- كيف تحولت العنصرية في الفضاء الرقمي إلى خوارزميات متحيزة تحجب الحقيقة وتغذي الكراهية؟

- ما هو السر الكامن في الشريعة الإسلامية بحيث جعلها الوحيدة القادرة على إنهاء عصر “الاستعلاء العرقي” وإحلال السلام العالمي؟
____
يخطئ من يظن أن العصر الجاهلي كان موصومًا بالتأخُّر العلمي والتقني، وليس الوصف بالجاهلية ذمًّا أو تحقيرًا، بل هو بيان لواقع حال أهل ذلك العصر، فهم
وثمة اتفاق على أن العصر الجاهلي يأتي على رأس قائمة عصور الاستشهاد في اللغة والأدب العربي، فهذا مما يُستدل به على أن أهل الجاهلية كانوا يتمتعون بنوع ما من التقدم على صعيد ما. ثم اكتسبت الجاهلية معناها السلبي من خلال كتب الأدب والتاريخ، بوصفها مصطلحًا جامعًا لكل مظاهر الضلال والسقوط الأخلاقي على وجه التحديد، تلك المظاهر التي تغذيها نزعة العصبية القومية، والعرب أطلقت لفظ الجهل على ما قابل الحِلْم، وليس كما قد يظن بعض المتأخرين أنه لفظ يراد به عدم معرفة القراءة والكتابة ومبادئ العلوم. ويبدو بالاستقصاء أن بِنية لفظ الجاهلية من مبتكرات القرآن، حيث يلتقي من يتلو القرآن بهذا المصطلح في مواضع أربعة من الذكر الحكيم، وهي:
قوله تعالى:
وقوله تعالى:
وقوله تعالى:
وقوله تعالى:
فلم يكن لفظ الجاهلية ليُعرف إلا بطلوع شمس الإسلام، إذ بضدها تتميز الأشياء.
وقد أنبأ باستمرار بعض مظاهر الجاهلية في أمته، وذلك في قوله :
فالشاهد من الحديث النبوي أن العنصرية فيما مضى كانت تأتي على رأس مظاهر الجاهلية المعروفة، ولا تزال باقية إلى عصرنا هذا، على الرغم من التقدم العلمي الملحوظ.
عنصريات في العصر الحديث، لا عنصرية واحدة!
مما يؤسف له، على الرغم من التقدم الكبير الذي أحرزته البشرية في العديد من المجالات، لا تزال العنصرية قائمة في العصر الحديث، ولكنها اتخذت أشكالًا شتى وأكثر تعقيدًا من تلك التي كانت سائدة في الماضي، كما أنها لم تعد ممارسات صريحة وعلنية، بل أصبحت في كثير من الأحيان متجذرة في هياكل المجتمع وأنظمته، وهو ما يعرف بـ»العنصرية النظامية» أو «المؤسسية”
ومن أبرز مظاهر العنصرية في العصر الحديث هناك العنصرية النظامية، والتي تتجاوز الممارسات الفردية لتصبح جزءًا لا يتجزأ من القوانين، والسياسات، والمؤسسات. ومن الأمثلة على ذلك، ما يظهر في مجالات العدالة الجنائية والتعليم والتوظيف. ففي مجال العدالة الجنائية تظهر العنصرية النظامية في العديد من الدول، حيث أن أفرادًا من أقليات عرقية أو إثنية معينة يكونون أكثر عرضة للتفتيش او الاعتقال، وهم أيضا عرضة للحكم عليهم بأحكام أقسى أو أطول، ناهيك عن مظاهر سوء المعاملة المتعددة من قبل سلطات إنفاذ القانون. ومن الشواهد الفعلية على هذه العنصرية ما كان يلقاه الأمريكيون من أصول افريقية، ولا يزالون.
وأيضا في مجالي التعليم والتوظيف يمكن أن تظهر العنصرية فيه بصورة تفاوت واضح في جودة التعليم المتاح للفئات المختلفة، أو في وجود تحيزات خفية في عمليات التوظيف والترقية، مما يحد من الفرص المتاحة للأفراد بناءً على خلفياتهم العرقية.
المظهر الثاني من مظاهر العنصرية في العصر الحديث ما يُدعى بالعنصرية الثقافية. ومع تراجع النظريات البيولوجية التي تؤكد على التفوق العرقي، تحولت العنصرية لتستهدف الثقافة والهوية. وبينما كانت النداءات الغابرة تقول بأن العرق الفلاني هو أسمى مما سواه من الأعراق، جاءت العنصرية الثقافية لتتأسس على فكرة أن ثقافة معينة «أسمى» من غيرها، مستغلَّة الصور النمطية السلبية لتبرير التمييز ضد الأفراد المنتمين إلى هذه الثقافات. ويجري استغلال الصور النمطية السلبية بتعميم صفات سلبية على جماعات كاملة، مثل وصف جماعة معينة بـ»الإرهاب» أو «الكسل» أو «الجريمة»، مما يؤدي إلى تشويه سمعتها وتسويغ الممارسات العنصرية ضدها. وظاهرة الإسلاموفوبيا، بهذا الصدد، تعد من أبرز مظاهر العنصرية الثقافية.
وثالث مظاهر العنصرية في العصر الحديث ما نعرفه بمصطلح «التطرف القومي»، وفيه تتبنى بعض الحركات السياسية في العصر الحديث خطابًا يركز على نقاء «الأمة» و»الهوية الوطنية»، ويرفض التعددية الثقافية، ويستخدم كراهية الأجانب للتحريض ضد المهاجرين واللاجئين والأقليات.
العنصرية في الفضاءات الرقمية
تُعد الفضاءات الرقمية بيئة خصبة لترويج صور جديدة للممارسات العنصرية، فوسائل التواصل الاجتماعي والمنتديات الرقمية أمست منصات لنشر الكراهية والتحريض على العنف ضد الأفراد والجماعات بناءً على عرقهم، دينهم، أو أصلهم.
كما قد رُصدت ظاهرة «الخوارزميات المتحيزة»، حيث تتصف بعض خوارزميات تطبيقات ومواقع الإنترنت بالتحيز العنصري الخفي، مما يؤدي إلى تضييق الخناق على المحتوى الذي ينشره أفراد من مجموعات معينة أو يؤيد قضاياهم، بينما يتم التسامح مع الخطاب العنصري الموجه ضدهم. وليس أوضح من الحجب القسري للمنشورات المؤيدة لطرف على حساب آخر، فيكفي أن ترد في المنشور كلمة نحو: فلسطين، إسرائيل، …. إلخ، حتى يُحجب المنشور بأكمله، بدعوى معارضته سياسة الموقع!
ازدواجية التعامل مع الأزمات الدولية
تتضح العنصرية أيضًا في ازدواجية المعايير الدولية في التعامل مع الأزمات الإنسانية، وعلى رأسها أزمة اللاجئين، حيث يُرحَّب باللاجئين من بعض المناطق ويُقدَّم إليهم الدعم الكامل، بينما يُعامَل آخرون من مناطق مختلفة بصورة متدنية، وكأنهم بشر من الدرجة الثانية أو الثالثة! وهذا يُظهر بوضوح أن النظرة إلى «الآخر» لا تزال تتأثر بالعرق واللون والخلفية الثقافية.
دور الإسلام في اجتثاث العنصرية من أصولها
لقد كان من أبرز أسباب المقاومة القرشية للدعوة الإسلام في بواكيرها الأولى أن الإسلام ينادي بالتوحيد أولا وهو ما يؤدي بالضرورة إلى المساواة بين الخلق ثانيًا. وتلك الدعوة الصريحة إلى المساواة، تتكرر بكثرة سواء في النص المرجعي الأساسي، كما ورد في قول الله تعالى:
أو في سياق السنة العملية التطبيقية للنبي الخاتم والمتلخصة في قوله:
فهذه التعاليم الإسلامية العميقة تُنشئ ثقافةً قائمةً على وحدة البشر وتساويهم الفطري في الحقوق والواجبات.
والدعوة الإلهية إلى المساواة في الإنسانية لها مناوؤوها في كل عصر، وهذه المناوأة لم تقتصر يوما على العصور القديمة، بل هي أمر حاصل باستمرار، ولا تنمحي إلا بهلاك الشيطان الرجيم، ذلك لأن أولى دعاوى التمييز العنصري كانت بإيعاز شيطاني، وذلك الإيعاز البغيض تحكيه آي الذكر الحكيم في قول الله تعالى:
التبجح بالممارسات العنصرية
من أكثر دواعي التأسف على انحطاط حضارة هذا العصر أن تكتسي الظواهر العنصرية بثياب المشروعية، فتكون عنصرية مدرعة بقوانين ولوائح تزيد من توحشها، وقد اعتدنا أن نرى مثل هذه الظاهرة في التاريخ الاستعماري الغربي، حيث مارس الاستعمار عنصريته الإجرامية لقرون على أصحاب الأرض الأصليين، وهذا ما بات محل اعتراف وإقرار من الغربيين أنفسهم.
الأمر الأكثر إدهاشًا أن بعض من يسمون أنفسهم مسلمين يحذون حذو الغرب في صب جام عنصريتهم البغيضة على عباد الله تعالى، ومن الشواهد المرصودة على عكوف الأمة على بعض مظاهر الجاهلية العنصرية ما يُذكر من أنه في بريطانيا، طالبت منظمة غريبة تُدعى جمعية الآباء المسلمين بترحيل الخليفة الرابع للجماعة الإسلامية الأحمدية، حضرة مرزا طاهر أحمد (رحمه الله)، شاكيةً من أنه كان متورطًا في نشر الانسجام العرقي!! وهي تهمة ما أنزل الله بها من سلطان(10).
وعلى ذكر شيء من سيرة الخليفة الرابع (رحمه الله)، يُروى أنه ذات مرة، خلال لقاء مع بعض الأحمديين الأفارقة، أجاب على سؤال حول العنصرية قائلاً:
لا يزال هناك مراوغة واضحة من مؤسسات دولية حتى اليوم بشأن الممارسات العنصرية. فبينما أصبح مقتل جورج فلويد صرخة احتجاجية لحركة «حياة السود مهمة»، لم يُسنّ إلى هذه اللحظة أي قانون فيدرالي لمنع تكرار مثل هذه الظلم. وكأن الاحتجاجات لم تحدث قط. من هنا نُذكر ونكرر، إن الطريق إلى العدالة والمساواة الحقيقيتين يمر عبر الإسلام حصرًا، بوصفه الدين صاحب المدونة التي تضمنت منظومة متكاملة لاجتثاث شجرة العنصرية الخبيثة من جذورها.
الهوامش:
- (الروم: 8)
- (آل عمران: 155)
- (المائدة: 51)
- (الأحزاب: 34)
- (الفتح: 27)
- صحيح مسلم
- (الحجرات: ١٤)
- أخرجه الترمذي (3955)
- (ص: 77)
- يُنظر: إيان آدمسون، رجل الله – القصة المذهلة للخليفة الرابع للمسيح الموعود، ص157-158
- مرزا طاهر أحمد، (لقاء باللغة الإنجليزية، ١ مايو ١٩٩٤)