• الإنسان مجبول على البحث عن أصل الأشياء.
  • هكذا يبجث عن أصل وجوده.
  • لكل لفظ عربي قصة ومعنى معين.

أصل اللغات: من فطرة الإنسان أنه مجبول على البحث عن أصل الأشياء. وربما يفسر هذا رغبته الدائمة في فهم أصل وجوده ومبدئه، ومن ثم معاده ومصيره. فتساؤلات الإنسانية جميعها يمكن اختزالها في سؤالين اثنين بين قوسين: (كيف البداية؟! وإلام المصير؟!)، وما بين هذين السؤالين الكبيرين تمتد حياة نوع الإنسان بأكملها. ولأن جواب السؤال الثاني (إلام المصير؟!) يعد أمرا مستحيلا ما لم يكن بمدد من الوحي، لذا كان توجه الإنسان منذ أمد بعيد إلى البحث في أمور المبدأ (بداية الخليقة، وعلى رأسها الإنسان).
والحضارة الإنسانية قطعا لم تنشأ فجأة بين عشية وضحاها، وإنما استلزم الأمر قرونا إن لم نقل آلاف السنين لكي يتم وضع حجر الأساس الأول للحضارة الإنسانية الأولى. وكما نعلم الآن يقينا أن الحضارة إنجاز تراكمي، يظهر حين يكون أفراد أي مجتمع قادرين على نقل معارفهم وخبراتهم إلى الأجيال اللاحقة، الأمر الذي يبدو مستحيلا دون وجود وعاء ناقل لخبرات الآباء ليستفيد منها الأبناء، لقد كان هذا الوعاء هو اللغة حصرا، المنطوقة أولا، ثم المكتوبة فيما بعد.
الآن من التساؤلات الإنسانية الكبرى، التي لم تنل بعد حقها من البحث والجواب، مسألة أصل اللغات، ولغة الإنسان الأولى، وهذا التساؤل (ما أصل اللغات؟!) هو نفسه المبحث الذي قررت الجمعية اللغوية في باريس، عدم مناقشته نهائيا، أو قبول أي بحث فيه لعرضه في جلساتها، الأمر الذي فسره البعض بحجة أنه «لا وجود لأي آثار في مخلفات الماضي للغة المنطوقة يستدل منها على كيف كانت حال اللغة قبل معرفة البشرية لتقنية الكتابة؟» (1)
وكثيرة هي الألفاظ الأجنبية الشائعة بشكل كبير، ليس في بلادها فحسب، بل في بلاد أخرى أيضا لم تكن لغتها أما لتلك الألفاظ، كبلادنا التي بات استخدام الإنكليزية فيها مسألة عادية بل ومستحسنة في كثير من الأحيان، ولو على حساب العربية (لغتنا الأم). قد يدهش المرء إذا علم أن عددا ضخما من المفردات الإنكليزية هو عربي الأصل في الحقيقة، وإن لم يدرك العرب أنفسهم تلك الحقيقة، نظرا إلى ابتعادهم المستمر عن قرآنهم.
وجميل أن يضع المرء يده على أصل الشيء وأول الخيط، ولكم يشعرنا هذا الأمر بنوع من السعادة التي مكمنها أن المرء يخطو خطوة جديدة على درب اكتشاف الغاية من وجوده!
قد لا يدهش المرء أمام القول الذي بات سائدا بين أوساط المثقفين الناطقين بالضاد، والقائل بأن الألسنة الإنسانية تفرعت جميعها من أصل واحد، بل إن العديد من السجالات في هذا الشأن كان سببها ميل كل طرف إلى القول بأن القدم في نصيب لسان قومه، وعلى هذا الأساس قيل أن العبرية أصل الألسنة، وقال آخرون إن بعض اللغات الأفريقية هي الأصل، كالحبشية مثلا. لقد كانت حجة كل طرف ودليله الأوحد تشابه ألفاظ في لغات أخرى مع لفظ ظن أنه أصيل في لغته، غير أن الحقيقة كانت مخيبة للتوقعات.
وانطلاقا من مبدأ أساسي آخذ في الانكشاف على يد حضرة مرزا غلام أحمد القادياني منذ نهايات القرن التاسع عشر الميلادي، ومفاده أن العربية أصل الألسنة جميعها، فسنقص أثر العربية في الألسنة الحية، وبالتحديد في الإنكليزية التي باتت لسان العالم كله تقريبا منذ بضعة قرون خلت وإلى وقتنا هذا، مستنيرين بالأسس التي أوردها حضرة المسيح الموعود في كتاب «منن الرحمن» لبلوغ مبتغانا. على أننا قبل الشروع في قص أثر العربية في الإنكليزية المعاصرة ينبغي علينا أولا تبيان أمر هام، وهو أن المسيح الموعود حين أثبت كون العربية أم الألسنة جميعها لم يستند في إثباته إلى مجرد التشابه بين مفردات عربية ومفردات في لغات أخرى، وإنما بيَّن أن القدم في نصيب اللغة التي تملك تسلسل اللفظ وأصله، وهذا هو تحديدا موضوع مقال الشهر، إذ نصحب القارئ في رحلة مع مفردة واحدة أو اثنتين، لنرى كيف شدت تلك المفردات رحالها من المشرق لتجوب الأصقاع فيتلفظ بها أناس في أقصى الغرب.
المفردة close ابنة الصحراء: وراء كل لفظ عربي قصة يكتسب منها هذا اللفظ بنيته، بحيث لن نكون مبالغين لو قلنا أن اللفظ العربي ليس مجرد رمز صوتي لمعنى ذهني معين، وإنما هو اختزال بليغ لقصة طالت أو قصرت لحياة مفردة عربية أو صوت عربي ما. فالقاموس اللفظي العربي من هذا المنطلق ليس مجرد قائمة طويلة من الألفاظ ومدلولتها ومرادفاتها، وإنما هو كتاب «سِيَرٍ» يختصر قصة كل لفظ واشتقاقاته عبر الزمان ليقدمها أمامنا مختصرة في بضعة أسطر. فهو يقدم لنا قصة اللفظ ومختصر حكاية وصوله إلى هذه الحال التي هو عليها؟ دعونا نضع هذا القول على محك الاختبار والتقصِّي.
اللغة مرآة بيئتها، وإذا كانت المظاهر الجغرافية والطبوغرافية للبيئة من مظاهرها المرئية، فاللغة وأصواتها تهد من المظاهر البيئية المسموعة،
من المفردات التي طالما نراها مكتوبة على اللافتات الإرشادية على أبواب الطرق أو المحال التجارية إشارة إلى كونها مغلقة، المفردة close، التي قد يصاب المرء بنوبة من الاندهاش ولو لوهلة إذا علم بعروبتها من حيث الأصل. صحيح أنها في العربية لم تستخدم بنفس المعنى الجاري استخدامه في الإنكليزية، ولكن لنر..
استعمل العرب للتعبير عن ركب التجارة الذي يجوب الفيافي ألفاظا عدة، كان أبرزها لفظ «القافلة» تفاؤلا منهم بقفولها، أي عودتها إلى الوطن حيث خرجت أول مرة. وقد ظهرت لهذا اللفظ استعمالات عدة، أهمها «القفل» الذي يعني «الدائرة المغلقة»، فعنى العرب من القفول قديما العودة، ثم تطور استعمال اللفظ ليدل على الإغلاق.
وفي الإنكليزية الحديثة شاع استخدام المفردة close بمعنى أغلق. ولا يجد المتوسم صعوبة في إدراك التطابق اللفظي بين هذه اللفظة الإنكليزية، ولفظة «قلوص» العربية، التي تعني الواحدة من الإبل، والتي تشكل في مجموعها القافلة، فيبدو واضحا أن الإنكليزية استعارت من العربية ليس مجرد لفظة «قلوص» فحسب، وإنما استعارت كذلك قصة دلالة اللفظ أيضا، فنجد في الإنكليزية:
close= أغلق/ اقترب / سدَّ / انتهى / ضيَّق
يلاحظ أن المعاني التي تتحملها المفردة الإنكليزية close هي ذاتها المعاني التي تقدمها المادة اللغوية العربية «ق ل ص»، حيث جاء في المعاجم مثلا: (قَلَصَ) الْقَافُ وَاللَّامُ وَالصَّادُ أَصْلٌ صَحِيحٌ يَدُلُّ عَلَى انْضِمَامِ شَيْءٍ بَعْضِهِ إِلَى بَعْضٍ… ومن هذه المادة اشتقت «الْقَلُوصُ»، وَبِهَا سُمِّيَتِ الْقَلُوصُ مِنَ الْإِبِلِ، وَهِيَ الْفَتِيَّةُ الْمُجْتَمِعَةُ الْخَلْقِ (2) وجاء في الحديث النبوي علامة على نزول المسيح آخر الزمان: «وَلَتُتْرَكَنَّ الْقِلَاصُ فَلَا يُسْعَى عَلَيْهَا» (3)

خاتمة: اللغات في حركتها ومداولاتها تسلك مسلك الأجسام المادية، فيكون انتقال المفردات من اللغات ذات القوة والحصانة والثراء إلى اللغات الأضعف والأفقر، وليس العكس، الأمر الذي يمكن به تفسير انتقال مفردات كثيرة من العربية إلى الإنكليزية، واستقرار المفردات الدخيلة تلك في مستودع الإنكليزية حتى ظن الظانون أنها إنكليزية الأصل، غير أننا في هذا المقال حاولنا بإيجاز رد المال إلى أهله، ونرجو أن نكون قد وفقنا في مسعانا هذا، ولعلنا نتابع ما بدأناه في مقالات قادمة، ومع مفردات جديدة إنكليزية من أصل عربي.

1. ثريا عبد الله، اللغة والمجتمع، ص 8

2. مقاييس اللغة لابن فارس

3. صحيح مسلم، باب نزول عيسى ابن مريم حاكما بشريعة نبينا محمد .