نهاية حروب الردة في الجزيرة العربية

نهاية حروب الردة في الجزيرة العربية

حضرة مرزا مسرور أحمد (أيده الله)

حضرة مرزا مسرور أحمد (أيده الله)

الخليفة الخامس للمسيح الموعود (عليه السلام)
  • بعض فضائل الصديق (رض) وخلافته.
  • النتائج المترتبة على إخماد فتنة الردة والمتمردين في الجزيرة العربية.
  • تفنيد دعاوى بعض المعاصرين كالمودودي من أن قتال المرتدين كان لمجرد ادعاء النبوة، وليس لإخماد التمرد وحفظ استقرار الدولة.
  • الأسباب الداعية لإطلاق شرارة الفتوحات الإسلامية في الشام وما وراءها.

_____

نهاية حروب الردة في الجزيرة العربية،

وبدء التفكير في حركة الفتوحات الإسلامية

بعد التشهد والتعوذ وقراءة سورة الفاتحة استهل حضرته الخطبة :

 

نجاح آخر البعوث الإسلامية لمقاومة المتمردين

كنا بصدد ذكر بعوث المسلمين ضد المرتدين المتمردين، ومن ضمنها كانت بعثة المهاجر وعكرمة لمواجهة المرتدين في مناطق كندة وحضرموت، وقد ورد عنها مزيد:

وحينما استقر المهاجر في صنعاء كتب إلى أبي بكر بما قام به وبما استقر عليه وبقي ينتظر الرد منه، وفي الوقت نفسه كتب معاذ بن جبل وبقية عمال اليمن الذين كانوا على عهد رسول الله إلى أبي بكر يستأذنونه في العودة إلى المدينة، فجاءت ردود أبي بكر مطلقة حق الاختيار لمعاذ ومن معه من العمال بالبقاء أو العودة والاستخلاف على عمل كل من رجع، فرجعوا جميعًا. وأما المهاجر فقد تلقى الأمر بالتوجه لملاقاة عكرمة، وأن يسيرا معًا إلى حضرموت لمعاونة زياد بن لبيد، وإقراره على ما هو عليه وأمره أن يأذن لمن معه من الذين قاتلوا بين مكة واليمن في العودة، (أي يمكنهم العودة إذا أرادوا ولكن الأرجح أن يؤثروا الاشتراك في الجهاد) إلا أن يؤثر قومٌ الجهاد.

تلقى عكرمة كتاب أبي بكر يأمره فيه بالتوجه إلى المهاجر بن أبي أمية القادم من صنعاء، ثم يسيرا معًا إلى قبيلة كندة. وخرج من المهرة بعد تلقيه هذا الكتاب، ومكث في «أبيَن» ينتظر المهاجر بن أبي أمية.

و»أبين» اسم قرية في اليمن.

ويتحدث الطبري في تاريخ الأمم والملوك عن التحركات ضد المرتدين من قبيلة كندة، فيقول:

وقبل ردتهم حين أسلم أهل كندة وأسلم أهل بلاد حضرموت كلهم أمر رسول الله بما يوضع من الصدقات أن يوضع من بعض صدقات حضرموت في كندة ويوضع بعض صدقات كندة في حضرموت (أي تُرسَل هذه الصدقة إلى ذلك المكان ليتم إنفاق صدقة البعض على بعضهم) وبعض حضرموت في السكون، والسكون في بعض حضرموت، فقال نفر من كندة:

يا رسول الله إنا لسنا بأصحاب إبل فإن رأيت أن يبعثوا إلينا بذلك على ظهر، فقال (رسول الله لأهل حضرموت) إن رأيتم (فافعلوا). قالوا: فإنا ننظر فإن لم يكن لهم ظهر فعلْنا.

فلما توفي رسول الله وجاء ذلك الوقت، دعا زياد الناس إلى ذلك فحضروه فقالت بنو وليعة (أي أهل كندة): أبلغونا (أموال الصدقة) كما وعدتم رسول الله ، فقالوا إنّ لكم ظهرًا فهلموا فاحتَمِلوا (أموال الزكاة). فأبى الحضارمة (إيصال أموال الزكاة) ولجَّ الكِنْدِيُّون، فرجعوا إلى دارهم (متذبذبين) وقدّموا رِجلا وأخّروا أخرى وأمسك عنهم زياد انتظارا للمهاجر. (أي لم يقم بأي تحرك ضد مانعي الزكاة هؤلاء، وانتظر حتى يقدم المهاجر).

فلما كتب أبو بكر إلى المهاجر وعكرمة أن يسيرا حتى يقدما حضرموت وأقر زيادا على عمله، وأْذن لمن معك من بين مكة واليمن في القفل، إلا أن يؤثر قوم الجهاد، وأمدّه بعبيدة ان سعد، ففعل، فسار المهاجر من صنعاء يريد حضرموت وسار عكرمة من أبْيَنَ يريد حضرموت فالتقيا بمأرب ثم فَوَزا من (صحراء) صهيد حتى اقتحما حضرموت.(1)

حين رجع الكنديون ولجوا وَلِي زياد صدقات بني عمرو بنفسه، أعطى غلام لزياد (خطأً) بكرة أخيه من الصدقة، فوَضَعَ عليه الميسم (أي ختمها أنها ملك لبيت المال ومن أموال الصدقة)، فلما أراد استبدالها (متحججًا أنه حصل ذلك خطأ) ظن زياد أنه يتحايل، فلم يرض، فنادى الغلامُ أهل قبيلته واستنصر أبا السميط، فأقبل أبو السميط وطلب من زياد استبدال بكرته، إلا أن زياد أصر على موقفه فغضب أبو السميط وأطلق عقالا للبكرة، فاعتقل زياد أبا السميط وأصحابه، وأخذ البكرة فعقلها، وتصايحوا وتنادوا، فجاء بنو معاوية لمساعدة أبي السميط، (وبنو معاوية هم بنو الحارث بن معاوية وبنو عمرو بن معاوية من فروع كِندة)

وطالبوا زياد بالإفراج عن رفاقهم، لكن زيادًا رفض الإفراج عن الأسرى حتى يتم تفريقهم وقال لهم إذا تفرقتم من هنا فسأنظر في الموضوع. وعندما لم يتفرق هؤلاء، هاجمهم زياد وقتل الكثير من رجالهم، وهرب بعضهم من هناك. فلما عاد زياد أطلق سراح أسراهم. لكنهم عادوا يستعدون للحرب بعد رجوعهم. فتحصّن بنو عمر وبنو الحارث والأشعث بن قيس والسمط بن الأسود في حصونهم. ورفضوا دفع الزكاة وارتدوا. فجمع زياد جيشًا وهاجم بني عمرو وقتل الكثيرين من رجالهم وفرّ من كان بإمكانه الفرار، وأسر زياد عددًا كبيرًا منهم وأرسلهم إلى المدينة المنورة. وفي الطريق هاجم الناس من بني الأشعث وبني الحارث وحرروا أسراهم من المسلمين. بعد هذه الحادثة، انضم إليهم عدد من قبائل المناطق المجاورة وأعلنوا هم الآخرون الردة، وإثر ذلك كتب زياد رسالة إلى المهاجر طلبًا للمساعدة. استخلف المهاجرُ عكرمة وهاجم كندة مع أصحابه. هرب أهل كندة وتحصّنوا بأحد حصونهم، والمسمىالنجير. وكان حصنا باليمن على مقربة من حضرموت. وكانت هناك ثلاثة طرق لهذا الحصن، نزل زياد في طريق منها، وعسكر المهاجر في الآخر، وظل الطريق الثــــــــالث تحت سيطرة  أهل كندة، حتى وصل عكرمة واحتل هذا الطريق.

كان جيش زياد والمهاجر رضي الله عنهما مؤلفا من خمسة آلاف من الصحابة المهاجرين والأنصار وأفراد القبائل الأخرى. وعندما رأى الأعداء المحصورون في حصنِ النجير أن المسلمين يتلقون مددا مستمرا استولى عليهم الخوف، فلم يلبث زعيمهم الأشعث أن أتى إلى عكرمة طالبا منه الأمان. فأتى عكرمة بالأشعث إلى المهاجر. فطلب منه الأشعثُ الأمان لنفسه ولتسعة آخرين معه على أن يفتح باب الحصن للمسلمين. فقبِل المهاجر عرضه. وعندما كتب الأشعثأسماء 9 أشخاص معه، نسي كتابة اسمه بسبب العجلة والذعر، ثم أتي بالكتاب إلى المهاجر، فختم عليه. ثم رجع الأشعث، وفتح باب الحصن، فدخله المسلمون. فقاتلهم أهل الحصن، فقُتل من أهل كندة سبع مئة رجل وسُبيت ألف امرأة.

ثم طلب المهاجر عقد الصلح وعفا عن جميع الأشخاص المدرجين فيه، ولم يكن بينهم اسم الأشعث. فقصد المهاجر قتْلَه، ولكن بناءً على طلب من عكرمة أرسلَ الأشعثَمع الأسرى الآخرين إلى أبي بكر ، ليفصل في أمره.

فلما أتى المسلمون أبا بكر ببشرى النصر وبالأسرى دعا الأشعثَوقال له: لقد خدعك بنو وليعة، وما كان لك أن تخدعهم، ولا يرونك أهلا لذلك، فأهلكوا أنفسهم وإياك أيضًا، ألا تخشى أن يصيبك جزء من دعاء رسول الله ؟ وكان النبي لعن أربعة من زعماء كندة الذين أتوه مع الأشعـث وأسلموا ثم ارتدوا.

وقال أبو بكر للأشعث: ماذا ترى أني فاعل بك؟ قال: لا أعرف. قال: «أرى أنه يجب قتلُك». قال الأشعث: «أنا الذي عقدت عهد الصلح والعفو عن عشرة رجال من قومي، فكيف يجوز قتلي؟ قال أبو بكر: هل كان المسلمون الذين جعلوا لك هذا الأمر؟ قال نعم! قال: إذا كانوا قد جعلوا لك هذا الأمر ثم أتيت به إليهم، فهل أمضوا على عقد الصلح معك؟ قال نعم. قال: ما داموا قد ختموا على العقد فقد وجب الصلح بحسب العقد المكتوب، وقد كنتَ تتحدث عن الصلح فقط قبل ذلك.

فخشي الأشعثُ القتلَ، فقال: إذا كنتَ تتوقع مني الخير، فأطلقْ سراح هؤلاء الأسرى، واغفرْ لي أخطائي واقبلْ إسلامي، وافعْل بي ما تفعل بالناس مثلي، وأرجعْ إليّ زوجتي.

ورد أنه قبْل هذا الحادث أن الأشعت جاء مرة إلى رسول الله ، وطلب يدَ أختِ أبي بكر أمِّ فروة بنت أبي قحافة، وكان أبو قحافة زوّج منه ابنته هذه، وأجّل زفافها حتى يعود الأشعثُ ثانية. وقال أحد الكتّاب أن أم فروة هي بنت أبي بكر .

على كل حال، لما توفي النبي ارتد الأشعثُ وتمرد، فخاف ألا تُزَفّ إليه زوجته.

فقال لأبي بكر: ستجدني لدين الله من أفضل الناس في منطقتي. فعفا عنه أبو بكر وقبِل إسلامه، وأرجعَ له أهله، وقال له: اذهبْ وَلْتَصِلْني عنك أخبار سارة. كما أطلق أبو بكر سراح جميع الأسرى، فرجعوا جميعًا إلى مناطقهم.

وفي رواية: لم يجرؤ الأشعثُ على العودة إلى قبيلته بسبب مخالفته لعهده مع قومه، وأقام مع أم فروة في المدينة بعد إطلاق سراحه. ثم لما بدأت الحروب في العراق والشام في عهد عمر خرج الأشعثُ مع الجيوش الإسلامية لقتال الفرس والروم، وأبلى فيها بلاء حسنا، مما أعاد له اعتباره وعزته في أعين الناس.

باختصار، أقام المهاجر وعكرمة بحضرموت بين كندة حتى ساد الأمن والاستقرار تماما وقامت الدولة الإسلامية على أسس متينة. كانت هذه آخر الحروب ضد المرتدين المتمردين، وبعدها قُضى على الثورة في بلاد العرب وخضعت كل القبائل للدولة الإسلامية.

وعمل المهاجر لتوطيد الأمن والسلام في هذه الأرجاء وللقضاء على أسباب التمرد والبغي فيها قضاء تاما بنفس الصرامة والشدة التي عمل بها في اليمن من قبل.

وكتب أبو بكر إلى المهاجر رضي الله عنهما وخيّره بين العمل في اليمن أو حضرموت، فاختار اليمن وهكذا عُين أميران على اليمن. وكتب أبو بكر لعماله الذين كُلِّفوا بالقضاء على المرتدين المتمردين: أما بعد فإني أحب أن لا تستعملوا في الحُكم إلا الذين لم يتلطخوا بوصمة الارتداد والتمرد وإن كانوا قد عادوا إلى الإسلام ثانية. ثم قال يجب أن تعملوا بأمري هذا والتزموا به دوما. إن الذين يريدون العودة من الجيش فائذنوا لهم بالعودة، لكن لا تستعينوا بمرتد باغ في القتال ضد الأعداء أبدا.

فلما أتى المسلمون أبا بكر ببشرى النصر وبالأسرى دعا الأشعثَوقال له: لقد خدعك بنو وليعة، وما كان لك أن تخدعهم، ولا يرونك أهلا لذلك، فأهلكوا أنفسهم وإياك أيضًا، ألا تخشى أن يصيبك جزء من دعاء رسول الله ؟ وكان النبي لعن أربعة من زعماء كندة الذين أتوه مع الأشعـث وأسلموا ثم ارتدوا.

دحضا لمزاعم المودودي

عند ذكر حروب أبي بكر هذه، يقول معظم الكتّاب وخاصة كتاب السيَر في هذا العصر عموما، إنها كلها كانت جهادًا شنَّه ضد المتنبئين الكاذبين، وأبادهم بقوة السيف؛ بدعوى أن هذا كان عقابهم في الشرع. ولكن دارس التاريخ والسيرة لن يؤيد هذا الرأي أبدا.

وكما ذكرت من قبل على ضوء الأحاديث المباركة فإن القرآن الكريم وسنة النبي يؤكدان أن النبي لم يتخذ أي إجراء ضد المتنبئين لمجرد ادعائهم النبوة، كما لم تكن المهمات الحربية التي خاضها أبو بكر لمجرد هدف القضاء على المتنبئين الكاذبين، وإنما كان سببها تمرد هؤلاء البغاة الطغاة.

فلماذا حارب الصحابة مدعي النبوة؟ قال حضرة المصلح الموعود موضحا هذا الأمر:

تصريح الشيخ المودودي بأن الصحابة قاتلوا كل من ادعى النبوة بعد النبي هو ضد أقوال الصحابة. على الشيخ المودودي أن يتذكر (قال ذلك في حياة المودودي) أن الذين تنبّؤوا بعد الرسول الكريم وقاتلهم الصحابة كانوا كلهم ممن تمردوا على الحكم الإسلامي وأعلنوا الحرب على الحكم الإسلامي. يدعي المودودي أنه قرأ كثيرا الأدبيات الإسلامية. لیته كان قرأ التاريخ الإسلامي قبل إبداء رأيه في هذا الأمر حتی یعرف أن مسيلمة الكذاب، والأسود العنسي وسجاح بنت الحارث وطليحة بن خويلد الأسدي جميعهم كانوا ممن رفضوا الانصياع للحكومة في المدينة، وأعلنوا عن حكومات مستقلة في مناطقهم. قال المصلح الموعود : لو كان المودودي تحمل عناء قراءة تاريخ ابن خلدون (المجلد الثاني، الصفحة 65) لتبين له خطأ رأيه، فلقد وردت هناك العبارة التالية: «قد جاء الخبر بارتداد العرب عامة وخاصة إلا قريشا وثقيفا، واستغلظ أمر مسيلمة واجتمع على طليحة عوام طيء وأسد، وارتدت غطفان وتوقفت هوازن فأمسكوا الصدقة، وارتد خواص من بني سليم، وكذا سائر الناس بكل مكان، وقَدِمت رسل النبي من اليمن واليمامة وبني أسد ومن الأمراء من كل مكان بانتقاض العرب عامة أو خاصة وحاربهم بالكتب والرسل. وانتظر (أبو بكر ) بمصادمتهم قدوم أسامة فعاجلته عبس وذبيان ونزلوا في الأبرق ونزل آخرون بذي القصة ومعهم حبال من بني أسد ومن انتسب إليهم من بني كنانة، وبعثوا وفدا إلى أبي بكر نزلوا على وجوه من الناس يطلبون الاقتصار على الصلاة دون الزكاة، فأبى أبو بكر ذلك.»(2) 

كتب المصلح الموعود : يتضح من هذه العبارة أن الذين قاتلهم الصحابة كانوا متمردين على الحكومة الذين رفضوا دفع الضرائب وهاجموا المدينة المنورة. (كانوا اجتمعوا حول المدينة ليهاجموها في حالة عدم قبول مطالبتهم) وكان مسيلمة نفسه قد كتب إلى النبي الكريم في حياته: «لقد أمرت أن نصف الأرض لنا ونصفها ملك قريش». وبعد وفاة النبي طرد ثمامة بن أثال من حجر واليمامة وهو من عيَّنه النبي حاكمًا عليهما، وبالتالي صار مسيلمة نفسه حاكمًا على المنطقة وهاجم المسلمين. وكذلك سجن صحابيين من المدينة حبيب بن زيد وعبد الله بن وهب، وقهرهما على الإيمان بنبوته. (كما ذكرت سابقا) أطاعه عبد الله بن وهب خوفا، لكن حبيب بن زيد رفض طاعته، فقطع مسيلمة أطرافه طرفًا طرفًا وأحرقه بالنار. كذلك، في اليمن أيضا سُجن بعض العمال الذين عيّنهم الرسول الكريم وحُكم على بعضهم بعقوبات شديدة.

كذلك كتب الطبري أن الأسود العنسي أيضا رفع لواء التمرد وضايق العمال الذين عينهم الرسول الكريم وأمر بسلب أموال الزكاة منهم. ثم هاجم حاكم صنعاء شَهْر بن بَاذَان الذي عينه الرسول الكريم ، وقتل العديد من المسلمين ونهب الكثيرين منهم، وقتل الحاكم، وبعد قتله تزوج من زوجته المسلمة قسرا. كما ثار أهل نجران وانضموا هم أيضا إلى الأسود العنسي وطردوا الصحابيين عمرو بن حزم وخالد بن سعيد من المنطقة.

يتضح من هذه الوقائع أن المدعين بالنبوة لم يواجَهوا لأنهم زعموا أنهم أنبياء من أمة الرسول الكريم وكانوا مدعين لنشر دين الرسول الكريم . بل حاربهم الصحابة لأنهم كانوا يلغون الشريعة الإسلامية ويصدرون قوانينهم الخاصة ويطالبون بالحكم في منطقتهم، ولا يطالبون فقط بحكومة المنطقة ولكنهم قتلوا الصحابة، وغزوا البلاد الإسلامية، وتمردوا على الحكومة القائمة وأعلنوا استقلالهم وانفصالهم. وفي مواجهة هذه الحوادث إن قال المودودي إن جميع أصحاب الرسول واجهوا مدعي النبوة كلهم، فإذا لم تكن هذه كذبة فماذا إذن؟ إذا قال قائل إن الصحابة كانوا يبررون قتل البشر، فهل يكون ذلك صحيحًا لمجرد أن مسيلمة الكذاب أيضًا كان إنسانًا وأن أسود العنسي كان أيضًا إنسانًا؟ قال حضرته : الذين يقدمون تاريخ الإسلام مشوها لا يخدمون الإسلام قط، فإذا كانوا يتوخون خدمة الإسلام فليعطوا الأولوية للصدق وليمتنعوا عن تحريف الأحداث وتشويهها.(3)

تعزيز الوحدة الدينية

الحاصل أنه بعد القضاء على هؤلاء المتمردين انتهت كل تيارات التمرد في المناطق العربية. كتب أحد المؤرخين: الآن كانت قد انتهت كل تيارات التمرد في المناطق العربية وكان قُمع كل المرتدين. وإنّ تغلّب أبي بكر الصديق على الفتنة السائدة في جميع أقطار الدولة بهذا التخطيط والسرعة لدليل واضح على كفاءاته العظيمة، وكان واضحًا أنه كان حائزا على التأييد الإلهي عند كل خطوة. وكان إنجازًا رائعًا لأبي بكر الصديق تغلبه على الفتنة والردة والتمرد وإعادة إرساء حكم الإسلام في الجزيرة العربية في أقل من عام. كان حضرة أبي بكر الصديق سعيدًا جدًا بانتصار الإسلام، ولكن في هذه السعادة لم يكن عنده شيء من التكبّر والغطرسة، لأنه كان يعلم أن ما حدث كان فقط بفضل الله ورحمته. فلم يكن لديه القوة لمجابهة قوى جنود المرتدين من العرب كلهم وبجيوشهم ثم هزيمتهم كلهم ورفع راية الإسلام بكل قوة من خلال حفنة من المسلمين.

كان السؤال المطروح أمام حضرة أبي بكر الصديق الآن هو ما هي الخطوات التي يجب اتخاذها لتعزيز الوحدة الدينية والوصول بالإسلام إلى ذروته؟ تركزت سياسة حضرة أبي بكر الصديق في نشر الإسلام وظلت هذه الرغبة في قلبه وذهنه في كل لحظة.

بعد القضاء على الثوار المرتدين، اقتنع الجميع أنه لا يمكن لأي متمرد فتَّان أن يثبت أمام خليفة الرسول. لكن لم يكن أبو بكر متفائلا كثيرا مثل عامة الناس. لأنه كان يعلم أن القوى الخارجية يمكن أن تعيد إشعال كابوس الردة والتمرد ونشر الاضطرابات، من أجل تجنب التمرد المتوقع للقبائل العربية، كان من المناسب تحويل انتباه القبائل العربية إلى فارس وبلاد الشام حتى لا تتاح لهم الفرصة لإثارة المشاكل ضد الحكومة وبالتالي يعيش المسلمون في طمأنينة ويتمكنوا من ممارسة الدين بطيب الخاطر.

لذلك، من أجل الدفاع عن حدود الجزيرة العربية وحماية الدولة الإسلامية من أقوى منافسيها، كان من الضروري نقل رسالة الإسلام إلى هذه الدول القوية حتى يتمكنوا من عيش حياتهم في سلام وأمن من خلال قبول أو فهم رسالة الإسلام الكونية، ويمكن للآخرين أيضًا أن يتحرروا من قيودهم ويمارسوا شعائرهم الدينية بحرية بسلام وأمان

.

بدء التفكير في حركة الفتوحات الإسلامية

وقد ورد في كتب التاريخ ذكر أن أبا بكر أجال النظر في الاستراتيجية المستقبلية التي يجب اختيارها بعد نهاية ثورة المرتدين ومهماتهم العسكرية وكان يفكر في الخطوات والإجراءات التي يجب اتخاذها للحماية الدائمة من سلطنة الفرس والروم المعادية القديمة للعرب والإسلام. لما كانت هاتان السلطنتان تريدان الغلبة على العرب في حياة رسول الله أيضا، لذا كانت الحكومتان المذكورتان وراء إشعال نار ارتداد كثير من المناطق والقبائل وتمردها على المدينة من قبل كثير من المناطق والقبائل بعد وفاة النبي . وبدأت جيوش هرقل بالاجتماع في الشام، وجيوش الفرس بالاجتماع في العراق مغتنمة هذه الفرصة. لذا لم يكن ممكنا لأبي بكر- الذي كان قد أرسل سلفا أول جيش إسلامي تحت إمرة أسامة لمواجهة الرومان – أن يغفل عن تلك القوى المستبدة والظالمة. ولكن قبل أن يضع أبو بكر خطة أمام الجميع، علِم أن المثنى بن الحارثة الذي كان قد ساعد في القضاء على تمرد الثوار المرتدين في البحرين بدأ يتقدم مع أصحابه إلى العراق في الشمال على سواحل الفرس، حتى انضم إليه قبائل العرب التي كانت تسكن في مناطق دجلة والفرات الساحلية. كان المثنى بن الحارثة من قبيلة بكر بن وائل البحرينية. إن منطقة البحرين كانت تقع بين اليمامة وخليج فارس وتتضمن منطقة قطر والإمارات والبحرين الحالية وكانت عاصمتها «دارين». على أية حال، كان المثنى بن الحارثة قد قاتل سابقا مع العلاء بن الحضرمي ضد المتمردين وكان قائد الذين ثبتوا على الإسلام في البحرين والمناطق المجاورة لها والذين اشتركوا مع الجيش الإسلامي في الحروب ضد المتمردين. ما كان أبو بكر قد أخذ قرارا نهائيا بعد بشأن الخطوات المستقبلية حتى جاء المثنى إلى المدينة وأخبر أبا بكر عن الظروف السائدة في العراق، وقال بأن القبائل العربية التي استقرت بدلتا النهرين يستولي دهاقين الفرس على غلتها، ورأى أن من الواجب على المسلمين أن يقوموا بتأمين العرب من أهلها بإرسال الجيش الإسلامي.

استشار أبو بكر أصحابه وعرض عليهم ما جاء به المثنى من الأنباء فرأوا أن الأمر في حاجة إلى رأي خالد بن الوليد ليروا ما يجب فعله. وكان خالد باليمامة، استدعاه أبو بكر على عجل فحضر، ولم يتردد خالد حين عرف ما جاء المثنى به عن الإشارة إلى ما قد يترتب من النتائج على مقاومة الفرس لجيش بن حارثة، فقد يدعوهم انتصارهم إلى التفكير في استرداد نفوذهم في البحرين وما جاورها. وفي هذه الحالة ستواجه الحكومة الإسلامية خطرا محدقا. فقال: لا بد تفاديا لهذا الخطر أن يُرسل إلى هناك جيش تحت إمرة المثنى بغية إكراه الفرس على التقهقر أكثر بدلا من أن يستردوا نفوذهم في حدود بلاد عربية حتى لا يواجه العرب الخطر من قِبلهم في المستقبل.

الحاصل أنه بعد القضاء على هؤلاء المتمردين انتهت كل تيارات التمرد في المناطق العربية. كتب أحد المؤرخين: الآن كانت قد انتهت كل تيارات التمرد في المناطق العربية وكان قُمع كل المرتدين. وإنّ تغلّب أبي بكر الصديق على الفتنة السائدة في جميع أقطار الدولة بهذا التخطيط والسرعة لدليل واضح على كفاءاته العظيمة، وكان واضحًا أنه كان حائزا على التأييد الإلهي عند كل خطوة. وكان إنجازًا رائعًا لأبي بكر الصديق تغلبه على الفتنة والردة والتمرد وإعادة إرساء حكم الإسلام في الجزيرة العربية

قَبِل أبو بكر والآخرون أيضا هذا الرأي من خالد بن الوليد، فعيّن أبو بكر المثنى بن الحارثة قائدا عليهم فتقدم معهم إلى حدود العراق، وأمرهم أن يميلوا أولا إلى القبائل العربية المحلية ويطلبوا منهم الانضمام إليهم وقبول الإسلام، وقال أيضا أن جيشا سيُرسل من المدينة عونا له حتى يتمكن من المزيد من التقدم مدعوما بهذا الجيش.

يرى بعض المؤرخين أن المثنى لم يذهب إلى المدينة طالبا العونَ ولم يلق أبا بكر بل ظل يتقدم مع جيشه في مناطق الدلتا وقطع مسافة طويلة حتى واجه هنالك قائد الفرس، هُرمز الذي كان حينذاك قائد الجيوش على الحدود وكان من الحائزين على أعلى مرتبة ممكنة عند كسرى. كانت الحرب جارية بين هرمز والمثنى حتى علم بها أبو بكر ، وكان إلى ذلك الوقت لا يعرف شيئا عن اسم المثنى، وعند بلوغ هذه الأخبار حين بدأ تقصي الحقائق تبين له أن المثنى قد أحرز إنجازات عدة في الحروب ضد المرتدين المتمردين في البحرين، فأمر سيدنا أبو بكر خالدَ بن الوليد أن يسير مع الجيش إلى العراق لمساعدة المثنى وبعد الانتصار على هرمز يتوجه إلى الحِيرة، وهي مدينة على مسافة ثلاثة أميال من الكوفة. وأمر عياضَ بن غنم أن يسير إلى دومة الجندل (وهي قرية وقلعة بين الشام والمدينة وكانت تبعد عن المدينة مسافة خمسة عشر يوما بحسب الطريق السائد يومذاك للسفر) ليخضع أهلها المتمردين الثوار ثم يسير منها شرقًا إلى الحيرة، وعِيَاض بِنْ غَنْم له صحبة، أسلم قبل الحديبية وشهدها، ولما توفي أبو عبيدة استخلفه بالشام، فأقره عمر وقال: ما أنا بمبدل أميرًا أمَّره أبو عبيدة.

وقال سيدنا أبو بكر: فإن بلغها قبل خالد فالأمر فيها له، وخالد فيها من قادته، وإن سبقه خالد إليها فالأمر والقيادة لخالد وعياض من قادته. وفي رواية أن خالد بن الوليد لما فرغ من اليمامة بعثه سيدنا أبو بكر ليسير إلى العراق، وأن يبدأ بفرج الهند، وفي الابلة، ويأتي العراق من أعاليها، وأن يتألف الناس ويدعوهم إلى الله ، فإن أجابوا فحسنًا وإلا أخذ منهم الجزية، فإن امتنعوا عن ذلك قاتلَهم، وأمره أن لا يُكره أحدًا على المسير معه، ولا يستعين بمن ارتد عن الاسلام وإن كان عاد إليه. وأن يضم إليه كلَّ من مر به من المسلمين، ثم شرع سيدنا أبو بكر في تجهيز السرايا لمساعدة سيدنا خالد.

وكان سيدنا خالد بن الوليد قد قسم جيشه إلى ثلاثة أجزاء عند المسير من اليمامة إلى العراق، ولم يبعثهم كلهم على طريق واحد، بل قد بعث سيدنا المثنى قبل يومين من انطلاقه، وبعث كلا من عدي بن حاتم وعاصم بن عمرو قبل يوم من انطلاقه هو، وبعد ذلك سار بنفسه، ووعدهم بأن يلقوه في الحفير، لكي يتصادموا مع العدو دفعة واحدة، والحفير هو أول منزل في الطريق من البصرة إلى مكة، وورد عنه أنه كان أقوى حدود فارس وأكبرها شأنا وكان يحكمها هرمز، وكان قائد الجيش هناك يواجه العرب على جبهة برية، وفي الطرف الآخر كان يقاتل أهل الهند في البحر. باختصار كان عدد جنود سيدنا خالد قليلا جدا إذ كان عدد منهم قد قُتل باليمامة، كما كان سيدنا أبو بكر قد أمره أن لا يُكره من لا يريد السير إلى العراق، وإلى جانب ذلك كان هناك توجيه آخر له وهو ألا يكون معه في الغزو أحد ممن ارتد حتى يرى الخليفة رأيه فيه.

وطلب سيدنا خالد إلى سيدنا أبي بكر المدد فأمده برجل واحد فقط هو القعقاع بن عمرو، وعجب قوم وقالوا: أتمد رجلًا قد ارفضّ عنه جنودُه برجل؟! وأجابهم أبو بكر: لا يهزم جيش فيهم مثل هذا!

ثم بعث كتابا بيد القعقاع إلى خالد كتب فيه أن يرغِّب في الانضمام إلى جيشه من ثبتوا على الإسلام بعد وفاة النبي وشاركوا في المعارك ضد المرتدين، فبعد استلام هذه الرسالة بدأ سيدنا خالد يرتب جنده.

وقد ورد عن توصية سيدنا أبي بكر واستراتيجيته مع فلاحي العراق؛ لأن العرب في العراق كانوا يعملون فلاحين في أرض العراق، ثم ينالهم القليل من خيره عند الحصاد، أما وافر الخير فيذهب إلى الدهاقين الفُرس الذين كانوا يملكون الأرض وكانوا يسيمون العرب الخسف والظلم، وكانوا يعاملونهم معاملة أسوأ من العبيد، فأصدر سيدنا أبو بكر أوامره إلى قادته بالعراق ألا ينالوا هؤلاء العرب الفلاحين بسوء؛ لا يَقتلون منهم أحدًا، ولا يأخذون منهم أسرى، ولا يسيئون إليهم في أمر يتصل بهم؛ فهم عرب مثلهم، وهم يشعرون بالظلم تحت نير الفرس، فيجب أن يُشعَروا بزوال هذا الظلم حين مقدم العرب، ويجب أن يعمهم العدل الحقيقي والمساواة والحرية على أيدي بني عمومتهم.

وهذه الاستراتيجية لسيدنا أبي بكر أفادت المسلمين كثيرا، حيث تيسرت لهم السبل إلى الفتوح ولم يبق عندهم خطرُ أن يهاجَموا من الخلف فتسد طريقهم، وَنَزَلَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ النِّبَاجَ (وهو موضع بين البصرة واليمامة) والمثنى معسكِر بخفان (وهو موضع قرب الكوفة)، فَكَتَبَ إِلَيْهِ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ لِيَأْتِيَهُ، وَبَعَثَ إِلَيْهِ بِكِتَابٍ مِنْ أَبِي بَكْرٍ يَأْمُرُهُ فِيهِ بِطَاعَتِهِ.

هذه الرواية كلها من تاريخ الطبري. فقد بعث سيدنا أبو بكر خالدا بنفسه فحصلت معارك، أما أسماء هذه المعارك وكيف انتصر فيها المسلمون فسأذكر ذلك مستقبلا، أي الحروب التي خاضها المسلمون ضد الفرس في عهد سيدنا أبي بكر في مناطق العراق وانتصاراتهم فيها سأتناول ذكرها في المستقبل، إن شاء الله.

الهوامش:

1 –  ابن جرير الطبري، تاريخ الأمم والملوك

2 –  ابن خلدون، العبر، وباب المبتدأ والخبر، … (تاريخ ابن خلدون)، مجلد 2

3 – مرزا بشير الدين محمود أحمد، سلسلة  أنوار العلوم، ج24 ص11-14، الرد على كتاب المودودي «المسألة القاديانية».

تابعونا على الفايس بوك
Share via
Share via