- فما هي أسرار التجديد الروحاني التي تجمع بين ذكرى “المصلح الموعود” ونفحات شهر رمضان؟
- كيف يمكن لذكرى نبوءةٍ تحققت تفاصيلها حرفياً أن تكون دليلاً حياً على وجود الإله الحق؟
___
التجديد سمة من سمات الإنسان الواعي صاحب النظرة البعيدة، والتقدم العلمي المستمر منذ آلاف السنين يكفي دليلًا على تطلع الإنسان منذ القِدم نحو التجديد والتطوير.. ومن أجل استمرار عمل الكيانات والآلات، بل وحتى الأفكار، لا مناص من التجديد المستمر بما يواكب العصر، والصيانة والتحديث المستمرين على نحو منتظم، والهدف المنشود هو حماية تلك الكيانات والآلات من اختراقات العابثين وتأهيلها لمواكبة آخر المستجدات. وثمة مثال حاضر في حياتنا الواقعية، فما لم يوضع أمر التجديد في الحسبان فيما يتعلق بالبرمجيات الحاسوبية مثلا، كانت عرضة للاختراق والقرصنة. فينبغي ألا نغفل وجود مخترقين وقراصنة في العالم الروحاني كذلك، نزل فيهم قرآن يُتلى، حيث يقول تعالى:
فمن لا يقبل التجديد على نفسه، يجعل منها دريئة لسهام الشيطان ومسرحا مفتوحا لهجماته.
لقد بات من المتعارف عليه بين أوساط جماعتنا أن يوم 20 فبراير هو يوم مشهود بمناسبة النبوءة عن المصلح الموعود، بما لهذه النبوءة من عظمة. حيث بُشِّر فيها سيدنا المسيح الموعود بولادة ابن له ذي شأن عظيم، وتضمَّنت تلك النبوءة كذلك مناقبَ عظيمة لذلك الابن الموعود، منها أنه سيعمَّر طويلا، وأن الجماعة التي أسسها المسيح الموعود ستحرز تقدما غير مسبوق في زمنه، أي زمن المصلح الموعود. وإن تاريخ الأحمدية لَشَاهد على تحقق جميع تفاصيل هذه النبوءة تحققًا حرفيا في عهد حضرة مرزا بشير الدين محمود أحمد المصلح الموعود، الممتد على اثنتين وخمسين سنة، أي أكثر من نصف قرن. وهذه النبوءة وحدها تكفي دليلا لإثبات صدق المسيح الموعود لأي منصف ذي بصيرة.
ويكفينا للاطلاع على شيء من أسرار التجديد في شهر رمضان الفضيل أن نعلم اشتماله على ليلة يقول المولى بشأنها:﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْر﴾(3).
لقد بتنا نسمع أصواتا تنادي بإصلاح الخطاب الديني، ونحن وإن كنا نحمد مساعي تلك الأصوات، إلا أننا لا نتوقع لها صدى، لأنها التمست الإصلاح من فاقديه، الذين بان فسادهم بالأمس القريب، وفاقد الشيء لا يُعطيه! وطالما سمعنا بتعليم النبي : «إذا أُسْنِدَ الأمْرُ إلى غيرِ أهْلِهِ فانْتَظِرِ السَّاعَةَ»(2). وليس أهل تجديد الخطاب الديني من كانوا بالأمس القريب سبب نكبته، إنما أهله من نصبه الله ، وأعلن ذلك بنفسه. ولا شك أن مجددين كثر قد خلوا من هذه الدنيا، وآخرون سيأتون، لكنْ ثمة مجددون من طراز فريد، يكون وجودهم بتأييد خاص من الله ، وتكون حياتهم بحد ذاتها دليلا قائمًا حيًّا على وجود ذلك الإله الحي، من هؤلاء المجددين حضرة المصلح الموعود ، والذي تُثبت كل لحظة من حياته، وكل إنجازاته ومؤلفاته أنه رجل علمه الله فأحسن تعليمه.
وما أحسنها من فرصة! أن يتزامن حلول ذكرى نبوءة المصلح الموعود مع حلول شهر رمضان الفضيل، أعاده الله تعالى على أمة الإسلام والعالم أجمع بالخير واليمن والبركات، وهذا الشهر الكريم بحد ذاته برنامج تجديد إيماني وروحاني، ناهيك عما يشتمل عليه كذلك من تجديد جسماني، بما أصبحنا نعرفه من فوائد الصيام الصحية سواء على المستوى الجسماني أو النفسي أو العقلي. ويكفينا للاطلاع على شيء من أسرار التجديد في شهر رمضان الفضيل أن نعلم اشتماله على ليلة يقول المولى بشأنها:
فمن هنا تنوه أسرة التقوى لفائدة قرائها الأكارم أن يتخذوا من هذا الشهر الفضيل برنامجًا تجديديًّا روحانيًّا، مستلهمين بركات سيدنا المصلح الموعود وعلومه، والتي هي قطعا ثمرة طيبة، من فرع طيب، من دوحة طيبة. فتزامنًا مع صدور عدد التقوى لهذا الشهر، فبراير 2026، وحيث تحضرنا هاتان المناسبتان المباركتان المذكورتان، ارتأت أسرة التحرير أن يستهدف عدد فبراير، أكبر مقدار ممكن من البركات، بعرض مواد تتناول كلتا المناسبتين، ليصب نهر عدد هذا الشهر في نهاية المطاف في مصب إصلاح وتجديد علاقة المخلوق بخالقه . فتنحو خطبة الجمعة التي ألقاها حضرة أمير المؤمنين أيده الله تعالى لنصره العزيز منحى جديدا في تناوُل قضية تحقق النبوءة عن المصلح الموعود ، بإيراد نماذج لإصلاحات حضرة مرزا بشير الدين محمود أحمد على المستوى العالمي. ثم تتداعى الأقلام للكتابة في موضوعات ذات صلة، منها ما يتعلق بالمصلح الموعود بصورة مباشرة، ومنها ما يتصل بقضايا إصلاحية وتجديدية بصورة عامة، من أبرزها قضية تجديد الخطاب الديني، كمناقشة الأقوال الواردة في ليلة القدر وتحديد ميقاتها، وعلاقتها بوحدة أمة الإسلام، وتجديد الخطاب الإنساني، كتشريح النزعة العنصرية الرقمية، بوصفها مظهرًا من مظاهر جاهلية العصر الحديث. فندعوه أن تُسهم مادة هذا العدد، وكل عدد، في التجديد الإيجابي المنشود في وعي القراء الأكارم، آمين.
- الهوامش:1. (الأَعراف: 28)
- (صحيح البخاري 6496)
- (القدر: 4)