النبيُّ الأميُّ نبيٌّ إلى الأمة و نبيٌّ من الأمة

سامح مصطفى

كاتب وشاعر
  • الأمية، هل هي صفة نبوية؟!
  • ما سر ورود تعبير “النبي الأمي” مرتين اثنتين في آيتين متتاليتين في القرآن المجيد؟!
  • ماذا تقول الفكرة التقليدية السائدة عن معنى “الأمية”؟!
  • أكان من فحول الشعراء أميون؟!
  • كيف تساعدنا قواعد الصرف العربي في فهم معنى “الأمي”؟!
  • الأمِّيَّان اثنان: نبي إلى الأمة، ونبي من الأمة.

بين يدي الموضوع
من عجيب أمر النبوءات المستقبلية في الكلام الموحى عموما، والقرآن المجيد خصوصا، أن تحقق تلك النبوءات لا يقتصر على مظهر واحد في كثير من الأحوال، بل طالما يحدث أن يكون مصداق النبوءة الواحدة أكثر من حادثة، لأكثر من شخص، في أكثر من زمان، الأمر الذي يُكسِب النبوءات بشكل عام، والقرآنية منها بوجه خاص طابع الاستمرارية في التحقق، بحيث تبقى آية ودليلا قائما على صدق ذلك الكلام الموحى، وبالتالي صدق من نزل عليه ذلك الوحي. والنبوءات القرآنية من هذا القبيل أكثر من أن تُحصى وتُحصر في مقال كهذا، لذا سَيُكتَفَى بالإشارة إلى إحداها بشيء من الدراسة الموجزة.

تكرار غريب، وإشكالية بلاغية
جاء وصف النبي بـ»الأمي» في التنزيل الحكيم في سورة واحدة، هي سورة الأعراف، وفي آيتين اثنتين متتاليتين، هما الآيتان 158، و159، في قوله تعالى:

  الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (1)

إن أول التساؤلات تداعيا إلى أذهاننا هو: ألا يحيد أسلوب التكرار الظاهر هذا عن المنطق البلاغي الذي عودنا القرآن عليه؟! أعني أن تعبير «النبي الأمي» ورد في (الأَعراف: 158) ثم تكرر وروده في (الأَعراف: 159) دون أن يستعاض عن التكرار بضمير بارز، ولتقريب المسألة نورد مثالا، فبدلا من أن نقول: نتناول العنب طازجا، ونشرب العنب عصيرا، ونأكل العنب زبيبا، فإن أبسط البديهيات البلاغية تحتم علينا أن نقول: نتناول العنب طازجا، ونشربه عصيرا، ونأكله زبيبا، بحيث نستعيض عن اللفظ المتكرر بضمير بارز (الهاء، والتي بمعنى «هو»)، وهذه بديهية بلاغية، اللهم إلا إذا كان التكرار غير واقع أصلا، ولعلنا لم ندرك حقيقة الأمر بعد، فما عساها تكون تلك الحقيقة يا ترى؟!

الأمية كصفة نبوية، ونظرة في الفهم التقليدي السائد
كثر الحديث عن معنى الأمية في حق حضرة خاتم النبيين ، ومن المفسرين القدامى والمحدثين من قالوا بأنها تعني الجهل بالقراءة والكتابة، لئلا يكون لأحد من البشر عليه منة، وأنه استمد كل علومه من العليم الحكيم ، ومن هؤلاء المفسرين طائفة أفرطت في القول بهذا المعنى حتى باتت تكفِّر من يقول بنقيضه، من أن النبي الخاتم كان عالما بالقراءة والكتابة. وهناك طائفة أخرى من المفسرين ارتأت أن تفسر أمية النبي بأنها نسبة إلى الأمم، أي الأمم الأخرى غير الأمة الإسرائيلية. وهذا التفسير يبدو داحضا ببساطة، إذ بناء عليه يصلح إطلاق لقب «النبي الأمي» على جميع من خلوا من النبيين الغير منتمين إلى بني إسرائيل، وهذا غير مقبول بالنظر إلى السياق القرآني المشير إلى نبي بعينه، أو نبيين اثنين بعينهما.
ثم كيف ينسب النبي الخاتم إلى الأمم وبدءا من زمنه انصهرت كافة الأمم في أمة واحدة؟! وحقيقة اندماج جميع الأمم الغابرة في هذا الزمان باتت من البديهيات، فالآن لا يستقيم التعبير أن محمدا نبي الأمم، وإنما هو نبي الأمة الواحدة، مصداقا لقوله تعالى:

إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (2)

فنسبة حضرة محمد المصطفى إلى «الأمم» أمرٌ منطوٍ على مغالطة ملحوظة، على الأقل بمشاهدة الواقع.

أكان من فحول الشعراء أميون؟!
يُلاحَظ أن كثيرا من فحول شعراء العربية كانوا يجهلون القراءة والكتابة، فمن العصر الجاهلي كان «طرفة بن العبد»، وهو من شعراء المعلقات، كان يجهل القراءة والكتابة، حتى أن قصته المشهورة يدرك الجميع منها أن جهله بالقراءة كان سبب مقتله. ومن العصر الأموي كان الشاعر الفرزدق كذلك جاهلا بالقراءة والكتابة، ومن العصر العباسي نجد نصر بن محمد الخُبْزِأَرُزِّي، وغير هؤلاء الكثير. فلو كان مفهوم الأمية يعني مجرد الجهل بالقراءة والكتابة، وما يستتبع ذلك من القصور في تحصيل سائر المعارف والعلوم، فبم نفسر عدم افتخار أولئك الشعراء بذلك الجهل في أي من قصائدهم التي دونوا فيها كل كبيرة وصغيرة عن حياتهم وحياة أقوامهم؟! لماذا لم يفتخر هؤلاء الشعراء، أو المسلمون منهم على الأقل، بـ»أميتهم» تلك، والتي فُهِمَ أنها تعني الجهل المعرفي؟! لا سيما وأنها صفة نبوية كما يُشاع؟!
مما يؤسف له أن أكثر المفسرين القدامى والمحدثين تعاموا عن هذه الملاحظة، على الرغم من أنهم ذهبوا مذاهب شتى في سبيل فهم دلالة وصف النبي بـ «الأمي» في آيتي سورة الأعراف. أما عدم معرفته بالقراءة والكتابة، فإنه يكن وحيدا في هذا بين العرب، بل كان عدم معرفة القراءة ظاهرة شائعة في المجتمع العربي آنذاك. اللافت في الأمر أننا حتى لو سلَّمنا جدلا بهذه الفكرة، فسنجد أن صفة الأمية (التي يعنون بها الجهل بالقراءة) ليست صفة ثابتة في حضرة خاتم النبيين ، إذ كيف يستسيغ العقل السليم أن يكون جاهلا من يحث الآخرين على التعلم؟! بل ويدفعهم إليه دفعا؟! أيأمر الناس بالبر ثم ينسى نفسه؟! حاشاه ! نعم، لا ننكر أن حضرة محمد المصطفى لم يتعلم القراءة والكتابة قبل نبوته، ولكن، ماذا بعد تكليفه بالنبوة؟! لا بد وأن الأمر تغير، فلماذا بقيت صفة «الأمية» لصيقة به إلى الآن؟!

قاعدة النسبة الصرفية تفصل في القضية
إن لفظة «أمي»، كما هو واضح من بنيتها الصرفية، اسم منسوب للحوق ياء النسب به، فإذا ما جردناه من ياء النسب نكون أمام احتمالين لا ثالث لهما، الاحتمال الأول: أن يكون لفظ «أمي» نسبة إلى «أم»(3)، ويكون المعنى أنه استقى علومه من المصدر الأم، أي الأول، وهو الله . وعلى الرغم من يقيننا بأن حضرة سيدنا محمد تلقى علمه من لدن الله بشكل مباشر ودون واسطة أحد من البشر، إلا أننا نعلم أنه ليس متفردا بهذه الصفة من دون سائر النبيين من قبله، فحضرة آدم أمي كذلك من هذا المنطلق.
الاحتمال الثاني: أن يكون لفظ «أمي» نسبة إلى «أمة»، وهذا الاحتمال هو الأجدر بالقبول في نظرنا، لكونه مدعوما بأكثر من داعم، بدءا من توافقه مع قاعدة النسبة الصرفية التي تقول بأن كل اسم منته بتاء تأنيث مفتوح ما قبلها تكون النسبة إليه بإبدال تاء التأنيث بياء النسب مع كسر ما قبلها لمناسبة حركة الياء، مثل:
دُرَّة / دُرِّيٌّ، مِلَّة / مِلِّيٌّ، حِلَّة / حِلِّيٌّ، مُرَّة / مُرِّيٌّ، سُرَّة / سُرِّيٌّ، ذَرَّة / ذَرِّيٌّ.. وعلى هذا النسق تكون النسبة إلى أُمَّة / أُمِّيٌّ.. كذلك هذا الاحتمال مدعوم بأقوال أصحاب المعاجم القدامى، كالمطرزي مثلا، والذي قال: «والْأُمِّيُّ فِي اللُّغَةِ مَنْسُوبٌ إلَى أُمَّةِ الْعَرَبِ وَهِيَ لَمْ تَكُنْ تَكْتُبُ وَلَا تَقْرَأُ فَاسْتُعِيرَ لِكُلِّ مَنْ لَا يَعْرِفُ الْكِتَابَةَ وَلَا الْقِرَاءَةَ»(4).. إذًا فمعنى أن الأمي هو من لا يقرأ، جاء على سبيل الاستعارة فقط، وليس هو المعنى الأصلي للفظ.

الأمِّيَّان اثنان: نبي إلى الأمة، ونبي من الأمة
الآن لدينا حصيلة من التساؤلات، والتي بالإجابة عنها قد ندرك دلالة تعبير «النبي الأمي» الوارد مكررا في سورة الأعراف، وذلك باعتبار أن التعبير الأول لا محالة يشير إلى سيدنا محمد الذي هو نبي الأمة ومبتدؤها.
والأمر هنا منطو على قضية منطقية دقيقة، تتلخص في أن رأس الأمة ومبدأها لا ينتمي إلى سائر عناصرها، مثلا، لا يصح القول أن حضرة آدم معدود من بني آدم، كذلك لا يصح القول أن سيدنا محمدا معدود من أمة محمد، لأن به بدأت الأمة المحمدية، فهو نبي الأمة وليس نبيا من الأمة، وهذا يدعونا إلى مزيد من التفكر في كنه تعبير النبي الأمي «المكرر» في آية (الأَعراف: 159)، حتى نحصل على صيغة دلالية متوافقة مع منظومة الصرف والمنطق والبلاغة.
ولحضرة مرزا غلام أحمد القادياني عبارة لطيفة يكمن فيها حل القضية بأسرها، حيث يتحدث عن نفسه بوصفه المسيح الموعود بنزوله في الزمان الأخير قائلا:

«أيها الأحبة، ما دمتُ قد أثبتُّ أن المسيح بن مريم قد مات، وأنني أنا المسيح المنتَظَرُ مجيئُه، فالذي يفضِّل المسيحَ الأول عليه أن يثبت من نصوص الحديث والقرآن أن المسيح المقبل ليس بشيء يُذكر ولا يستحق أن يسمّى نبيًا ولا حَكَمًا، وأن المسيح الأول هو كل شيء. لقد أرسلني الله حسب وعده، فحاربوا الله الآن إن استطعتم. نعم، إني لست نبيًا فقط بل نبي من ناحية، وأُمِّيّ من ناحية أخرى لكي تَثبُت قوةُ النبي القدسيةُ وكمالُ فيضه.» (5).

خلاصة الفكرة أن النبي الأمي هو النبي المرسل إلى الأمة، وهو سيدنا محمد المصطفى وخاتم النبيين ، المشار إليه بالنبي الأمي في آية (الأَعراف: 158)، والنبي الأمي أيضا هو النبي الذي «من» الأمة، وهو سيدنا مرزا غلام أحمد القادياني المسيح المحمدي ، المشار إليه في آية (الأَعراف: 159)، فالحمد لله تعالى أن وفقنا لاتباع النبي الأمي الأول، ثم أتم علينا نعمته بأن زادنا توفيقا لاتباع ذلك النبي باتباع خادمه الذي هو نبي أمي أيضا، أي من أمته.

1. (الأَعراف: 158-159)
2. (الأنبياء: 93)
3. معجم اللغة العربية المعاصرة، لأحمد فؤاد عمر
4. المغرب في ترتيب المعرب للمطرزي
5. حقيقة الوحي، الخزائن الروحانية، مجلد22، ص159 .. في طبعات سابقة من «حقيقة الوحي» كانت اللفظة التي تحتها خط تُنقل كما هي من الأردية (أمتي)، والاستعاضة عنها بـ «الأمي» قد تم باستشارة المترجم، بعد الرجوع إلى أصول الصرف العربي.