• عهد الله هو الدخول في الإسلام والبيعة
  • الوفاء بالمعاهدات سبيل لحفظ السلام
  • السلام الحقيقي غاية الإسلام.

وَأَوْفُوا بِعَهْدِ الله إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ الله عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ الله يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (النحل: 92)

شرح الكلمات:
كفيلاً: كفَل الرجلَ والصغيرَ كَفْلاً وكَفالةً: عالَه وأنفقَ عليه وقامَ به، فهو كافِلٌ. كفَل بالمال كَفْلاً وكُفولاً: ضمَنه، فهو كفيل. والكفيلُ: المثيلُ؛ الضامنُ كالكافل. يقال: رجلٌ كفيلٌ وامرأةٌ كفيلٌ. وفرّقَ الليثُ بين الكفيل والكافل فقال: الكفيل الضامنُ، والكافل هو الذي يعول إنسانًا (الأقرب).

التفسـير:
اعلم أن “عهد الله” المذكور هنا قد شرحه القرآن الكريم في مواضع أخرى وهي:
1- يقول الله تعالى: إن الذين يبايِعُونكَ إنما يُبايِعون الله يَدُ الله فوقَ أيديهم فمَن نكَث فإنما ينكُثُ على نفسه ومَن أوفَى بما عاهَدَ عليهُ الله فسيؤتيه أجرًا عظيمًا (الفتح:11). وهذا يوضح أن “عهد الله” كان يعني في حياة النبي عهدَ البيعة على يده المباركة، أما بعد وفاته فيعني الدخول في الإسلام.
2 – ويقول الله وقالت طائفةٌ مِن أهلِ الكتابِ آمِنوا بالذي أُنزلَ على الذين آمَنوا وَجْهَ النهار واكْفُرُوا آخِرَه لعلهم يَرجِعون*… بلى من أَوفَى بعهدِه واتَّقَى فإن اللهَ يحبُّ المتّقين* إن الذين يشتَرُون بعهدِ الله وأَيمانِهم ثَمَنًا قليلا أولئك لا خَلاقَ لهم في الآخِرةِ ولا يكلِّمُهم الله ولا ينظُرُ إليهم يَومَ القِيامةِ ولا يزكِّيهم ولهم عذابٌ أليمٌ (آل عمران: الآيات 73 و77 – 78). و”الأيمان” جمع اليمين وهي الحلف. والمراد من قوله تعالى لا خَلاقَ لهم أن لا نصيب لهم. ولقد أوضحت هذه الآية أيضًا أن المراد من “عهد الله” هنا الإسلام.
3- ويقول الله تعالى: ولقد كانوا عاهَدُوا اللهَ مِن قبلُ لا يُولُّون الأَدبارَ وكان عهدُ الله مَسئُولا (الأحزاب: 16)، ولكننا لا نجد في القرآن ولا في الحديث أي عهد من قبل المنافقين بأنهم لا يولّون الأدبار؛ غير أننا نجد أمرًا إلهيًّا يقول: يا أيها الذين آمَنُوا إذا لَقِيتم الذين كفَروا زَحْفًا فلا تُولُّوهمُ الأَدبارَ (الأنفال:16)؛ فثبت بذلك أن المراد من “عهد الله” هو عهد البيعة الذي يعاهد فيه المبايع على أن يعمل بأحكام الله تعالى كلها، ويقوم بكل عمل حسن.
4- كما أن الله تعالى قد شرح هذا العهد في قوله تعالى إن الله اشْتَرَى مِن المؤمِنين أنفسَهم وأموالَهم بأن لهمُ الجَنّةَ يُقاتِلون في سبيلِ اللهِ فيقتُلون ويُقتَلون وَعْدًا عليه حقًّا في التوراةِ والإنجيل والقرآن ومَن أَوفَى بعهدِه مِن الله فَاسْتبشِروا ببيعِكمُ الذي بايَعتم به وذلك هو الفوزُ العظيمُ (التوبة: 111).
تؤكد هذه الآيات القرآنية كلها أن عهد الله يعني الإسلام، إذن فالمراد من الآية التي نحن بصدد تفسيرها أنكم إذا رضيتم بالإسلام دينًا فعليكم أن تعملوا بأحكامه كما ينبغي. علمًا أنه تعالى قد بين في الآية السالفة خلاصة تعاليم الإسلام وقد أكد الآن مرة أخرى على العمل بها.
في مستهل هذه الآية وصّانا الله تعالى أن نَفِيَ بما عاهدناه عليه، كما نهانا عن أن نخلف المعاهدات التي تتم بيننا نحن البشر باسم الله تعالى، لأننا إذا خالَفْنا ما جَعَلْنا الله عليه وكيلاً ضامنًا فقد أسأنا إليه ، فلا بد أن يغار ويعاقبنا على ذلك.
ومن الملاحَظ أن الله تعالى قد أكّد هنا أيضًا الموضوع نفسه الذي ذُكر في الآية السابقة.. أي الحث على أداء نوعين من الحقوق: حقوق الله وحقوق العباد؛ مما يعني أن الإسلام أو “عهد الله” اسمان لمسمًّى واحد ألا وهو إنشاء العلاقة السليمة مع الله ومع العباد.

ما أروَعَ ما يعلّمنا الإسلام هنا من أخلاق عالية! إنه ينبّه أن التفوق القومي شيء حسن دونما شك، ولكن لا يجوز تحقيقه باللجوء إلى الخداع والغدر بالآخرين. يجب أن تتم الاتفاقيات بهدف توطيد الأمن وإقرار السلام، وليس للكيد بالآخرين.

وليكن معلومًا أن التأكيد على الوفاء بالمعاهدات التي تتم بين البشر باسم الله تعالى لا يعني أن لا حرج في أن نخالف العهد الذي لا نجعل الله فيه كفيلاً وضامنًا.. أعني الوعد الذي لا نحلف فيه باسمه ؛ ذلك لأن العهد الذي نقطع مع الله تعالى يتضمن أيضًا الوعد بأننا لن نقول إلا الحق دائمًا. فالواقع أن الآية تحثنا على الوفاء بكل ما يمكن أن يكون الله ضامنًا عليه أي ما يكون مبنيًّا على الحق والسداد.. أو بتعبير آخر.. ما يندرج تحت العدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، أما ما سواه من وعود ظالمة مما يندرج تحت الفحشاء والمنكر والبغي فالوفاء به غير ضروري بل هو معصية؛ ذلك لأن الإنسان عندما يَعِدُ شخصًا بأمر حلال فكأنه يعاهد الله أيضًا عليه ويكون الله ضامنًا له، لذلك لا بد من الوفاء به؛ ولكن إذا تعاهَدَ الإنسان على ارتكاب ظلم أو معصية فعليه أن لا يفي بمثل هذا الوعد، لأنه لن يُسأل عنه، بل يجب ألا يفي به لأنه إثم، ولا يمكن أن يكون الله تعالى ضامنًا لـه، بل ينهى عنه.
وهذه الوصية الإلهية تخص أولئك الذين يحلفون على أمر حرام، ثم يصرّون على الوفاء به بحجة الوفاء بأيمانهم.

وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ الله بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (النحل 93)

شرح الكلمات:
نقضَتْ: نقَض البناءَ: هدَمه. نقَض العظمَ: كسَره. نقَض الحبلَ: حلَّه (الأقرب).
غزلَها: غزَلت المرأةُ القطنَ والصوفَ: مدَّتْه وفتَلتْه خيطانًا. الغزْلُ: مصدرٌ؛ المغزولُ (الأقرب).
أنكاثًا: جمعُ نِكْث وهو: ما نُقض من الأكسية والأخبية ليُغزَل ثانيةً (الأقرب).
دَخَلاً: الدخَل: ما داخَلَك من فساد في العقل أو في الجسم؛ الخديعةُ والمكر، وفي القرآن لا تتخذوا أيمانَكم دخَلاً بينكم ، و(دَخَلاً) مفعول له (الأقرب).
أربَى: اسمُ تفضيل مِن ربا يربو المالُ: زادَ ونما. وأربى عليه كذا: زادَ (الأقرب).
يبلوكم: بلاه يبلوه بلاءً: جرَّبه واختبره (الأقرب).

التفســير:
اعلم أن هذه الآية يمكن اعتبارها مستقلّةً بمعناها، كما يمكن أن نعتبرها مرتبطةً بما قبلها. فلو اعتبرناها استمرارًا للموضوع السابق فالمعنى: عليكم أن تَفُوا بالمعاهدات وفاء تامًّا، وإلا فسوف تتلاشى من بينكم الثقة المتبادلة، وسيدمَّر شمل جماعتكم المتماسكة بكل قوة.
الحق أن الالتزام بالعهود جدُّ ضروري للوحدة القومية، لأن حسن المعاملة هو قوام أي جماعة، ولا يتأتى هذا إلا إذا التزم الناس بالعهود، أما إذا انعدم الوفاء بها أدى إلى الاستياء وعدم الثقة بين المجتمع، وبالتالي يصبح سوء الظن هو الحكم السائد فيه، وهكذا فإن سوء التصرف من بعض الأفراد يحرم المئات من المنافع المنوطة بالنظام القومي. فينبغي للإنسان أن يفي بما وعد مهما كلّفه ذلك من بذل وتضحية، ذلك لكي تتوطد الثقة بين الناس، فيكونوا مستعدّين لمساعدة الآخرين بطيب النفس، ويستمرّ القوم في الترقي والازدهار.
وبالإضافة إلى العهود الفردية هناك عهود قومية أيضًا حيث يتعاهد أفراد القوم على يد أحد منهم لبذل كل ما في وسعهم للرقي القومي، وهذا ما يسمّى بالخلافة؛ والآية تشير إلى هذا العهد أيضًا، حيث تنبّهنا أن الله تعالى قد جعلكم أمة واحدة تحت نظام واحد، وقد حلفتم بالله على طاعة هذا النظام، فعليكم الآن الإذعان لهذا النظام دومًا، وإلا ستزول هيبة الإسلام التي توطدت بسبب تضحياتكم، وستضطرون لبذل الجهود من جديد لنشر هيبة الإسلام مرة أخرى.
والحق أن القرآن قد بين هنا حكمة سياسية عظيمة. إن الفُرقة بين بضعة أفراد من القوم يقضي على النظام كله، فيذهب كلُّ ما كسبه القوم سدًى؛ وإقامة النظام مرةً أخرى يتطلب بذلَ جهود وتضحيات جسيمة من جديد، ومع ذلك لا يكون الأمر كما كان في الأول، لأن الثوب المرقَّع لا يكون كالجديد، ولأن القلوب إذا تنافَرَ ودُّها مثلُ الزجاجة كسرُها لا يُجبَر. لذا هناك حاجة ماسة لبذل جهود مستميتة للوفاء بهذا العهد.
كما يتضح من كلمات هذه الآية أنها تتحدث أيضًا عن الاتفاقيات التي تتم بين المسلمين والأمم الأخرى؛ وبالنظر إلى هذا المعنى يمكن اعتبار الآية موضوعًا مستقلاًّ جديدًا، وهو أنه كما لا بد من مراعاة ما يعقده الإنسان مع الله أو مع قومه من عهود، كذلك لا مناص له من الالتزام بالمعاهدات التي تتم مع الأمم الأخرى، وإلا سيدمَّر سلام العالم وستعمّ الفوضى، كما تشير إلى ذلك كلماتُ دَخَلاً بينكم و كالتي نقَضتْ غزلَها مِن بعد قوة أنكاثًا .
ونظرًا إلى هذا المفهوم يمكن أن تفسَّر الآية بما يلي:
1- لا يجوز لكم أيها المسلمون أن تعقدوا الصلح مع قوم لا تقدرون على كسر شوكتهم، وفي نيتكم أن يطمئنوا جانبَكم نتيجة هذه الاتفاقية، فإذا اطمأنوا أعددتم لهم عُدّتَكم في الخفاء ودمّرتموهم على حين غفلة منهم. كانت ولا تزال مثل هذه التصرفات تقع في العالم السياسي، ولكن أحكام الإسلام مبنية على العدل والإحسان وإيتاء ذي القربى، فإنه يكره مثل هذه التصرفات وينهى عن إتيانها ولو كانت ضد عدو لدود للإسلام.
2- لا تعقدوا اتفاقية مع شعب ضعيف بحجة المساعدة، وغرضُكم الأصلي أن تستولوا على مقادير بلادهم، وذلك كما تفعل الدول الأوروبية في هذا العصر.
3- لا تَعاهَدوا من أجل إضعاف الأمة المعاهِدة ووقفِها عن الرقي، بل إذا عقدتم الصلح مع قوم فيجب أن يكون صلحًا كاملاً وصادقًا.
ما أروَعَ ما علَّمنا الإسلام هنا من أخلاق عالية! إنه ينبّه أن التفوق القومي شيء حسن دونما شك، ولكن لا يجوز تحقيقه باللجوء إلى الخداع والغدر بالآخرين. يجب أن تتم الاتفاقيات بهدف توطيد الأمن وإقرار السلام، وليس للكيد بالآخرين.
وعلى النقيض انظروا ما تفعله أوروبا اليوم. إنهم يهدفون بالاتفاقيات إضعافَ الشعوب الأخرى مثلما حدث في الماضي بالصين ومصر وتركيا وإيران وكذلك في الهند قبل فترة، ومثلما يحدث اليوم في بولندا وفرنسا وفنلندا، والنرويج ورومانيا وتشيكوسلوفاكيا وغيرها.
كم هو رائع وجميل هذا التعليم الإسلامي! والحق أن العمل به يضمن اختفاء جميع الفتن والفساد من الدنيا مرة واحدة. والواقع أن مثل هذه الاتفاقيات المغرضة هي التي كانت وراء اندلاع الحربين العالميتين الأولى والحالية. فلولا “معاهدة فرساي” (Versailles) لما نشبت الحرب الحالية بين الاتحاديين وخصومهم. إن القرآن الكريم يحرّم مثل هذه المعاهدات، ويوصينا أن لا نعقد أية اتفاقية إلا بحسن النية وبهدف واحد هو: توطيد السلام.
وأما قوله تعالى إنما يبلوكم الله به فنبّه فيه المسلمين بأننا سوف نتيح لكم عن قريب فرصًا كهذه لنرى مَدى تمسككم بتعاليم الإسلام الأخلاقية إبّان اقتداركم، وما إذا كان الرقي المادي سيدفعكم إلى اتباع خطوات الأمم الأخرى أم لا؟
إن هذا البيان القرآني يشكّل برهانًا عظيمًا على صدق القرآن الكريم وعلى تفوُّق الإسلام على الديانات الأخرى! ذلك لأن الله قد أنزل هذه الأحكام المتعلقة بحكومة إسلامية قوية في وقت كان النبي لا يزال فيه بمكة وما كان المسلمون يملكون حتى شبرًا من الأرض؛ كما كانت هذه الأحكام رائعة بحيث لا يسع أي إنسان شريف إلا الاعتراف بفضل تعليم القرآن الكريم. أليس صحيحًا أنه – بالرغم من انقضاء أكثر من 13 قرنًا على نزول القرآن – لا يزال صدق هذا التعليم وفضله ينكشفان باستمرار؟ أليس كل ما يقع في الدنيا من قلاقل وما تتوجسه الدول بعضها من بعض من مخاوف إلا من جراء الإعراض عن هذه الأحكام الإسلامية؟