كأَنه ولي حميم

__

مقاصد الدين جميعها تنحصر بين قوسين اثنين، هما على الترتيب: إصلاح العلاقة مع الخالق ، ثم إصلاح العلاقة مع الخلق، ويدور الحديث في هذا المقال الموجز عن إصلاح علاقة المرء بخلق الله تعالى.

كل ابن آدم خطَّاء

لا شك أن كل ابن آدم خطاء، هذا أمر تشهد عليه التجربة والملاحظة الموضوعية، ولا يشذ عنه إنسان مهما بلغ من الحكمة والكياسة والدهاء. وحتى لو لم يخطئ المرء أحيانا، فسيصوره سوء الظن أو سوء الفهم لدى البعض مخطئا على أية حال. وخطأ الإنسان، أو ظن المحيطين به أنه خاطئ، شيء يسفر عن سوء العلاقة بين خلق الله وبعضهم البعض، وسوء العلاقة بين الخلق هو مرض عضال، ووباء فتاك أباد شعوبا وقبائل، ولَزَمَ الأمر أن يُنزل الله دواء لمعالجته، بل والوقاية منه قبل أن يتفشى بين الخلق، أتدرون ماذا عسى هذا الدواء يكون؟! إنه التجاوز عن أخطاء الآخرين.
والتجاوز من التخطِّي، أي المرور بالشيء دون التوقف عنده مليًّا، أي تخطي هفوات الآخرين وزلاتهم بحقنا، وتغاضـينا عن تلـك الزلات، بمعنى أدق وأشمــــــل، التجاوز عن أخــطاء الآخـــرين في حقنا هو أول الطـريق إلى خُلــُق العفــو الذي هو صـفة المولى وأحد أسمائه الحـسنى.

لم يكتفِ المسيح الموعود فقط بدعوة أتباعه إلى العفو، وإنما أبدي نموذج العفو في نفسه وسيرته الناصعة … لقد عفا حضرته عن القس الدكتور «هنرى مارتن كلارك» الذى سعى مرارا وتكرارا إلى الإضرار بحضرته أمام القضاء، وكان عفو حضرته عنه هو بحق «سلام الشجعان» الذي أثبته التاريخ من قبل في حق حضرة خاتم النبيين خير الوري حين عفا من قبل عن قاتلي أهله وصحبه، ومن سعوا إلى قتله هو شخصيا، فقال لهم لما امتلك حق القضاء: «اذهبوا فأنتم الطلقاء»…

لماذا نحن بحاجة إلى العفو عن الناس؟!

و لم يتجاوز المرء أحيانا عن أخطاء الآخرين في حقه لما وجد حوله أخا أو صديقا ذا مودة، وقد أحسن الشاعر إذ قال:

إذا كنت في كل الأمور معاتبًا
صديقك لم تلقَ الذي لا تعاتبه

فعش واحدا أو صِلْ أخاك، فإنه
مقارف ذنبٍ مرة ومجانبه

إذا أنت لم تشرب مرارًا على القذى
ظمئت، وأي الناس تصفو مشاربه؟!

ولأن حب المرء لأخيه ما يحبه لنفسه هو صفة لا يكتمل الإيمان إلا بها، كما قال حضرة خاتم النبيين : «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ» (1) وإذا كان كل امرئ يرجو مغفرة الله تعالى له وعفوه عنه، أفلا نعفو نحن عن الآخرين، ونغفر تقصيراتهم بحقنا؟! يقول :

ليَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (2).

العفو، فضيلة بين رذيلتين: الإفراط والتفريط

يقول المسيح الموعود :

«عليكم أن تعوِّدوا أنفسكم على العفو والصفح في معظم الأحيان»، وليس توجيه المسيح الموعود هنا من قبيل النصائح الجوفاء، وإنما هو تعليم نافع حكيم يعالج مرضين اثنين في آن، فهو يعالج الإفراط الذي يبدو في إسراف المرء في مؤاخذة الناس على كل صغيرة وكبيرة، بحيث يولد لنفسه الضغائن، فيكون كمن يصنع عدوا له بيديه، أو كما يقول البعض: «يكون كمن يطبخ سمه، أو يحفر لحده».

كما يعالج توجيه المسيح الموعود لنا مرضا ثانيا، هو التفريط، والذي يبدو في إهمال العقاب كلية، والتزام العفو في كل الأحوال، مهما ترتب على ذلك من مفاسد، فالتوجيه الرباني الواضح يقول:

وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (3)،

إذًا، فالعفو لا يكون محمودا إلا إذا ترتب عليه إصلاح مرجو، عدا هذا فإنه لا يكون عفوا بحال، وإنما صورة من صور الضعف والمداهنة والديوثية.

لماذا لا يعفو البعض؟!

لا يميل المرء إلى مؤاخذة الآخرين على أخطائهم ومحاسبتهم عليها غالبا إلا لسوء اعتقاد لديه مفاده أنه لا يخطئ ولا يمكن له أن يقع في هذا الخطأ تحديدا مهما كانت الظروف.. أو لعل رغبة المرء في مؤاخذة الآخرين على ما يبدر منهم من أخطاء يكون منشؤها الكبر والشعور الزائف بالأفضلية عليهم.. فينبغي على الإنسان قبل أن يفكر في مؤاخذة الآخرين أن يفكر في نفسه، ألا يمكن أن يقع هو نفسه فريسة لذلك الخطأ يوما ما؟! وليفكر ساعتها ماذا عساه يكون تصرف الآخرين معه.
إن النفس الأمارة تهوى التسلط وإصدار الأحكام على الرغم مما فيها من العيوب، ولهذا كنا مأمورين بكبح أهواء هذه النفس كلية، وعُدَّ كبح الأهواء ذاك سبيل ترقينا من الحالة الطبعية إلى الحالة الأخلاقية ومنها إلى الحالة الروحانية.
وبالعودة إلى مسألة كبح جماح وأهواء النفس، فمعلوم أنه لا يسهل العفو على كل إنسان ما لم يبلغ ذلك الإنسان درجة خاصة من التواضع، وفي سبيل بلوغ تلك الدرجة الرفيعة علَّم المسيح الموعود أتباعه أن يكونوا –وهم محقون في قضية –كأنهم هم الملومون. يا له من تعليم لا يمكن لمدَّع كاذب أن يتلفظ به!

نذكر منها عفو حضرته عمن حاولوا غير مرة النيل من سمعة حضرته وشرفه وعرضه، وهو الأمر الذي يعد قتلا بكل ما لكلمة القتل من معنى، بل إن القتل المادي لأهون مما كان هؤلاء المغرضون يسعون إليه. لقد عفا حضرة المسيح الموعود عن القس الدكتور «هنري مارتن كلارك» الذي سعى مرارا وتكرارا إلى الإضرار بحضرته أمام.

مشاهد العفو في سيرة حضرة خاتم النبيين

وإذا استعرضنا هذه الخصلة الحميدة – التجاوز عن أخطاء الآخرين – في حياة العظماء عبر التاريخ لوجدناها تتجلى أعظم تجلٍّ في حياة سيدنا ومطاعنا خير الأنام محمد ، لقد عفا ذلك الإنسان الكامل عمن بطشوا به وبأحبائه ومثَّلوا بهم. إننا لا نبالغ لو قلنا أن شيطان الثأر القابع في دخيلة كل منا قد أسلم لذلك الإنسان الكامل القياد، ولعل هذا أحد التصورات الحميدة لفهم قوله :

«مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَقَدْ وُكِّلَ بِهِ قَرِينُهُ مِنْ الْجِنّ.ِ قَالُوا: وَإِيَّاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: وَإِيَّايَ إِلَّا أَنَّ اللَّهَ أَعَانَنِي عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ، فَلَا يَأْمُرُنِي إِلَّا بِخَيْر.» (4)،

لنتذكر معا تجاوز النبي عن شيبة الحجبي الذي أظهر الإسلام بينما أضمر نية قتله في غمرة القتال، وكيف كسب ذلك الإنسان الكامل بصفحه صديقا جديدا. بل أصدقاء جددا كثيرين كما يروي التاريخ، بحيث انثنى أعداء الأمس أصدقاء مقربين اليوم، كل هذا بصفح النبي الجميل، مصداقا لقوله :

ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (5)

إن حياة المصطفى الاعظم سجل حافل بالصفح الجميل والعفو الذي لا يصدر إلا عن إنسان نبيل. وجدير بنا أن نتخلق بخلقه ونقتدي بأسوته.

من شابه أباه فما ظلم.. العفو في سيرة المسيح الموعود

لم يكتفِ المسيح الموعود فقط بدعوة أتباعه إلى العفو، وإنما أبدى نموذج العفو في نفسه وسيرته الناصعة، وقد أبدى هذا النموذج في مواقف عديدة سجلتها بطون المتون، من الجرائد وكتب التواريخ والسِّيَر وغيرها من الوثائق، نذكر منها عفو حضرته عمن حاولوا غير مرة النيل من سمعة حضرته وشرفه وعرضه، وهو الأمر الذي يعد قتلا بكل ما لكلمة القتل من معنى، بل إن القتل المادي لأهون مما كان هؤلاء المغرضون يسعون إليه. لقد عفا حضرة المسيح الموعود عن القس الدكتور «هنري مارتن كلارك» الذي سعى مرارا وتكرارا إلى الإضرار بحضرته أمام القضاء، وكان عفو حضرته عنه هو بحقٍّ «سلام الشجعان» الذي أثبته التاريخ من قبل في حق حضرة خاتم النبيين خير الورى حين عفا من قبل عن قاتلي أهله وصحبه، ومن سعوا إلى قتله هو شخصيا، فقال لهم لما امتلك حق القضاء: «اذهبوا فأنتم الطلقاء»، فلا داعي للاستغراب من اتصاف المسيح الموعود بهذا الخُلُق القويم، فهو إنما اكتسبه من أبيه الروحاني حضرة خاتم النبيين، فلله در الشاعر العربي إذ قال:

بأبه اقتدى عدي في الكرم
ومن يشابه أبه فما ظلم

1. صحيح البخاري، كتاب الإيمان
2. (النور: 23) 3.(الشورى: 41)
4. ٍ صحيح مسلم، كتاب صفة القيامة والجنة والنار) 5. (فصلت: 35)

Share via
تابعونا على الفايس بوك