ليلة القدرِ وعلاقتها بوحدةِ الأمة

ليلة القدرِ وعلاقتها بوحدةِ الأمة

نفيس أحمد قمر

داعية إسلامي أحمدي
  • ما هي حقيقة توقيت ليلة القدر؟
  • لماذا أُنسيها النبي ص؟
  • للإنسان وكيف يدركه في ليلة القدر؟
  • كيف تتحول العبادة الفردية في هذه الليلة المباركة إلى قوةٍ دافعة لوحدة الأمة ونبذ الخلافات؟

______

يكاد المنصفون من المستشرقين يُجمِعون على حقيقة أن العالم انتفع منفعة عظيمة من بعثة خاتم النبيين سيدنا محمد ، تلك البعثة المباركة التي أتاحت للإنسانية طفرة هائلة على الصعيدين الروحاني والمادي على حد سواء، بعد فترة طويلة من ضلالات الجهل وفساد العقائد. ولا شك أن الإنسانية جمعاء قد نالت من فيوض تلك البعثة المباركة، إلا أن المسلمين خصوصا، بفضل تصديقهم النبي وإيمانهم بسنته قد نالوا حصة الأسد من تلك البركات، وكيف لا؟! وهل يستوي من يتعاطى الترياق مصدقا بتأثيره الشافي ومن يتعاطاه على سبيل التجربة؟! ولِعِظم تلك البركات أراد الله تعالى أن يُذكّرنا بها لنستنزلها على الدوام، فكان أن جعل من ليلة مباركة في شهر مبارك تذكرة بتلك البركات وإتاحتها للطالبين على مر القرون. وقد ورد ذِكر تلك الليلة في مواضع شتى من القرآن الكريم وكذلك الأحاديث النبوية، تارة بالتصريح باسمها، أي ليلة القدر، وتارات بالتلميح بأوصافها وفضائلها، يقول تعالى:

﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ * سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾(1)

ويقول:

﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ * رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾(2)

وفيما يتعلق بالأحاديث النبوية، فقد تناولت كذلك ليلة القدر من زوايا شتى، فعن أبي هُرَيرةَ عنِ النبيِّ أنَّه قال:

«مَن يَقُمْ ليلةَ القَدْرِ إيمانًا واحتسابًا، غُفِرَ له ما تَقدَّمَ من ذَنبِه»(3).

التحديد الفلكي لليلة القدر

لقد ذَكَرَ الرواة مواقيت شتى لليلة القدْر، فمنهم من حدد ميقات حلولها بليلة الحادي والعشرين من رمضان، وهناك من يقول بأنها تقع بين 23 إلى 29 منه، وهناك من يُصِرُّ على أن ليلة 27 أو 29 من ليالي رمضان هي ليلة القدْر بالتحديد. ولكن الرواية المتّفَق عليها في هذا الصدد جاءتنا من حضرة عائشةَ رضِيَ اللهُ عنها، حيث قالتْ:

«كان رسولُ الله يُجاوِر في العَشْر الأواخِر من رمضانَ، ويقول: تَحرَّوا ليلةَ القَدْر في العَشْر الأواخِر من رمضانَ»(4). وعن عبد الله بن عُمرَ (رضِيَ اللهُ عنهُما) قال: قال رسولُ الله ﷺ: «تَحَيَّنوا ليلةَ القَدْرِ في العَشْرِ الأواخرِ.. أو قال: في التِّسعِ الأواخِرِ»(5). وتوجد أيضا روايات تحدد ميقات حلول ليلة القدر، منها ما ورد عن ابنِ عبَّاس (رضِيَ اللهُ عنهُما) أنَّ النبيَّ ﷺ قال: «الْتمِسوها في العَشر الأواخِر من رمضانَ؛ لَيلةَ القَدْر في تاسعةٍ تَبقَى، في سابعةٍ تَبقَى، في خامسةٍ تَبْقَى»(6).

هل أُنْسِيَ النبي ميقاتها؟! ولماذا؟!

بغض النظر عما يتبادر إلى الذهن على أنه اختلاف في تحديد ميقات تلك الليلة، فلا يكاد يختلف مسلمان على الوجود الموضوعي لليلة القدْر بوصفه حقيقة ثابتة. وصحيح أيضًا أنَّ النبي ﷺ أُخبر عن هذه الليلة بالتحديد، أي حين يَمُرّ المؤمن الحقيقي بتجربة خاصة لاستجابة أدعيته وتُجاب أدعيته بوجه عام.

ويبدو أن علم ميقات ليلة القدر ليس بالأمر الهيِّن، فباطلاعنا على بعض الروايات يتبين لنا أنَّ النبي ﷺ كان مهتما بمعرفة وقتها المحدد، وقد تسنى له ذلك بالفعل، فهمَّ بإخبار أصحابه بها لولا أنه أُنسيَ موعدها بسبب انشغاله بالإصلاح بين رَجُلَين مسلمَين متخاصمين، فعن عُبادةَ بن الصَّامتِ قال: «خرَج النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّمَ ليُخبِرَنا بليلةِ القَدْر، فتَلاحَى رجُلانِ من المسلمين، فقال: خرجتُ لأُخبِرَكم بليلةِ القَدْر، فتَلاحَى فلانٌ وفلانٌ؛ فرُفِعتْ! وعسى أنْ يكونَ خيرًا لكم؛ فالْتمِسوها في التَّاسعةِ والسَّابعةِ والخامسةِ»(7).

ومن الروايات ما ينص على أن النبي ﷺ كان قد أُنسِي موعدها، فقد قال ﷺ:

«أُرِيتُ لَيْلَةَ القَدْرِ، ثُمَّ أُنْسِيتُهَا، وَأَرَانِي صُبْحَهَا أَسْجُدُ في مَاءٍ وَطِينٍ. قالَ: فَمُطِرْنَا لَيْلَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ، فَصَلَّى بنَا رَسُولُ اللهِ ﷺَ، فَانْصَرَفَ وإنَّ أَثَرَ المَاءِ وَالطِّينِ علَى جَبْهَتِهِ وَأَنْفِهِ. قالَ: وَكانَ عبدُ اللهِ بنُ أُنَيْسٍ يقولُ: ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ»(8).

وقد استنبط المُصْلِح المَوْعود من هذه الرواية أنَّ النبيَّ ﷺ لَمْ ينس فقط موعد ليلة القدر، بل شاء الله أن تُمحى وترفع، مُشيرًا إلى أن علم تلك الساعة رُفع بسبب الشجار الحاصل آنذاك بين اثنين من المسلمين، فلا أستطيع أن أخبركم عنها بالتحديد ولكن «التمسوها في العشر الأواخر في الوِتر».         لقد بيَّنَ المُصْلِح المَوْعود رَضِيَ اللهُ عَنْهُ نقطة جميلة جدًا في هذا الصدد وهي أنَّ الساعة التي بسببها أُطلق على تلك الليلة اسم ليلة القدْر تتعلق بوحدة الأمة. فهذه نقطة مهمّة جدًا، مع أنه يقال عادة بأنه لو لم يتشاجر هذان المسلمان لعلمنا موعدًا معيّنًا لهذه الليلة، ولكن قليلًا منّا من يتوجّه إلى الرسالة الهامّة الكامنة في الموضوع وهي أنَّ الساعة التي بسببها سميّت ليلة القدْر تتعلق بوحدة الأمة. والقوم الذين تتلاشى منهم الوحدة ترفع من بينهم ليلة القدْر أيضا. اليوم نضطر إلى القول بكلّ أسف أنَّ من سوء حظ البلاد الإسلامية أنه لم تعد فيها الوحدة باقية […] فبسبب عدم الوحدة بين المسلمين يتشجع الأغيار أن يفعلوا ضدهم ما يحلو لهم(9). المراد من ليلة القدْر هي الليلة التي تُقدَّر فيها أقدار الإنسان ويُحكَم فيها كيف سيعامل فلانٌ في السنة المقبلة وإلام يتقدم وينال الرقي وما هي المنافع التي سيحصل عليها أو ما هي الخسارة التي يمنى بها. القرارات بتقدم الإنسان تؤخذ في الليل أي في الظلمة. لقد ربط المُصْلِح المَوْعود هذا الرقي بالرقي المادي وقال ضاربًا مثله أنه يتبين من القرآن الكريم أنَّ الإنسان ينال تقدّمًا مادّيًا أيضًا في أثناء الظلمة المتواصلة. الإنسان يتولّد من بطن أمه والمعلوم أنَّ بطن الأم مجموعة عديدة من الظلمات وفيها يؤخذ قرار تقدّم الإنسان المادي(10).

لقد قُتل الكفار والمسلمون في الغزوات الإسلامية ولكن هلاك الكفار لم يكن ليلة القدْر لهم، بينما كان استشهاد المسلمين ليلة القدْر لهم حتمًا، ذلك لأن الله تعالى شرف تضحياتهم بالقبول. ينبغي أن نتذكر دائمًا أنَّ المعاناة التي لا يقيم الله لها قيمة فهي ليست بليلة قدْر بل هي عقاب وعذاب، أما المعاناة التي يقيم الله لها قيمة فهي ليلة قدْر حتمًا، أعني أنَّ الظلمة والبلاء والأذى التي يقضي الله بالجزاء عليها هي ليلة قدْر.

ليلة القدر وظلمة الابتلاءات

لذلك قال النبيُّ ﷺ أنه بقدر ما يكون الإنسان مقرّبًا إلى الله يواجه الابتلاءات بالقدر نفسه.فلا بد من الانتباه إلى أننا أيضًا نمرُّ بالابتلاءات في بعض الأماكن وهذا يشكّل ليلة القدْر لنا. فبسبب الابتلاء يلتمس المرء ليلة القدْر بشدة وحماس أكبر، ويتوجه إلى الدعاء أكثر من ذي قبل. والمعلوم أنَّ الإنسان يخضع أمام الله تعالى بوجه خاص عندما يعاني من مصيبة أو ظروفًا عصيبة. وهذه الحالة تساعد الإنسان على المرور بفترة التربية والنمو بنجاح. ولكن إذا فقدنا معايير الوحدة لن نستطيع أن نستفيد من ليلة القدْر بصورة صحيحة. وإذا استمررنا في تقديم تضحياتنا في سبيل الله حاسبين إياها مجلبة لرضا الله تعالى فسوف نستمر في حيازة النجاحات المتتالية أيضا. وبذلك سننال حياة جديدة ونبرز للعيان بصورة جديدة. وإذا حافظنا على وحدتنا لوجه الله ونَيل رضاه فسوف نعبر محطات جديدة للتقدم والازدهار بإذن الله.      فهذه نقطة مهمة جدًا يجب أن يجعلها كُلّ منا نُصب عينيه، ألا وهي أنَّ القرار لرقيّنا غير العادي لن يصدر إلا إذا مررنا بليلة القدْر بنجاح(11). لا شكّ أن هذا الحُكم كله في يد الله وهو الذي يستجيب الأدعية وهو الذي يقدر أن يجعل ليلة القدْر في نصيب من يشاء. ولكن لا بد لنا من الالتزام بأمور تساعد على الحصول على ليلة القدْر، عندها يكون مطلع الفجر أيضًا غير عادي، وعندئذ يُلاحظ اليوم الذي يطلُع علينا حاملًا نجاحات غير عادية لنا. فعلينا أن نضع كُلّ هذه الأمور في الحسبان للاستفادة من ليلة القدْر. المراد من ليلة القدْر هي ساعة التضحية المقبولة عند الله. وإذا قُبل أي شيء في حضرة الله فأي صفقة أفضل وأكثر ربحًا منها؟ لذا علينا أن نسعى للتضحيات المقبولة. لقد قُتل الكفار والمسلمون في الغزوات الإسلامية ولكن هلاك الكفار لم يكن ليلة القدْر لهم، بينما كان استشهاد المسلمين ليلة القدْر لهم حتمًا، ذلك لأن الله تعالى شرف تضحياتهم بالقبول. ينبغي أن نتذكر دائمًا أنَّ المعاناة التي لا يقيم الله لها قيمة فهي ليست بليلة قدْر بل هي عقاب وعذاب، أما المعاناة التي يقيم الله لها قيمة فهي ليلة قدْر حتمًا، أعني أنَّ الظلمة والبلاء والأذى التي يقضي الله بالجزاء عليها هي ليلة قدْر. لقد قدّر اللهُ تعالى للإنسان ساعات تضحيات، فإذا ضحّى فيها نالت القبول عنده يقينا. والجماعة الإسلامية الأحمدية قد ترى مشاهد ذلك ولا تزال، فهي تتعرض في بعض البلاد لظروف صعبة تبشر بطلوع ليلة القدْر لها، حيث تتسبب هذه المعاناة في تأسيس فروع جديدة للجماعة في شتى البلاد والمدن. فكي نرث المزيد من فيوض وبركات ليلة القدْر هذه يجب على كُلّ منا أن يعاهد على أننا سنزداد اتفاقًا واتحادًا، وإذا كان هناك خلل في هذا الاتحاد فسوف نسده فورا. اعلموا أننا سنرث بركات ليلة القدْر الحقيقية إذا ما صرنا مثالًا لقول الله تعالى في صفة المؤمنين بأنهم ﴿رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ…﴾(12). فعلينا أن نسعى في شهر رمضان أن نزيل ما في قلوبنا من ضغائن لإخوتنا، لكي نرث بركات ليلة القدْر بشكل فردي أيضًا، وكذلك لنقطف ما قدّر اللهُ لنا كجماعة من ثمار ليلة القدْر وترقياتها وإنعاماتها. ينبغي أن نتذكر أيضًا أنه كلما انهمرت علينا أفضال تمادى العدو في عرقلة طريقنا وإلقائنا في الفتن والمحن، إلا أنَّ بُشرى ليلة القدْر تبشّرنا بنجاتنا من نتائج شرور أولياء الشيطان وازدهار جماعتنا وقبولية دعائنا. فما دُمنا نسعى لإصلاح أنفسنا بما يرضى به ربّنا فسوف نظل ننتفع من فيوض ليلة القدْر. إنَّ غاية المؤمنين وسعيهم ورغبتهم إنما هي أن يروا ازدهار الجماعة في أوجّه كما وعد اللهُ بذلك، وانتماؤنا إلى المسيح الموعود يفرض علينا أن نسعى لنكون جزءًا من تلك الترقيات التي نبّأنا بها، وهذا سيتأتى بتحقيق أمرين هما الغاية من بعثته كما تبيّن، أولهما وصلُ العباد بربّهم، وجعل الناس يؤدي بعضهم حقوق بعض. فهناك مسؤوليتان علينا، أولاهما أن نرفع مستوى عباداتنا، والثانية أن نقضى على أية خصومة وخلاف فيما بيننا ونؤدي حقوق الآخرين، إذ من المحال أن يؤدي المرء حق أخيه ثم تكون بينهما خصومة أو خلاف. لو عمِلنا بهذا المبدأ فسوف نكون من الذين يدركون حقيقة ليلة القدْر وسوف نفوز بها أيضا. لقد عرّف الْمَسِيحُ الموعودُ ليلة القدْر مرة بأنها الوقت الأصفى للإنسان. فلكي نجعل حياتنا صافية علينا السعي للبحث عن مثل ليلة القدْر هذه أيضا، وستتيسر لنا حقًا حين نكون من الذين يجعلون حياتهم صافية(13).

الهوامش:

  1. (القدر: 2-6)
  2. (الدخان: 4-7)
  3. رواه البخاريُّ (35)، ومسلم (760)
  4. رواه البخاريُّ (2020)، ومسلم (1169).
  5. رواه مسلم (1165)
  6. رواه البخاريُّ (2021)
  7. رواه البخاريُّ (2023)، ومسلم (1174)
  8. رواه مسلم (1168)
  9. مرزا مسرور أحمد، الترجمة العربية لخطبة الجمعة الموافق 25/7/2014
  10. نفس المرجع السابق
  11. نفس المرجع السابق
  12. (الفتح: 30)
  13. نقلا عن: مرزا مسرور أحمد، الترجمة العربية لخطبة الجمعة الموافق 25/7/2014
تابعونا على الفايس بوك
Share via
Share via