لكم ما نزلتْ من البلايا، ما نرى فيكم خدّام الدين عند طوفان هذه الضلالة. نسوا وصايا الرحمان، التي لُقّنوها في القرآن، وتبيّن أنهم استضعفوا سفارة الرسول المقبول، بل يوافقون النصارى في كثير من الضلالات، ويرافقونهم في أكثر الحالات، ولا هَمَّ لهم إلا الأكل والشرب وبذخ الحياة، فكيف يُرجى صلاح الدين من هذه الناس؟

ثم يقول حضرته :

ويقولون إنه (أي عيسى ) هو المعصوم من مسّ الشيطان، ونسوا ما قال ربنا:

إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ .

أليس سيّدُ الرسل من المعصومين؟ وليس ذنب تحت السماء أكبرَ من القول بحياة عيسى، وأنتم تؤيدون به النصارى.

ثم قال حضرته :

فكّروا في أنفسكم ما حالة الزمان، وقد افترق الأمّةُ إلى فِرَقٍ لا يُرجى اتحادهم إلا مِن يد الرحمن. يكفّر بعضهم بعضا، وربما انجرّ الأمرُ من الجدال إلى القتال. ففكِّروا.. أتستطيعون أن تُصلحوا ذاتَ بينهم وتجمعوهم في بِرازٍ واحد بعد إزالة هذه الجبال؟ كلا..(وحالتهم الراهنة كالتالي: كان “مجلس تحفظ ختم النبوة” أراد عقد اجتماعه في إحدى المدن الباكستانية حيث اجتمع الشيعة وأهل السنة والبريلويون والديوبنديون وغيرهم ضد الجماعة الإسلامية الأحمدية، إلا أنهم اختلفوا فيما بينهم قبل عقد الاجتماع بيومين تقريبا، وآل بهم الأمر إلى أن قرروا عقد هذا الاجتماع في ثلاثة أماكن مختلفة، ولما أرادت إحدى هذه الفرق الثلاثة عقد اجتماعها في مكان وصلت الشرطة وأجبرتها على إخلائه فتوجهوا إلى مكان آخر. كانوا يرون أن قضية ختم النبوة هي القضية التي اتفقت الفرق كلها على معارضة الأحمدية فيها وصاروا جسدًا واحدًا، إلا أنهم لم يتفقوا فيما بينهم على هذه القضية أيضا فعقدوا اجتماعاتهم في ثلاثة أماكن مختلفة في مدينة واحدة. على أية حال، يقول المسيح الموعود 🙂

أتقدرون على فعل هو فعل الله ذي الجلال؟ ولن يجمع الله هؤلاء إلا بعد نفخ الصُّور من السماء، والصور الحقيقي قلوب المرسلين يُنفَخ فيها ليجمعوا الناس على كلمة واحدة مِن غير التفرقة. وكذلك جرتْ سُنّة الله أنه يبعث أحدًا من الأمّة لإصلاح الأمّة.

ولكن العلاج الذي أراده الله لإصلاح هذه الآفات هو أمر لا يرضى به القوم، في حين أن الله تعالى جعل السلسلتين الموسوية والمحمدية متشابهتين، فكما بعث عيسى ابن مريم عند اختلال السلسلة الموسوية كذلك بعث مسيحه الموعود في هذه الأمة المحمدية لما انقضت مدّةٌ على هجرة هذا النبي الكريم، كمثل مدّةٍ كانت بين عيسى والكليم، فكان هذا مقام الشكر لا مقام الإنكار والكفران، وكان من الواجب أن يتلقى المسلمون هذا النبأ بإقبال عظيم كالعطشان، ويحسبوه مِن أجَلّ منن الرحمن. ولكن القوم اتّبعوا أقوال الناس وكفروا بالقرآن، وما آمنوا بمثيل عيسى كما لم تؤمن اليهود بعيسى من قبل بل كذّبوا كما كُذّب في سابق الزمان، فاليوم همْ على مكان واحد في العصيان. فرقتان مكذّبتان، وقريحتان متشابهتان.

«يأتونكم في جلود الضان، وهم ذياب مفترسة بأنواع البهتان. وتكتب أيديهم فتاوى الزور والبهتان، ويُجيح إيمانَهم درهمٌ أو درهمانِ. يمنعون الناس من الحق ويوسوسون كالشيطان. «

ندعو الله تعالى أن تفهم الأمة المسلمة أن حضرته هو ذلك المبعوث الموعودُ بمجيئه لجمع كلمة المسلمين في هذا الزمان، ويوفق المسلمين ليفهموا أن الموعود بمجيئه قد ظهر من الله تعالى فليقبلوه ويقفوا في صف جريِّ الله هذا في الجهاد من أجل الردّ على محاولات معارضي الإسلام لتشويهه، حيث سيهزم الله تعالى بواسطته الأديان الأخرى.

ينهض بين الفينة والفينة بعض الناس في أمريكا وأوروبا الذين يلصقون بالنبي اتهامات شنيعة ويسيئون إليه أو إلى القرآن الكريم، فليس هناك بطل غير حضرته يقوم بالجهاد ضدهم اليوم، وبإمكانكم – من خلال الارتباط به – إثبات علو كعب الإسلام وتعاليم القرآن الكريم على الأديان الأخرى وكتبها، يمكننا – من خلال الارتباط به – الذود عن شرف النبي وكرامته وإظهار مكانته العظيمة للعالم كله. وفقنا الله تعالى لذلك. آمين.

Share via
تابعونا على الفايس بوك