مكانة القرآن عند مسيح آخر الزمان عليه الصلاة والسلام

أويس أحمد نصير

كاتب وشاعر
  • ما جئتكم في غير وقت عابثا.
  • لباب تعاليم القرآن يفسرها مسيح الزمان.
  • حظيرة القدس تسقى بماء القرآن.
  • آداب تلاوة القرآن الكريم.
  • لا نسخ في القرآن الكريم.
  • الخير كله في القرآن.

من سنة الله تعالى أنه يبعث رسله وأنبياءه في أوان تفشي الضلال.. لذا بعث خاتم النبيين وأفضل الرسل فهدى العالمين إلى صراط الله المستقيم.. وبعد وفاته وانقضاء خير القرون بدأت أنوار الهدى تضمحل في النفوس، وصار حال الإسلام كحال رجل نهبت أمواله، ومقاتل غُصبت أوزاره.. وحين كانت الأرض من الحق تخلّت، وعظمة الإسلام علي الناس تشوشت وغُمت. ولما بلغ الليل غايته، ووصل الظلام إلى منتهاه وذروته، بزغَ الفجر من سماء قاديان ورفعت رايته. فبُعث المسيح الموعود لإبراز مكانة الاسلام وفقا لنبوءة خير الأنام.. فاستبشر القلب بنيل أمنيته، واخضَلّ روض الأمل بعد ذبوله، وبزغ الكوكب بعد أفوله. فتنزّل الغيث الإلهي على الأرض الجدبة الماحلة، فأحيا موتاها، وردّ عليها شبابها.. فنادي بصوت عال بأنه لايستقيم إسلام المرء بدون اتباع أحكام القرآن ومن دخل في فنائه، وشرب من إناءه فقد فاز في هذه الدنيا و بعث ثانٍ.. يقول حضرته مبينا مقصد بعثته:«صحيح أن معظم المسلمين قد تركوا القرآن مهجورا، ولكن رغم ذلك فإن أنوار القرآن وبركاته وتأثيراته حيّة وتتجدد دوما، ولقد بُعثتُ أنا لإثبات هذا الأمر.» (1)

إن حب القرآن الكريم كان متغلغلا في قلب حضرة مؤسس الجماعة الإسلامية الأحمدية ، ومسيطرا على نفسه وروحه بشكل ليس له مثيل.. إن سيدنا أحمد لم يخبرنا عن أحكام القرآن الظاهرية فحسب بل قد بيَّن لنا أيضا حقائقَ القرآن الكريم ومعارفَه العميقةَ، وتمكن بتعليم الله تعالى لحضرته من استخراج المعارف الدقيقة وروائع النكات ومعاني الاستعارات وهكذا مَلَأ للطالبين جعبتهم باللآلي والدرر. كان الناس يكثرون الأقاويل في ذلك الوقت فلما فسر القرآن أَتى بلباب تعاليم القرآن وحقائقه، ولم يات أحد بأفضل مما جاء به المسيح الموعود . ومن أجمل وأروع ما كتب المسيح الموعود مفردا له بعض كتبه – تفسير سورة الفاتحة، وفيها مواعظ وتفاصيل وعذراء المعاني ودقائق التأويل.

إنه لفضل من الله تعالي علينا إذ خلقنا في هذا العصر ووفقنا للإيمان بالمسيح الموعود وبذلك هيأ لنا فرصة الاطلاع علي جوانب خفية من عظمة القرآن ومعارفه بواسطة المسيح الموعود الذي قدم لنا كنوز العلم والمعارف القرآنية الفريدة. أقدم بعض المقتبسات من كلام المسيح الموعود عن القرآن الكريم والتي تبين لنا أهمية القرآن ومكانته.. وسنعرف من خلالها أيضا ما هي مسؤولياتنا تجاه القرآن الكريم، وكيف يجب أن نؤديها، يقول حضرته :

«أصل كل شيء هو ما علّمه الله تعالي في القرآن الكريم وهو أن المسلمين لا يمكنهم إحراز أي رقي ما لم يتبعوا القرآن الكريم اتباعا كاملا ويتمسكوا بتعاليمه، كلما يبتعدون عن القرآن الكريم يبتعدون عن مدارج الرقي وسبله. إن العمل بالقرآن الكريم وحده يضمن التقدم والهداية».(2)

ويقول في موضع آخر:«خذوا حربة القرآن في أيديكم وستنالون الفتح حتما، ولن تقوم ظلمة أمام هذا النور.» (3)

حظيرة القدس تسقى بماء القرآن…

كان المسيح الموعود مولعا بالقرآن الكريم، بل كان قلبه مفعما بحب نادر للقرآن حتى أن تعظيمه للقرآن لم يكن له مثيل، وكان فهمه للقرآن ودقائقه أمرا محيرا معجزا. ونكتفي هنا بإيراد بعض المقتبسات التي تسلط الضوء على حب المسيح الموعود للقرآن يقول :

«ووالله إنه دُرّةٌ يتيمة. ظاهره نورٌ، وباطنُه نورٌ، وفوقه نورٌ، وتحته نورٌ، وفي كل لفظه وكلمتِه نورٌ. جنّةٌ روحانية، ذُلّلَت قُطُوفُها تَذليلاً، وتجري من تَحتِهِ الأنهَارُ. كُل ثمرَةِ السّعادَةِ تُوجَد فيه، وكلّ قَبَسٍ يُقْتبَسُ منه، ومن دُونه خَرْطُ القَتَادِ. مَوَاردُ فَيضه سائغةٌ، فَطُوبى للشاربين. وقد قُذِفَ في قلبي أنوارٌ منه ما كان لي أن أستحصلَها بطريق آخرَ. ووالله لوْلا القرآن ما كان لي لُطفُ حياتي. رأيتُ حُسنَه أزْيَدَ من مائة ألفِ يوسفَ، فمِلتُ إليه أَشَدَّ مَيْلي، وأُشْرِبَ هو في قلبي. هو ربَّاني كما يُرَبى الجنينُ، وله في قلبي أثَرٌ عجيبٌ، وحُسنُه يُراودني عن نفسي. وإني أدركتُ بالكشف أن حظيرة القدس تُسقَى بماء القرآن، وهو بحرٌ مَوّاجٌ من ماء الحياةِ، من شرب منه فهو يحيا بل يكون من المحيين». (4)

لقد تكلم حضرة المؤسس عن القرآن الكريم بأسلوب رائع أخاذ. وحيثما نتتبع سيرة المسيح الموعود سنجد أنّه لا يكاد يمر عليه يوم دون أن يلهج لسانه بتلاوة القرآن.. ومن تصفح كتاباته وجدها تفيض بحب الحقائق القرآنية. لقد دعا المسيح الموعود جماعته الي إتباع أحكام القرآن والمواظبة على تلاوته يقول حضرته:

«لا تتركوا القرآن مهجورًا، لأن فيه وحدَه حياتَكم. إن الذين يُعظّمون القرآن سوف يلقون الإكرام في السماء.. ألا لا كتاب على الأرض لبني الإنسان إلا القرآن». (5)

آداب تلاوة القرآن الكريم…

ويعلمنا حضرته سبل التأدب مع القرآن الكريم.. إذ للتلاوة آدابٌ ينبغي علينا مراعاتها حين نقرأ القرآن.. فيجب علينا أن نتدبر في أوامره ونواهيه فنلتزم بما أمرنا به ونمتنع عما نُهينا عنه – سأل حضرتَه سائل – كيف يجب أن تكون تلاوة القرآن؟ فقال فيما يتعلق بآداب تلاوة القرآن ما يلي:

«اتلوا القرآن الكريم بتدبر وتفكر وإمعان نظر. ورد في الحديث الشريف: «رُبَّ قارئ يلعنه القرآن».. أي هناك من يقرأ القرآن ولكن القرآن يلعنه. فعلا الذي يقرأ القرآن ولا يعمل به هو الذي يلعنه القرآن. فإذا مرّ المرء أثناء تلاوة القرآن بآية رحمة فعليه أن يسأل الله من رحمته، وإذا مرّ بآية تذكر نزول عذاب على قوم فعليه أن يستعيذ بالله من عذابه. وينبغي تلاوة القرآن بالتدبر والإمعان، كما يجب العمل به». (6)

فهذا هو الأدب الذي علّمنا إياه سيدنا المسيح الموعود لتلاوة القرآن الكريم. وإننا نرى أن المتحلي بهذا الأدب والمتدبر للقرآن العامل بأحكامه يتراءى مختلفا عن غيره، وتكون حالته الروحانية أعلى من غيره.. والحق أن تقدمنا المادي والروحاني مرتبط بالتدبر والتفكر في القرآں والعمل بأحكامه والخضوع لحكومته في كل شؤوننا.لذا وجّه المسيح الموعود أنظارنا إلى التدبر والتفكر في القرآن الكريم كما كان صحابةُ النبيِّ يَقْرؤون ويتدبَّرون، ويتأثرون، فإن التدبر هو الغاية الكبرى من إنزال القرآن.. قال تعالى:

كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (7)

والحق أن تقدمنا المادي والروحاني مرتبط بالتدبر والتفكر في القرآں والعمل بأحكامه والخضوع لحكومته في كل شؤوننا.«إن الخطاب الجميل اذا القي بأسلوب جميل كان له أثر، ولكن نفس الخطاب لو القي باسلوب رديء مملّل فَقَدَ التأثير.»

ومن آداب تلاوة القرآن الكريم تلاوته بصوت عذب جميل، وهو أمر محمود والغرض من ذلك تبليغ الاسلام، لأن الخطاب لو ألقي بصوت جميل فإنه لا شك يترك أثرا في النفوس.. يقول حضرة المسيح الموعود :«إن الخطاب الجميل إذا ألقي بأسلوب جميل كان له أثر، ولكن نفس الخطاب لو القي باسلوب رديء مـُمِلّ فَقَدَ التأثير.» (8)

لا نسخ في القرآن الكريم…

كانت قضية الناسخ والمنسوخ فى القرآن الكريم شائعة بين المسلمين على اختلاف طوائفهم في زمن االمسيح الموعود : حيث كانت لديهم فكرة خاطئة حول معنى قول الله تعالى:

مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بخيرمِّنْهَآ أَوْ مِثْلِهَآ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍۢ قَدِيرٌ (9)

فكانوا يستدلون بها على وجود النسخ في القرآن الكريم، وتعطيل أحكام عدد من الآيات القرآنية بادعاء نسخها بآيات أخرى.

وقد حكم المسيح الموعود في هذه القضية باعتباره الحكم العدل فأوضح بكل جلاء أنه لا نسخ في القرآن، وأعلن أن القرآن من أوله إلى آخره محكم ومعمول به ولم يُنسخ حرف من حروفه.. فيقول في هذا السياق ما تعريبه:«إن رَقبتي هي تحت نِير القرآن الكريم، وليس لأحد أن ينسخ حتى نقطة أو حركة من القرآن الكريم.» (10)

«الخير كله في القرآن»

وكما بين المسيح الموعود أهمية القرآن الكريم بكثرة في كتبه وملفوظاته ومجالسه، فقد بين أيضا حضرته ما يرجوه ويتوقعه من كل أحمدي تجاه القرآن الكريم.. وفي هذه الكلمات ينصح حضرته جماعته فيقول:

«فكونوا حذرين ولا تخطُوا خطوة واحدة خلاف تعليم الله وهدي القرآن. أقول والحق أقول لكم إنه من يُعرض عن أصغر أمر من أوامر القرآن السبع مائة فإنه بيده يسدّ على نفسه باب النجاة. إن القرآن قد فتح سبل النجاة الحقيقية والكاملة، أما ما سواه فليس إلاّ ظلاله. لذلك فاقرؤوا القرآن بالتدبر، وأحِبّوه حبّا جمّا، حبّا ما أحببتموه أحدا، لأن الله قد خاطبني قائلا: «الخير كله في القرآن» وإن هذا لهو الحق، فو أسفا على الذين يقدمون علي القرآن الكريم غيره. إنّ مصدر فلاحِكم ونجاتكم كله في القرآن.(11)

إن هذه الكلمات تعد تعليما واضحا وجليا لكل أفراد الجماعة.. وهي تحملنا عبئا كبيرا للعمل بها.. وإلا فالتفريط في هذه الوصية هو مقام خوف عظيم، لذا يجب علينا أن نجعل القرآن الكريم نصب أعيننا قبل القيام بكل عمل وقبل أن نخطو كل خطوة. وهذا ما يتوقعه سيدنا الإمام المهدي والمسيح الموعود من كل أحمدي.إن سعينا الدؤوب للعمل بتعاليم القرآن الكريم هو الذي سيهدينا إلى سبل النجاة. فعلي كل واحد منا أن یسعی جاهدا لذلك بلوعة وحرقة. لقد سعي سيدنا الإمام المهدي في هذا العصر ليرسخ فينا هذا الأمر لأنه كان من أهم أهداف بعثته في الزمن الذي اتخذ المسلمون فيه القرآن مهجورا.. فعلينا أن نؤثر القرآن الكريم على كل شيء في العالم، وأن نكرمه بحيث لا يضاهيه شيء في الدنيا. وعلينا الاستفادة بالجواهر والدرر من هذا الكنز المخفي الذي أطلعنا عليه المسيح الموعود . وفقنا الله تعالى لفهم هذه الرسالة والعمل بتعاليم القرآن الكريم ، آمين.

1. جريدة الحكم،مجلد9،عدد40،يوم 17 نوفمبر 1905 ص72.2. الملفوظات مجلد8 ص 29،30

3. جريده الحكم مجلد4 عدد 37يوم 17 اكتوبر 1900ص5

4. الخزائن الروحانية ج 5 كتاب مرآة كمالات الإسلام ص 545 و546

5. الخزائن الروحانية مجلد 19کتاب: سفينة نوح، ص 13

6. جريده الحكم مجلد11 عدد 8يوم 10مارس 1907ص15

7. سورة ص الاية 30

8. ملفوظات مجلد8ص208

9. البقرة107

10. جريدة «أخبار عام» الصادرة من لاهور يوم 26 مايو 1908

11. سفينة نوح مجلد19ص26،27