• فتن العلماء.
  • تكذيب العلماء لإمام الزمان.
  • الملذات الدنيوية وطريق الإلحاد.
  • القلم والبرهان أسلحة إمام هذا الزمان.

فليَبْكِ الباكون على مصيبة الإسلام، وعلى فتن هذه الأيام. وأيّ فتنة أكبر من فتن هذه العلماء، فإنهم تركوا الدين غريبا كشهداء الكربلاء. وإنها نار أذابت قلوبنا، وجنّبتْ جنوبَنا، وثقّلتْ علينا خطوبنا، ورمتْ كتاب الله بأحجار من جهلات الجاهلين. وترى كثيرا منهم يُخفون الحق ولا يجتنبون الزُور كالصلحاء، وتكذب ألسنتهم عند الإفتاء. غشّوا طبائعهم بغواشي الظلمات، وقدّموا حَبَّ الصِلات على حُبّ الصَلاة. نبذوا القرآن وراء ظهورهم للدنيا الدنيّة، وأمالوا طبائعهم إلى المقنيّات الماديّة. واشتدّ حرصُهم ونهمتُهم وشغفُهم باللذّات الفانية، وجاوز الحدَّ شحُّهم في الأماني النفسانية.

ما بقي فيهم علمُ كتاب الله الفرقان، ولا تقوى القلوب وحلاوة الإيمان. وتَباعدوا من أعمال البر وأفعال الرشد والصلاح، وانتقلوا من سُبل الفلاح إلى طرق الطلاح. وعاد جَمْرُهم رمادًا، وصلاحهم فسادًا. بعُدوا من الخير والخيرُ بعُد منهم كالأضداد، وصاروا لإبليس كالمقرَّنين في الأصفاد، وانجذبوا إلى الباطل كأنهم يُقادون في الأقياد. يخونون في فتاواهم ولا يتقون، ويكذبون ولا يبالون، ويقرُبون حرماتِ الله ولا يبعُدون، ولا يسمعون قول الحق بل يريدون أن يسفكوا قائله ويغتالون. ولما جاءهم إمام بما لا تهوى أنفسهم أرادوا أن يقتلوه وهم يعلمون. وما كان لبشر أن يموت إلا بإذن الله فكيف المرسَلون؟

إنه يعصم عباده من عنده ولو مكر الماكرون. يقولون نحن خدام الإسلام وقد صاروا أعوانًا للنصارى في أكثر عقائدهم، وجعلوا أنفسهم كحِبالةٍ لصائدهم. يقولون سمعنا الأحاديث بالأسانيد، ولا يعلمون شيئا من معنى التوحيد. ويقولون نحن أعلمُ بالأحكام الشرعية، وما وطئتْ أقدامهم سِكَكَ الأدلّة الدينية. يطيرون في الهوى كالحَمام، ولا يفكّرون في ساعة الحِمام. يسعون لحطامٍ بأنواعِ قلقٍ، ويُخرِجون كأهل النفاق رؤوسَهم مِن كلّ نفقٍ. يقعون من الشحّ على كل غضارة، ولو كان فيه لحم فأرة. إلا الذين عصمهم الله بأيدي الفضل والكرامة، فأولئك مبرَّأون مما قيل وليس عليهم شيء من الغرامة، وإنهم من المغفورين….

فحاصل الكلام أن الإسلام مُلِئَ من الآلام، وأحاطت به دائرة الظلام، وأَرَى الزمانُ عجائب في نقضِ أسواره، وأسال الدهرُ سيولا لتعفية آثاره، وأكمل القدر أمره لإطفاء أنواره. ولما كان هذا مِن المَشِيّة الربانية، مَبْنيًّا على المصالح الخفيّة، فما تطرّقَ إلى عزم العِدا خللٌ، ولا إلى أيديهم شللٌ، ولا إلى ألسنتهم فللٌ. وكان من نتائجه أن المِلّة ضعفتْ، والشريعة اضمحلّتْ، وجرَفتْها المجارف، حتى أنكرها العارف، وكثر اللغو وذهب المعارف.

باخت أضواؤها، وناءت أنواؤها، ودِيسَ المِلّةُ وطالت لَأْواؤُها. وكان هذا جزاءَ قلوبٍ مقفَّلة، وأثامَ صدورٍ مغلَّقة. فإن أكثر المسلمين فقدوا تقواهم، وأغضبوا مولاهم، وترى كثيرا منهم شغَفهم حبُّ الأموال والعَقار والعِقيان، ومَلَكَ فؤادَهم هوى الأملاك والنسوان، وقلَّب قلوبَهم لوعةُ إِمْرتِها فشُغلوا بها عن الرحمن. وترى أكثرهم اعتضدوا قِرْبةَ الملحدين، وانقادوا كقَؤُودٍ لسيرِ الكافرين. وحسبوا أن الوصلة إلى الدولة طرقُ الاحتيال أو القتال، وزعموا أن النَبالة لا يحصل إلا بالنِبال، فليس عندهم تدبيرُ تأييدِ الملّة مِن غير سفك الدماء بالمرهَفات والأسنّة، ويستَقْرون في كل وقت مواضعَ الجهاد، وإنْ لم يتحقق شروطه ولم يأمر به كتابُ ربّ العباد.

ومن المعلوم أن هذا الوقت ليس وقتَ ضرب الأعناق لإشاعة الدين، ولكل وقتٍ حُكم آخر في الكتاب المبين، بل يقتضي حكمةُ الله في هذه الأوقات، أن يؤيَّد الدينُ بالحجج والآيات، وتُنقَد أمورُ المِلّة بعين المعقول، ويُمعَن النظرُ في الفروع والأصول، ثم يُختار مسلكٌ يهدي إليه نورُ الإلهام ويضعه العقلُ في موضع القبول، وأن يُعَدَّ عُدّةٌ كمثل ما أعدَّ الأعداء، ويُفَلَّ السيفُ ويُحَدَّ الدهاءُ، ويُسلَك مسلَكُ التحقيق والتدقيق، وتُشرَب الكأسُ الدِهاقُ من هذا الرحيق. فإن أعداءنا لا يسُلّون النواحلَ للنِحْلة، ولا يُشيعون عقائدهم بالسيوف والأسنّة، بل يستعملون ما لطُف ودقَّ من أنواع المكائد، ويأتون في صور مختلفة كالصائد. وكذلك أراد الله لنا في هذا الزمان، أن نكسر عصا الباطل بالبرهان لا بالسِنان، فأرسلني بالآيات لا بالمرهَفات، وجعل قلمي وكلِمي منبعَ المعارف والنكات، وما أعطاني سيفًا وسنانًا، وأقام مقامهما برهانًا وبيانًا، ليجمع على يدي الكلِمَ المتفرّقة، وينظم بي الأمور المتبدّدة، ويسكِّن القلوب الراجفة، ويبكِّت الألسنة المرجِفة، وينير الخواطر المظلمة، ويجدّد الأدلة المُخْلِقة، حتى لا يبقى أمر غير مستقيم، ولا نهج غير قويم.

(إعجاز المسيح ص 11 إلى 15)