إيماضات من سيرة المسيح الموعود عليه السلام

إيماضات من سيرة المسيح الموعود عليه السلام

مصلح الدين أحمد

  • كيف جسدت سيرة المسيح الموعود العملية معنى الآية الكريمة (أليس الله بكافٍ عبده)؟
  • ما هو الهمّ الوحيد الذي استهلك وقت وجهد حضرته ؟
  • كيف يثبُت من سيرة المسيح الموعود  أن الارتباط بالدين يحمي المؤمن من الوقوع في فخ الأعراض الدنيوية التي تشتت الفكر؟
  • ما هي المسؤولية الملقاة على عاتق خدام المسيح الموعود لمواجهة الحملات التي تستهدف إضلال الإنسانية في هذا الزمان؟

___

ما من شك في أن غالبيتنا قد مرَّت بتجربة الإطراق مليًّا والتفكير في أمور حياتنا الدنيا وقضاء حاجاتنا المتنوعة فيها. لكننا نتناول اليوم بعض الجوانب من حياة رجلٍ تفوَّق على هذه الحالات طبعُه، فآثر ألا ينفق وقته في شيء تكفل الله تعالى به، فصدَّق قول مولاه إذ يقول:

وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ.(1)،

فكفاه الله كل ما يُهِمُّ سائر الناس، حتى جعل ذلك العبد المقرَّب من قول الله تعالى نقشا لخاتمه وشعارا لحياته، والله تعالى القائل سبحانه:

أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ(2)

ولكن، ينبغي ألا نفهم مما سلف أن ذلك العبد المقرب عاش حياته خاليا من الهم، بل كان يهمه أمر واحد، هو ما أهم الذين خلوا من قبل من عباد الله الرسل المبعوثين، فقد جاشت نفسه لنجاة نوع الإنسان من براثن الشيطان، حتى اهتز لبكائه وتضرعاته عرش الرحمن، ونزل عليه إلهام الحضرة الربانية: «ينصرك رجال نُوحي إليهم من السماء.»(3)

الهدف الجوهري لبعثة المسيح الموعود

في تدوينة لسيرة المسيح الموعود ذكر حضرة مرزا بشير أحمد روايات تُرينا كم كان المسيح الموعود مشغولا بأمر واحد كبير! وهو إعلاء كلمة الله، ولو على حساب مصلحته الشخصية أو مكانته الاجتماعية، ألا وهو المقصد من بعثته وما يريد ربه عز وجل من جماعته، فليس الهدف مجرد إفحام الناس بالدلائل، ولا إدخالهم في جماعته بشتى الوسائل، بل المقصد من بعثته أن يكون كل فرد من أفراد جماعته مؤمنا حقيقيا، ويسلك سبيل التقوى حتى يصير عبداً تقياً. إن ما كان المسيح الموعود يهدف إليه في حياته سيكون هدف جميع أبناء جماعته من بعده، أم في ذلك شك؟!

فبما أن الدجال في هذا الزمان أصبح يبذل كل جهده ليضل المؤمنين، ويبدو أنه سلط كل قدراته على الأطفال والشباب والنساء والكبار والصغار والناس أجمعين، فلا بد لنا كخدام المسيح الموعود أن نتحد ونقف صفا واحدا كالبنيان المرصوص لمواجهة هذه الحملات الدجالية التي تقضي على إخواننا من البشر في العالم كله، وأن نقضي كل لحظة من حياتنا لخدمة هذا الدين الحنيف

فِيمَ كَانَ يُمْضِي يومه؟!

يقول عنه حضرة مرزا بشير أحمد في رواية أخرى من سيرة المهدي ملقيًا الضوء على دأبه ومسارعته إلى أداء حقوق الله ومنهاج تعبده بكرةً وأصيلا، يقول: إنما مثال حضرته كالمسافر الذي وجب عليه قطع مسافات طويلة في وقت وجيز.. وفي بعض الأحيان يكون مشغولا في التأليف والتصنيف اللياليَ الطوال، ثم يصبح مستيقظا باكرا بنشاط قائدٍ هُمامٍ لخدمة الدين كأنه قضى ليله في نوم عميق ولم يفعل شيئا في الآصال، وقد حدث مراتٍ ومراتٍ أن جاءه من الخدام والعمال، ورغم تناوبهم في الأعمال إلا أنهم كانوا يجلسون للاستراحة من وقت لآخر كلما نال منهم الجَهد كل منال لكثرة الأعمال، بينما عبد الله هذا لم يهن ولم يضعف ولم يستكن في خدمة الدين ولذلك فليس غريبا أن يصير مضرِب الأمثال.

ذات مرة كان حضرته مستغرقا في تأليف كتاب عربي فصيح، وكان جالسا في بيته حيث كان الظرف غير مريح، وكان ميدان البيت كساحة حربٍ أو كازدحام يوم الحشر من كثرة الأولاد واللعب والصراخ، كأن الناس في ميدان يوم القيامة الفسيح، فبقي يكتب ويكتب وكأنه جالسٌ في خلوة، بل كل ما ألف من كتب ألفها في مثل هذه الأماكن، وصدرت بنفس الجلوة، وعندما سُئل عن عدم التفاته لهذه التشويشات وكيفية تأليفاته في مثل هذه المكانات، فتبسم قائلا أنا لا أسمع شيئًا أبدًا، عن أي تشويشات تسأل؟!

منطقيا وعقليا لا يمكن لأي إنسان أن يرجو وجه الله تعالى ويسعى ويكدح للقائه من دون أن تكون أمامه أسوة حسنة تكون مظهرا ظليًّا لرسولنا الكريم لأنه هو أسوتنا الأولى.

لذا يقول الله تعالى في القرآن الكريم:

لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا.(4)

وما دام الإنسان متلهفا لرؤية الله تعالى، فلا بد له من أن يجتهد في اتباع سنة رسول الله . وبما أن مجرد القراءة والاستماع لأسوة الرسول مرارا من كتب الأحاديث وغيرها لا يكفي لإرواء ذلك العطش، لذا بعث الله تعالى إنسانا كانت فيه قدرات إحياء سنة الرسول الكريم، وكان مظهرا ظليًّا لذاته وصفاته ، فيعيد إحياء أسوته وتجسيدها ويُخرج الأمر إلى الواقع الحي المعاش بدلا من أن يظل مجرد أقاصيص وحكايا تلقَى على الأسماع ما لها من دليل عمليٍّ ملموس.

فالأسوة البادية من الروايات المذكورة في سيرة المسيح الموعود تتفق جميعها على أنه كان يقضي كل ثانية من حياته في سبيل الله، تعالوا لنرى  تفصيل ما كان حضرته يفعل، إنه إذا أكل يأكل لله، وإذا لم يأكل لم يأكل لله، وإذا شرب يشرب لله، ينام لله ويستيقظ لله، يعفو لوجه الله، يغضب لله، يتبسم، يضحك ويبكي ويتكلم ويسكت ويجري ويمشي ويقف ويجلس ويستمع لكل صغير وكبير ولكل حقير وعزيز، ويسافر لوجه الله، بل حتى إنه يتحسر لوجه الله لأنه يود أن يستخدم وقت ذهابه المتكرر للحمام ويتمنى أن يكرس هذا الوقت أيضا في خدمة دين الله، كما أنه تزوج لوجه الله، ويفرح زوجته وأولاده لوجه الله، وإن حصل وأغضبهم فلوجه الله أيضا.

لقد كانت أفعاله كلها، تتم وفق قوله الله تعالى:

قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.(5)

ليس كلامنا عن طاعن في السن أو شيخٍ فانٍ اقترب لقاؤه بربه فرقَّ قلبه لدنوّ أجله وأصبح  يقضي أوقاته كلها لوجه الله، كلا، بل منذ طفولته إلى وفاته وهو على هذه الحال، فمثل هذا الإنسان لا يتوقف عن العمل ليلاً ولا نهاراً، وطوال حياته يبقى مثابرا على العمل حتى إن الله بنفسه يطمئنه ويقول له: قد حان وقت الرحيل، حتى بعد ذلك أيضا وفي آواخر لحظات حياته، كان يغمى عليه ثم يفيق لبضع ثوانٍ ثم يغمى عليه مرة أخرى، وفي الثواني واللحظات التي كان يفيق فيها أيضا كان يقضيها لوجه الله، كان وقت وفاته فجرا، فكان كلما أغمي عليه ثم أفاق يسأل من حوله هل حان وقت صلاة الفجر، فيقولون نعم، فيبدأ بالصلاة ثم يغمى عليه خلال الصلاة، ثم يستيقظ مرة أخرى فيسأل نفس السؤال ويبدأ بالصلاة، ثم يغمى عليه مرة أخرى واستمر على هذا المنوال حتى وافاه الأجل وانتقل إلى الرفيق الأعلى.

لماذا نحتفل بيوم المسيح الموعود ؟! إننا نحتفل إحياء لتلك الأيام واستلهاما لنموذج حياته حضرته .

أنى لنا بقدرات الأنبياء؟!

ربما يقول بعضنا بعد سماع كل هذا أنه لا شك أن ذلك الرجل نبي، والله يعطيه القوة، من أين لنا الطاقة على هذا المقام؟! فهنا علينا أن نوضح أمرا، ذلك أن النبيين لم توهَب لهم قدرات خارقة تفوق قدرات من سواهم من البشر، لذا فقد خاطب الله تعالى رسوله : قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ…(6)، فلم؟! لماذا قال الله عز وجل:

لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ…(7)؟

أقالها لنرددها بصوت جميل فحسب؟ كلا، بل يمكن لكل إنسان منا أن يمشي في هذا الطريق ثم يتفضل عليه الله بطاقة خارقة للعادة يتفوق بها على الآخرين، فإنكم ربما ترون في بعض الأحيان رجلاً ينام سبع ساعات ويعمل طوال اليوم حتى الساعة الحادية عشرة ليلا، ورغم ذلك يكون كسلاناً ويتلاعب برأسه النعاس، وترون رجلاً آخر ينام أربع ساعات فقط وتتولد فيه طاقة ليعمل حتى الساعة الثانية عشرة ليلاً، ثم يستيقظ في اليوم التالي ويكمل يومه على نفس الحال دونما كلل أو ملل.

هذا يعني أن التوفيق يأتي من عند الله ولكن علينا أن نثابر على أعمال الصالحات، يقول تعالى:

فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا.(8)

 

الدجال يسرق الوقت ويصرف عن الهدف!

في خطاباته لطلاب الجامعة والمبشرين يذكر حضرة أمير المؤمنين (أيده الله تعالى بنصره العزيز) أنّ الأعمال والمصاعب تزداد سنة بعد سنة، وكلما تخرج فوج من الجامعة، تصعب وتزداد مهمات ومسؤوليات الدعاة الذين يتخرجون في السنة التي تليها. ولماذا يحدث هذا؟ بسبب انتشار فتن الدجال، وبسبب استماتته في محاولات السيطرة على عقولنا، وعلى أفكارنا وعلى أولادنا وعلى كبارنا وصغارنا من خلال الإلكترونيات والمبتدعات التي تستعمل في غير محلها، وأنا أتكلم هنا على حال المؤمنين، فما بالكم بسيطرته الفعلية على غير المؤمنين؟!

إننا لو تفكرنا في أحوال الأطفال الشباب في هذه الأيام وكيف يقضون أوقاتهم، فسنجد أن الأطفال طالما تستحوذ على أفكارهم إما ألعاب الفيديو، أو الألعاب الرياضية، وهذه الممارسات ليست خطأ في حد ذاتها، لكنها تمسي خطأ عندما تبعد قلوبهم عن حب الدين وتذهب بهم بعيدا عن الهدف الحقيقي، إن أكثرية الشباب أفكارهم مشغولة بمستقبلهم أو بأمور زواجهم، وإذا كانوا متزوجين فبزوجاتهم وأولادهم.. وكيفية الحصول على المال أكثر وأكثر.. والكبار أيضا هكذا أفكارهم مشغولة بأمثال ذلك، وقل من الناس مَن يفكر في خدمة الدين، ونجاة الناس من الجحيم.

أين مقام هؤلاء الناس من أسوة المسيح الموعود ، ذلك بالرغم من أن كلامي كله عن المؤمنين.

فبما أن الدجال في هذا الزمان أصبح يبذل كل جهده ليضل المؤمنين، ويبدو أنه سلط كل قدراته على الأطفال والشباب والنساء والكبار والصغار والناس أجمعين، فلا بد لنا كخدام المسيح الموعود أن نتحد ونقف صفا واحدا كالبنيان المرصوص لمواجهة هذه الحملات الدجالية التي تقضي على إخواننا من البشر في العالم كله، وأن نقضي كل لحظة من حياتنا لخدمة هذا الدين الحنيف حتى نكون مصداقا لقوله تعالى:

قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.(9).

 

الهوامش:

  1. (الذاريات: 23-24)
  2. (الزمر: 37)
  3. إلهام تلقاه سيدنا المسيح الموعود عام 1900م، ودونه في كتاب: الأربعين 3، الخزائن الروحانية، مجلد 17، ص 421-428
  4. (الأحزاب 22)
  5. (الأَنعام: 163)
  6. (الكهف: 111)
  7. (الأحزاب: 22)
  8. (الكهف: 111)
  9. (الأَنعام: 163)
تابعونا على الفايس بوك
Share via
Share via